التعليم عن بُعد .. الضرورة والعوائق التعليم عن بُعد .. الضرورة والعوائق  
إضاءة على كيفية استعمال اللغة في مواقف التواصل الضدية إضاءة على كيفية استعمال اللغة في مواقف التواصل الضدية  
" التعلم عن بعد " د. سماهر السرحان  
جامعة اليرموك تسمح لطلبتها التسجيل 12 ساعة في الفصل الصيفي جامعة اليرموك تسمح لطلبتها التسجيل 12 ساعة في الفصل الصيفي  
  عميدة شؤون الطلبة باليرموك تلتقي طلبة الجاليات العربية عميدة شؤون الطلبة باليرموك تلتقي طلبة الجاليات العربية  
 التربية والتعليم.3 التربية والتعليم.3  
الجزء الثاني من بحث التربية والتعليم. الجزء الثاني من بحث التربية والتعليم.  
التربية والتعليم. التربية والتعليم.  
جامعة عجلون الوطنية تنظم يوم غد اليوم العلمي لكلية الحقوق Inbox جامعة عجلون الوطنية تنظم يوم غد اليوم العلمي لكلية الحقوق Inbox  
يوميات مشرف تربوي يوميات مشرف تربوي  
مصانع الرجال: 23 مصانع الرجال: 23  
الجامعة الألمانية الأردنية تحرز مراكز متقدمة في  امتحان الكفاءة الجامعية الجامعة الألمانية الأردنية تحرز مراكز متقدمة في امتحان الكفاءة الجامعية  
أحياها الشاعر حيدر محمود: نــدوة شــعريــة في اليـرمـوك أحياها الشاعر حيدر محمود: نــدوة شــعريــة في اليـرمـوك  
القبعة والكاتب القبعة والكاتب  
دوام جامعة اليرموك ليوم غد الخميس دوام جامعة اليرموك ليوم غد الخميس  
الأردنية والتكنولوجيا من أفضل 10 جامعات عربية الأردنية والتكنولوجيا من أفضل 10 جامعات عربية  
الادارة المدرسية الناجحة وأهميتها في العملية التعليمية الادارة المدرسية الناجحة وأهميتها في العملية التعليمية  
محاضرة في جامعة عجلون الوطنية حول خدمات الصيرفة الإسلامية محاضرة في جامعة عجلون الوطنية حول خدمات الصيرفة الإسلامية  
مؤتمر التعددية الثقافية في اللغة والأدب في جامعة الزيتونة الأردنية مؤتمر التعددية الثقافية في اللغة والأدب في جامعة الزيتونة الأردنية  
محاضرة لرئيسة بعثة صندوق النقد الدولي بالهاشمية محاضرة لرئيسة بعثة صندوق النقد الدولي بالهاشمية  
(سعیدة باش طبجي*تونس) إیَّاکِ أن تَرْسُفِي فِي العَتْمِ...  
د.عبد الرحيم مراشدة (حوار ذاتي)  
يوسف أحمد أبو ريدة من الطائرة .........  
سكينة الرفوع "أحلام على حافة الاحتراق "  
 جميلة سلامة لمن نغني؟  
الشاعرة د.إيمان الصالح العمري يا هذه الأمكنة  
رضوان صابر صبري عليكَ  
أ.د. باديس فوغالي الجزائر العربية مآثر صراعات وأمجاد النص الخامس  
ردينة آسيا تمهّل رفيقي..  
أمل المشايخ والتِّين والزَّيتون  
 
شكرا لكل الذين يحاصروني بكلماتهم واخرهم بالزمان الشاعر الرقيق انور الاسمر بخفة عصفور وقلق العاشق ورشاقة نبضه المشغول بالمحبة والجمال يقفز ليُجَدِّلَ أغنيةً ويُطلقها لتعود عليه بصورة كأنها الفتاة الحبلى بجمالها وعلى يديه تُنجب إيقاعها المؤرخ للعلاقة بين العصفور والشجرة..إنه يرسم عفوية النسيم على شعر
 
بحر المكارم مكابرة
بحر المكارم
عبدالله الصليح نوبة
عبدالله الصليح
فريال حقي لن أنسى هواك
فريال حقي
الروائي محمد فتحي المقداد الشجرة التائهة..
الروائي محمد فتحي المقداد

حنين... وسبع أخريات

يوميات ميت
  9954390
 
2020-12-21 11:08:46   
نصوص على الهامش

رحلة إلى العالم الآخر

د. كريمة نور عيساوي / كاتبة مغربية

 

بعد أن دقت الساعة معلنة حلول الثانية صباحا، واندست "أمل" في الفراش، مد يده يتجسس جبينها، إنه بارد كالعادة مثل قطعة ثلج، فنظر إليها مليا، فلاحظ مستغربا شحوب وجهها. هتف في أذنها قائلا: ما بك حبيبتي؟ أراك متعبة، فأنت طول النهار لم تأخذي قسطا من الراحة، تنتقلين من غرفة إلى غرفة ومن طابق إلى طابق وكأنك آلة لا تعرف السكون. اشتقت إليك.
نظرت إليه متفحصة ملامحه كأنها تراه لأول مرة، وقالت بصوتها الرخيم التي تعلوه بحة طالما أثنى عليها، كان لابد أن أجمع كل أثاث البيت، أن أجمع كل تاريخنا المشترك، وأضع عليه الأغطية لكي يظل محفوظا إلى حين العودة إليه. كل قطعة في هذا البيت هي جزء من ذاكرتنا التي بنيناها طوبة طوبة. فكل لوحة من لوحاتي هي تعبير خاص عن مرحلة من مراحل حياتنا، لا بد من الحفاظ عليها من نوائب الزمان وتقلباته. مرر أصابعه على أناملها، أمسك برفق البنصر حيث يتربع خاتم الزواج منذ خمسة عشرة سنة، وبدأ يحدثها معاتبا: بعد خمسة عشرة سنة كاملة، بحلوها ومرها، تتركين كل شيء وراءك، وتقررين الهروب، ترفضين المواجهة، تدوسين التاريخ، والحلم، والأمل من أجل البحث عن المجهول، هل نسيت الأريكة في باحة الفيلا أمام المسبح المضاء بالشموع، هل نسيت نسيم الياسمين المنبعث من الحديقة، أنا وأنت نملك العالم كله. أرى أن كل شيء عندك قد تم رميه دون رحمة في سراديب النسيان. لقد مرت ممحاتك على الأخضر واليابس. أصبح تاريخنا صفحة بيضاء، تريدين كتابتها من جديد ولكن بمفردك. ابتسمت "أمل' ابتسامة شاحبة، مدت يدها، وأضاءت المصباح الذي يوجد على يمين سريرها، نظر إليها متأملا. كانت فاتنة، وهو يرمق ما تبقى من شعرها القمحي المنسدل على صدرها، انتابه إحساس غريب لم يفلح في تفسيره، كان ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة، وربما ستكون آخر مرة. واستطرد قائلا: لا زال هناك متسع من الوقت، يمكنك التراجع، يمكن أن نبدأ من جديد، يمكن أن نسلك طريقا آخر، ردت عليه بنبرة أقرب إلى الهمس بحيث كان يبذل جهدا لالتقاط كلماتها: لا مجال للتراجع، لا مجال للعودة إلى الوراء، بلد لم يحقق لقمة العيش لأطفاله، وطن تخلى عن أبنائه، وطن لم يوفر الدواء لمرضاه، لا أريده. سوف أهاجر، سوف أجعل من لوحاتي صوتا لكل المكلومين ليصل إلى العالم الآخر. لابد أن أسافر، فقد تعبت حتى الثمالة. كم كانت جراحي تتعمق، وأنا ألمح نظرة الشفقة في عيون الكل وهم يراقبون ألمي، وخوفي، وضعف حيلتي، ورجفتي. ألا زلت تتذكر وأنت تحمل، دون جدوى، خصلات شعري المتساقط بين يديك، ودموعك تفضحك وأنت تحاول أن تخفيها عني. هيهات، هيهات، كنت أراقبك وقلبي ينفطر من الوجع، متظاهرة بأني لم ألتفت لبداية تساقط شعري .لقد تخليت عن كل شيء، عن الفيلا، وأشياء كثيرة ، وعن كل ما تملك علني أعود كما كنت. لكن للأسف، بلد يأكل كل شيء دون أن يقدم شيئا لم أعد أتحمل البقاء. كل شيء هنا ملوث. أريد أن أتنفس شيئا من النقاء، أريد أن أعيش في أمان واطمئنان. أريد أن أحيا في السلم والسلام. أعطيت الكثير ، ولم آخذ إلا القليل. أعلم أنني سأخسرك، هو قرار صعب، لا تتخيلني أنانية ولا تفكر في يوم من الأيام بأني تخليت عنك، كان من الممكن أن يكون الفراق من دار إلى دار. الآن هو فقط بين بلدين. سأنتظر زيارتك، سأصاحب المساء بكل غموضه، وأرتشف الليل بشطحاته، وأحضن النهار المتمرد حتى أراك. يجب أن تعلم أني ما خلقت إلا لك، وما حلمت إلا أن أموت في حضنك. هي الأقدار. فدوام الحال من المحال. قد يتحقق ذلك في الأيام القادمة.
مسح الدموع التي كانت تنهمر من عينيها مدرارا، حضنها بقوة وقال بلهجة فيها الكثير من العزم والحزم: لن أتركك سألحق بك بعد شهر من الآن. ليس لحياتي معنى دونك، ولن يكون لها طعم دون رضاب شفتيك. أغمضت عينيها الواسعتين وهي تبتسم، مرر يده على شفتيها، وهمس في أذنبها: أريدك أن تظلي مبتسمة هكذا. في تلك الليلة جفاه النوم، انتابته هواجس كثيرة، وانهالت على رأسه صور متباينة اختلط بعضها ببعض، تمنى أن ينبلج الفجر لكي يتخلص من هذه الهواجس، خرج من غرفة النوم مرات عديدة، وكان يعود إليها في كل مرة عسى أن يهنأ بالنوم ولو للحظات. لم ينقذه من هذا القلق سوى رنات المنبه معلنة حلول الساعة السادسة صباحا، تسلل بهدوء من الغرفة، توجه مباشرة نحو المطبخ، حضر لها الفطور المفضل، بيض مقلي، وشاي أخضر، وجبن بلدي، وزيتون أسود. نظر، بأسى وحسرة، إلى الحقائب المركونة على مقربة من الباب الخارجي. غير أنه ابتسم معللا نفسه بأنه لن يتأخر كثيرا في اللحاق بها. صعد إلى الغرفة، ونادي بصوت خافت: أمل أمل أمل حبيبتي لابد أن تستيقظي، لم يبق على موعد الطائرة إلا ثلاث ساعات فقط . لم تنبس "أمل" ببنت شفة، رفع من صوته قليلا. لكن لا مجيب على الإطلاق . دنا منها، أزاح برفق الغطاء عن وجهها، لا زالت مبتسمة كما كانت بالأمس، مرر يده على شفتيها، وصاح بصوت أكثر ارتفاعا معتقدا أنها قد استغرقت في النوم بعد تعب البارحة: عليك أن تستيقظي اللهم إلا إذا كنت قد غيرت رأيك بخصوص الهجرة. وتخيل للحظة أنها فعلا قد غيرت رأيها بخصوص الهجرة، وأنها تريد فقد أن تمازحه وهي تدعي الاستغراق في النوم. صاح مرة ثانية وثالثة ورابعة...."أمل" لم تتحرك. هل من الممكن أن تكون قد هاجرت "أمل" دون تذكرة ودون طائرة ودون حقائب سفر؟

شيء من الذاكرة المهجورة

على غير عادتها أيقظتها أمها هذا الصباح، وهي تمرر يدها على خصلات شعرها القمحي، ثم طبعت قبلة طويلة على جبينها. لأول مرة تحس بدفء صدر أمها بعدما احتضنتها بقوة، أول مرة تتحسس بشرة أمها الناعمة. لم تعهد منها هذا العطف ولا هذا السيل الجارف من الحنان. غمرتها سعادة كبيرة لا حد لها، وتمنت في داخلها لو طالت المدة، وراودتها فكرة ادعاء المرض علها تقبع في البيت، وتنعم بهذا الفيض من الحنان. حاولت أن تنقب في ذاكرتها الصغيرة عن صورة مشابهة لهذه اللحظة التي عاشتها فلم تفلح في ذلك، ذاكرتها مشحونة بصور صاخبة تمر أمامها كالبرق تباعا. فأمها إما أن تصرخ في وجهها عندما تعمد، عن قصد وإصرار، إلى تمزيق ثيابها بالمقص حتى تثير غضب أمها أو عندما تتسخ ملابسها أثناء الأكل. فهي لم تعثر عن أي صورة لأمها، وهي تحثها على الدراسة أو التحضير للامتحانات. أكبر شيء كانت مهووسة به أمها هو الحرص على نظافتها، ومظهرها الخارجي.
لم تستفق آلاء من هذه الهلوسات إلا على صوت أمها، وهي تطلب منها برفق أن تغسل أطرافها، و أن تلتحق بها من أجل أن تمشط شعرها. سيل من الأسئلة عج بها رأسها الصغير. لماذا أمي اليوم حنون؟ لماذا غابت هيبتها؟ ما السر وراء ابتسامتها الغامضة؟ ولماذا طلبت مني ارتداء فستان العيد؟ ارتدت آلاء فستانها، ولحقت بأمها لتجدها تمشط شعر أختها الطويل وتزينه بشرائط حمراء، وقد ارتدت هي الأخرى فستان العيد الوردي. أمسكتها من يدها، وسألتها ولأول مرة، هل تريدين أن يظل شعرك مسدلا أم تفضلين أن يكون على شكل ذيل حصان؟ أحست بفرح كبير، وبأنها أصبحت فتاة كبيرة تستشيرها أمها في المظهر الذي تفضله ويليق بها. فقالت أريده على شكل ذيل حصان بشريط أخضر.
بعد وجبة الفطور قربتهما الأم إليها، وأجلستهما على ركبتيها، وقالت بصوت مشحون بالأسى ونبرة لم تنسها طول حياتها: مهما طال الزمن، ومهما كانت الظروف لا تصدقا أبدا ما يُقال لكما عني، كونا متأكدتين أنني أحبكما أكثر من نفسي، وسأظل أحبكما حتى لو سافرت. ستظلان أجمل شيء في حياتي إلى جانب أختكما عهد. وإذا بها تسألها آلاء: هل ستسافرين ماما؟ لا يا عزيزتي هي فقط وصية أردتكما أن تحفظاها عني. والآن حان وقت المدرسة. امسكي بيد أختك فقد صرت مسؤولة عنها. وانطلقتا بعد أن قبلتهما واحتضنتهما بقوة، وقد ظهرت لمعة دمعة في عينيها.
في القسم، وفي حصة الرسم، أول مرة ترسم آلاء وجها بشريا بعدما كانت جل رسوماتها من مظاهر الطبيعة. ولما سألتها المعلمة متعجبة عمن في الصورة قالت دون تردد هي ماما الحنون. مرت الفترة الصباحية بسرعة، ورن جرس الخروج. انتظرت أختها طويلا بباب القسم لكنها لم تأت. شعرت بأنها أخفقت في المسؤولية التي أسندتها إليها أمها في هذا الصباح، سيطر عليها نوع من الخوف لا عهد لها به، حاولت أن تتذكر طريق العودة إلى البيت. لم تستفق إلا على صوت أبيها، وهو يناديها تعالي يا آلاء. أصابتها الدهشة. ما الذي أتى بأبي في هذا اليوم؟ حمل عنها الحقيبة، وهي لا تنبس ببنت شفة، أبي لم يزر مؤسستنا قط. ما الذي جعله يترك عمله؟ لم أكن أرى أبي إلا في الأعياد. حتى الحفلات كان يتغيب عنها. لماذا لم يلتحق بعمله اليوم؟ كنت أحظى برؤية والدي في عيد الأضحى وهو يذبح الشاة وأنا أساعده، لم تتعود أن تتحدث مع أبيها لذلك واجهت صعوبة في فتح باب التواصل معه. كانت تبدو على ملامحه الصارمة آثار الضجر والحزن والغضب. حاولت أن تسترق نظرة إليه لكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلا. وفجأة وجدت نفسها أمام البيت. الشارع مكتظ بالناس. ونظرة الحسرة في عيون الجيران. سيارتا الإسعاف والشرطة مركونتان في الحي. ما الذي يجري؟ ما كل هذا الحشد من الناس؟ لماذا تبكي جارتنا أم عماد؟ ولماذا عمي خالد هنا؟ أحست بنوع من الجوع. سألت أختها الصغرى: أريد أن آكل؟ ألا تحسين بالجوع؟ وإذا بالجدة تهرول باتجاههما وهما يجلسان في باحة البيت، والدموع تنهمر من عينيها مدرارا. أهلا صغيراتي؟ ما ذنبكما وقد يتمتما دون وجه حق؟ وإذا بالعمة تقبل مقتضبة الحاجبين تعلو سحنتها موجة من الغضب الجامح.: هذا ما خلفته أمكما؟ فضيحة ولعنة. في هذه اللحظة فقط انتبهت آلاء لغياب الأم، وصرخت بأعلى صوتها، ودون أن تعير اهتماما لأبيها، قد أحست فعلا أن مكروها أصاب الأم. أريد ماما. فما كان من الجدة إلا أن رددت وهي كلها حرقة وألم: لقد ذهبت أمكما إلى دار البقاء، لتنطق العمة بصوتها الجوهري الخشن: ذهبت بعد أن لطخت سمعتنا بفضيحة مدوية. لقد انتحرت. كانت آخر كلمة وصلت إلى سمع آلاء قبل أن يغمي عليها......
كانت آلاء مستلقية باسترخاء على السرير الناصع البياض حينما بادرها الطبيب قائلا: طيب مهندسة آلاء، انتهت حصتك اليوم، حاولي أن ترتاحي، تفضلي بشرب كوب من الماء. حصة اليوم أعتبرها أنجح حصة حتى وإن كنت قد تعبت كثيرا وبكيت كثيرا وتألمت كثيرا. لكننا استطعنا أن نلج لتاريخك القديم، ونحرك الذاكرة. وقد كان تجاوبك إيجابيا. منذ بداية العلاج لم تكوني تتحدثين إلا عندما أطرح عليك سؤالا. اليوم استرجعت كل شيء دون أي سؤال. لنا لقاء في الأسبوع المقبل. أعتقد أننا بدأنا الخطوة الأولى اليوم.

الخلايا النائمة

أحس بشعاع دافئ يداعب أهدابه، فتح عينيه، إنه الضوء المنبعث من النافذة عبر فتحة التقاء الستائر. نظر إليها. كانت لا تزال بجانبه تغط في نوم عميق. لا يظهر من وجهها المستدير سوى شفتيها الزهريتين، وجزء من وجهها المغطى بشعرها القمحي. حاول أن ينسل من الفراش دون أن تحس به. لكنها كعادتها كلما تحرك إلا وباغتته بصوت رخيم: هل أنت بخير؟ بادرته بإلقاء تحية الصباح، وسألته: هل نمت جيدا الليلة؟ أجاب وهو يبتسم: نعم عزيزتي. فردت عليه: صحيح؟ فتعجب من سؤالها وقال: لماذا؟ فردت عليه: طول الليل وأنت تهذي. ناديت على أمك وأبيك عدة مرات. طلبت الرحمة من ربك، رحمتك يا حبيبي يا الله. ارحمني يا الله. لقد كان صوتك مخنوقا، وكنت تتنفس بصعوبة. حملق في تفاصيل وجهها وابتسم وقال: ربما كنت تحلمين كالعادة، محاولا تجاوز تساؤلاتها. غير أن ملامحه كشفت عن مدى حزنه الدفين، ونفسيته المنكسرة. نزلت بسرعة من السرير، ناولته كأس ماء، وبعض حبات الدواء، وأردفت قائلة: خذ حمامك ودعنا نكمل برنامجنا الذي خططنا له مسبقا، فالجو جميل، وقلما نجد يوما مشمسا في سماء باريس المكفهرة.
أخذ حمامه بسرعة وخرج. وجدها كالعادة اختارت له ملابسه، قميص أخضر يانع في لون الربيع، وسروال أسود، وحذاء نصف فصلي. حضر نفسه وانتبه إلى أنها تُحب شرب القهوة، فأعد فنجاني قهوة. وبعد برهة من الزمن برزت أمامه في كامل زينتها. نظر إليها مبتسما: ما يحز في نفسي هو أن أفقد هذه الإطلالة، وهذه الابتسامة في يوم من الأيام. مسحت بيدها على رأسه كأم حنون تعطف على صغيرها: أرجوك أيها الطفل المدلل، لا نريد أن نفتح الحديث عن الموت، إنه قدر محدد بزمانه وبمكانه. لا يمكن تجاوزه ولا إيقافه، إلا أن الحديث عنه يا عزيزي يخنقني، يقطع أنفاسي، أرجوك. أنت لا زلت في البداية. الطبيب أكد أن الخلايا نائمة، لم تنشط بعد. ويمكن القضاء عليها إما بالدواء أو الاستئصال. لا زلنا في مرحلة التشخيص. فلا تيأس. إن رحمة الله واسعة.
بادرها قائلا: لن أستطيع أن أتصورك أو أتخيلك مع رجل آخر، و لا أستطيع مجرد التفكير ولو للحظة أنك ستكونين لغيري عندما ألج العالم الآخر، وأذوب في غياهب النسيان، وأصبح مجرد ذكرى عابرة. مسحت عينيه، طبعت قبلة على جبينه، ناولته فنجان القهوة، قالت: أنا الأخرى لا أتصور نفسي لغيرك. ثم أمسكته من يده وخرجا لتناول وجبة الإفطار بالفندق. كانت تصر على انتقاء المغذي من الأطعمة، بل حرصت على تغذيته بيدها، عيناها لم تفارقه ولو للحظة كما لو أنها لن تراه بعد اليوم. استقلا طاكسي، وطلبت منه إن يوصلهما إلى برج إيفل. وفي الطريق كانت تتحدث مع السائق مستفسرة عن بعض المآثر، وأماكنها، وتترجم له كل الحوار الذي دار بينهما حتى لا يحس بالملل. مر الطاكسي بجانب جسر العشاق، فاستأذنت منه أن يتوقف لبضعة دقائق. نزلا على عجل من الطاكسي، اقتنيا قفلا، وكتبا عليه بعناية اسميهما، وهرولا مسرعين إلى الجسر، وقبل أن يعلقاه بجدار الجسر، طلبت منه أن يتمنى أمنية. همس في أذنها: أمنيتي أن أحيا لكي أسعدك طول العمر. فقالت في نفسها: أمنيتي أن أموت قبلك. سألها: ماذا تمنيت؟ أجابت: لن تتحقق الأمنية إذا ما نطقت بها. وأكملا الطريق إلى البرج.
وقفا في الطابور، قال: هذه المرة لن أهزم من هذا الحشد الكبير لأنك معي، والوقت معك يجري بسرعة الضوء. ضحكت ملء فمها: ستمل يوما ما مني عندما أصبح عجوزا، أضع طقم أسنان، وأضع نظرات طبية، واستعمل في أذني قوقعة سمعية، و لا أمشي إلا وأنا متكئة على عصا. ستكونين أجمل عجوز، وأجمل أم، وأجمل حماة، سأراك جميلة لأنك تُحفة والتحف يزيد جمالها مع مرور السنين. وهما يصعدان أدراج البرج كانت تحس به يبذل مجهودا، بادرته قائلة: تعال نستعمل المصعد. اعترض بلباقة وقال: أريد أن استمع معك بالصعود درجا درجا. لكنها استطاعت أن تقنعه بأن يستقل المصعد في الطابق الأخير. جلسا بمقهى مدة طويلة ثم طلبت منه العودة. فقد حان وقت الدواء. أصر على البقاء هناك وتناولا وجبة الغذاء، وأبدى رغبته في البقاء إلى المساء حتى يستمتع بمشاهدة لحظة إضاءة البرج. طول الوقت كان ممسكا بيدها، يتجولان في سماء باريس، ويتحدثان عن الحضارة الفرنسية العريقة. ودون أن يعبآ بالوقت تمت إضاءة البرج. وفي لحظة الإضاءة صرخ بأعلى صوته اشهدي يا باريس يا أكبر مدينة في فرنسا أن حبي لأمنية أكبر منك عشرات المرات. فنطقت اشهدي يا أرض وابلغي السماء أن حبي لكمال أكبر من الكون. ضحكا معا، وهمّا بالعودة.
وفي المصعد أثناء النزول من البرج، كانت تتفرس في الأعداد الهائلة من السياح من جميع الجنسيات ومن جميع الديانات، بل ومن جميع أنحاء العالم. فتح الحارس باب المصعد، هب بالخروج فأحس بألم فظيع يقطع أحشاءه، تراجع إلى الخلف من أجل استعادة توازنه، ظل واقفا، ساندا ظهره إلى جدار المصعد. التفتت لتبحث عنه بعد أن خرجت من المصعد. وفي لحظة شعرت أن شيئا ما حملها وقذف بها بعيدا، وأن صوتا قويا أصم أذنيها، وأنها غابت عن الوعي. وبعد لحظة فتحت عينيها لتجده يمسكها بين ذراعيه وهو يقول: أمنية حبيبتي أرجوك لا تغادري لا تتركيني، وسمعت الناس تصرخ: إنها عملية إرهابية نفذها عضو من أعضاء الخلايا النائمة. نظرت إليه وقالت مبتسمة: هل استيقظت الخلايا النائمة. رد وهو يجهش بالبكاء: ما أقساها من خلايا ألعن من الخلايا السرطانية التي تفتك بجسدي. لا تتركيني حبيبتي. فردت بصوبة كبيرة: هو قدرنا أن نكون معا ضحية الخلايا النائمة، وضاع صوتها تدريجيا وسط ضجة الصراخ وأبواق سيارات الإسعاف والشرطة.

 


الصمت


فتح المذياع على صوت فيروز وهي تصدح بأعلى صوتها: حبيتك في الصيف، حبيتك في الشتي، نظر إليها، وقد استوت في الكرسي بجانبه، وهي في كامل زينتها المعتادة، وقد فاحت رائحة عطرها الباريسي، وأضفت على المكان رونقا خاصا. وقف في أول إشارة حمراء، نظر إليها محاولا أن يتفرس ملامحها، وكأنه يراها لأول مرة. كانت تتملكه لهفة شديدة لا تقاوم لرسم هذه الصورة الجميلة في مخيلته، وطبعها في ذاكرته. لم تنبس ببنت شفة، كانت تعيش في عالم آخر ، لم يستطع أن يغوص في عينيها العسليتين اللتين تشوبهما دمعة خفية، فقد كانت كالعادة ترتدي نظارتها الشمسية، والتي طالما طلب منها مستجديا ألا تضعها عندما يكون برفقتها، كانت تجلس، كما عهدها، واضعة يدا فوق يد، وقدم ممدودة للأمام بعنفوان، والأخرى منطوية عليها. لم يتغير فيها أي شيء، سوى هذا الصمت المطبق الذي أصبح يخنقه في الفترة الأخيرة. رجع بذاكرته للوراء، ورآها منذ عشرين سنة مرحة، كثيرة الحركة، لا تمر دقيقة دون أن تتحدث بتلقائية، أن تضحك، أن تبتسم ملء فمها، أن تغني، أو أن تطبع قبلة دافئة على جبينه، محاولة شد انتباهه إليها. كانت في حركة دائمة، تُلون المكان بلون مزاجها الخاص، وتراقص الفضاء بنكهتها التي تجعل النهار يشدو فرحا لفرحها. كم كانت الحياة جميلة. كل شيء أصبح صامتا حتى عينيها يلفهما الغموض، وشفتاها مرهمتان بالجفاء. أصبحت أرضا يبابا بعدما كانت دائمة العطاء في حالة الفرح وفي حالة الحزن. تساءل في استغراب: ما سر هذا التحول؟ استفاق على صوت منبه السيارات المزعج. انطلق بسيارته، كانت فيروز قد انتهت للتو من أغنيتها. وبدأت نشرة الأخبار . أغلق المذياع، ونظر إليها، وهي واجمة كمومياء من عهد الفراعنة، حبيبتي لا بد أن نتحدث، لا بد أن نخرج من حالة الوجوم هذه، صمتك يخنقني، يكتم أنفاسي، يصيبني بالجنون. لم يكن يعلم أن ردة فعله العنيفة لها في ذلك اليوم المشؤوم حينما أمرها بالصمت أنها ستوصلها إلى هذه الحالة. حملقت فيه مقبلة على استئناف الحديث، انفرجت أساريره فرحا. أخيرا سنفتح باب النقاش والحوار. وكالعادة سأفحمها، وأرسم قبلة على خدها المتورد وترجع المياه إلى مجاريها. ردت بصوتها الشجي المعهود، والذي تحس بوخز في قلبك إذا ما كانت مجروحة: سأنزل عند الإشارة المقبلة، وصمتت من جديد. رد متعجبا: ألن أوصلك إلى العمل اليوم؟ فأجابت: أنا لا أعمل اليوم. عندي زيارة للطبيب. أي طبيب؟ خير عزيزتي. هل يؤلمك شيء؟ منذ أزيد من ثلاثة أشهر، وأنت صامتة، حاولت مرارا أن أبحث عن السبب. لم أجد مبررا ينتشلني من الحيرة التي أغرق فيها دون أمل في النجاة. لم أعد أستطيع الاستمرار في هذا التعب الذي أرهقني كثيرا. ردت وهي تهم بالنزول: فما بالك بمن عاش هذا الإرهاق وهذا التعب لمدة عشرين سنة، لنا لقاء في المساء لنضع النقط على الحروف. تفرس في ملامحها، وهي تنزل من السيارة مسرعة ليكتشف أنها جميلة جدا، وأنها تمتلك قواما رائعا. لأول مرة في حياته ينتبه لخصلات شعرها، وهي تراقص بعبث رياح الخريف الذي جاء قبل موعده. لأول مرة يرها وهي تمشي على استحياء. إنه يراها من الخارج. يراها وهي تنفلت من بين يديه؟ رآها كحلم يتبدد في السماء. ظل ينتظر أن تلتف كالعادة ملوحة بيديها، وطابعة في الهواء ابتسامتها المعتادة. لم تلتفت. انطلقت كالسهم وغابت تماما عن عينيه الساهمتين. تساءل مستنكرا: هل ملت من صمتي أم أنها اختارت العيش في كنفه؟ هل إلى هذا الحد كنت عبئا ثقيلا عليها؟ تسارعت دقات قلبه، وأحس بوخز شديد. لماذا الآن بعد أن تعودت على ضحكها وضجيجها وصخبها.

سُبحة جدي

لم تكن تعلم، وهي تنطلق كالسهم يخرق وجه السماء، أنها ستلتطم لا محالة بسحابة بيضاء، ترتق ما تفتق من ذلك الجسد المنخور، مع ربيع العمر الذي ولى. فتحت، كالعادة، جهاز التلفاز لتستمع إلى ما تبقى من أخبار الدمار. فكل الألوان مرت عليها اليوم بدءا من أول هاتف رن في السابعة صباحا، لابد أن تحضري حالا، لقد توفي جدك. كادت أن تقع مغشيا عليها من هول الصدمة لولا أنها تمالكت في الأخير نفسها، فقد كانت تتوقع الخبر بعد آخر زيارة له عندما أمسك يدها برهة من الزمن وقال: كوني قوية كما عهدتك دائما، صبورة ومبتسمة على علقم الحياة، لا تجعليه يطفو إلى السطح، فمرارته تذهب حلاوة جمالك، قبلت يده فأمسكها بقوة، وقال: سُبحتي هذه لك إن رحلت، إذا شعرت أنك بحاجة إلي خذيها بين يديك، واذكري الله، سأسمع أنفاسك من تحت التراب، وستصلني حشرجاتك، سأكون معك في كل لحظة وحين. رددت لتوها إنا لله وإنا إليه راجعون.
لم يكن أمامها سوى بضع ساعات لتودع أغلى إنسان ارتمت في أحضانه لعشرات المرات تبكي حظها أو تزف إليه نبأ نجاح من نجاحاتها، فقد كان مستودع أسرارها، غيرت ملابسها على عجل، وهي لا تستطيع أن توقف سيلان دموعها على خديها، واتجهت مسرعة نحو محطة القطار، دخلت العربة، و في المقصورة وضعت الهاتف على الطاولة، وأطلقت العنان لذاكرتها لتجود بما شاءت من الصور المفرحة منها والحزينة عبر محطات حياتها الأليمة. لا زالت تتذكر عندما توفيت والدتها كيف أن جدها كان هو أول من تلقفها، وهي تدخل في غيبوبة امتدت أكثر من ثلاثة أيام، وكان هو أول من وجدته أمامها جالسا على حافة السرير عندما فتحت عينيها، وقد أخذ في يده ظرفا، وقال لهذه الدرجة أنت جبانة لقد وصل أمس خبر تعيينك في كلية الصيدلة بمدينة الرباط، أعرف أن بعد المسافة هو من جعلك تنامين، محاولا تجاوز وفاة الأم، وأثره على نفسها، فتبتسم، والدموع لا زالت تنهمر مدرارا.
تسمع صراخ طفلة صغيرة داخل المقصورة فيعتصر قلبها ألما، آلاء هنيئا لك حبيبتي ستنعمين الليلة بمجالسة جدي. تتذكر كيف أن جدها هو من كان يقودها في الكرسي المتحرك بعدما تعرضت لشلل نصفي من أثر حادثة سير سرعان ما ستضع حدا لحياة طفلتها آلاء، والتي كانت سببا في طلاقها من زوجها الذي لم يتحمل أثر الصدمة وهاجر.
تتذكر كيف أن هذا الجد قدم الشيء الكثير لأبنائه ولأحفاده، وتتساءل ماذا قدموا هم له؟ يمر بائع المشروبات داخل عربة القطار ، تستنشق عبق قهوة الصباح، وهي تتلقفها من يد جدها، وقد أعدها بنكهة الأعشاب، ستهدئ أعصابك وإن كنت أرفض إدمانك عليها. فتعتزم عدم شرب القهوة وفاء لروح جدها، و تخاطب نفسها أعاهدك جدي حبيبي لن أحتسي القهوة بعد الآن. لكن سأشربها بالحليب فتبتسم والدموع لا زالت تنهمر سيولا من عينيها، وإذا بيد تمتد نحوها لتُقدم لها بلطف وأدب كبيرين منديلا ورقيا، أتمنى أن تكوني بخير سيدتي، لا شيء يستحق كل هذه الدموع ما دمنا كلنا إلى زوال، لكن دعيني أخبرك... نظرت إليه وهي مشدوهة، لا تنبس ببنت شفة، كيف لم تنتبه لوجوده أمامها في المقصورة منذ انطلاق الرحلة، كان في مقتبل الخمسين من عمره، أسمر، عريض المنكبين، حاد العينين، أنفه أعقف، كان يمسك حاسوبا وبجانبه جريدة وحقيبة تدل على أنه شخصية لها مركز مرموق في المجتمع. ثم استدرك قائلا: أجمل ابتسامة تلك التي تأتي وسط الدموع، لديك أجمل ابتسامة رأيتها، قالت: شكرا. والتفتت للنافذة تمسح دموعها أو تخفي وجهها. توقف القطار نزلت مسرعة في اتجاه بيت جدها. وفي المساء وفي السابعة تحديدا رن جرس هاتف البيت، رفعت السماعة. ألو من معي؟ هل أنت صاحبة أجمل ابتسامة؟ أجابت مستغربة: من أين حصلت على رقم هاتفي؟ رد بهدوء: لقد تركت هاتفك بجانبي في مقصورة القطار ، سأنتظرك بشغف لأرى أجمل ابتسامة في هذا الكون. وضعت يدها في معطفها، وأخرجت سُبحة جدها البيضاء فأحست بسحابة بيضاء تحملها لعالم جديد.
أبي

المساء رعشة النهار، سيمفونية اللقاء منذ الأزل، تجتمع الأماني من كوة السديم لترقص على وتر الفكر المتعب، كل مساء يأتي أبي يحمل قوس قزح يئن من ثقل التعب يضعه في حجر أمي التي ترتق ساعات النهار بسرعة لتنسج في المساء بساط اللقاء.
لازالت صور أبي تتخطفني تهزني وهو يمسح عن وجهه التعب بابتسامته المعهودة ونحن نقف في طابور التحية، تقبيل الأيادي نشوة لا تكتمل إلا بسماع عبارة) الله يرضي عليك(، حروف موشومة في الذاكرة تطرب الأذن لرقصها على الطبلة الداخلية.
لاشيء يعادل المساء في بيتنا القديم، بقدوم أبي نتنفس السكينة في حضرة حكاياته، ونستمع لتراتيل الصلاة في صمته المطبق كلما ضاقت عليه أرجاء الكون، لا شيء يعادل شغب أبي في لبنة الأسرة وهو يتوسط عرش مملكته التي شيد أساساتها من عظام شبابه، وبنى طبقاتها من عضلات جسده، وأثث سقفها من خصلات شعره الأبيض.
كلما نظرت اليوم في هذه العيون الرمادية اللامعة تذكرت فرات الشاي في قبضة أبي المفتول العضلات، عضلات اشتدت من حمل الأثقال في ساحة حرب لقمة العيش وليس في قاعات الرياضة الفارهة، هذا الفارس المغوار حمى تحت جناحيه فراخه الصغيرة وناضل بهن في ساحات الوغى الكثيرة حتى أوصلهن بر الأمان، تسع بنات وزوجة وأخت أرملة هي بذور غرسها ووريقات يانعة سقاها من عرق جبينه الذي خطت مساراته ودروبه وجع الليالي المظلمة.
وجه أبي نهار دائم لا تكدره غيوم مصاعب الحياة ولا تغير ملامحه تجليات السعادة، عيناه ثابتة على هدف واحد ووحيد، قليلا ما كنت أرى حروف أبي ترقص على وتر اللقاء أو تذبل أمام سيول الفراق، أبي بركان نشيط لا تشاهد له انفجارا مهما قست عليه محن الدهر، أبي جبل لا تهزه رياح الألم ولا عواصف الوجع، أشتاق لحضن أبي في عز الصيف يحميني من قيظ الأيام، عرق أبي روح وريحان و جنة قرنفل لا يلجها إلا من رفل في صرحه المشيد من التحدي،

١/من دروس كورونا

الجمعة عروس الأيام ترتدي وشاحها الأبيض بعدما تغتسل بقطرات الندى كل شيء فيها معطر ببخور المحبة، ترقص خصلات ثوانيها على طرق الباب وإقبال الأحبة، نرتمي في حضن الحنان نمسح دمعة الحنين الذي قد يطول أسبوعا او شهرا أو سنة، نجتمع حول مائدة الذكرى، ونشرب كؤوس الفرح، لم يخطر بخلدي يوما وأنا أنسج عقد الذكريات، أنه ستشرق شمس الجمعة الثانية من هذا الشهر دون أن أرتمي في حضن روحي الثانية لأستمد قوتي التي تضعف بعد كل رحلة مزركشة بالتعب في قطار الحياة السريع، نكهة الجمعة لا تكتمل إلا في بيتنا الكبير، وقد امتزجت روائح الكسكس بسبع خضر وعبق النعناع الأخضر في براد الشاي، لوحة مغربية أصيلة لن تتحقق الا في معرض من معارض الفنانة الشعيبية، طقوسنا الدينية شيء مقدس ورتق ما فتق من بُعد لا يتحقق إلا في هذا اليوم المميز.
أتكحل بالنظر في عيون أبي التي تحكي آلاف الحكايات وتكشف عن مرارة الأيام الخوالي، لا شيء يعادل جلوسي عند قدميه أرهم ما نقشته معاول الأيام وداء السكري، أتحسس نبع حنان يفيض دعاء بالتيسير والنجاح، إلا ابتسامة رضى وهو يضع اللقمة في فمي يغيض باقي الأخوات لقد أخذت كل البركة هذا يفصح وهو يبتسم ابتسامته الخجولة، كل هذا الخير العظيم حرمني منه عدو غير مرئي ليس بيني وبيه غير الخير والإحسان بحكم الجيرة والعيش في بسيطة واحدة، لست أنانية أن أطالبك بالرحيل لعالم آخر لكن من حقي أن أطالبك بغلق الحدود بيننا بصفة نهائية ، فقد أغلقت بابي حتى تترجل عن عالمي في سلام.
كورونا أيها الزائر غير المرغوب فيه، هل تعلم كم من الألم تخفي في ثنايا زيارتك؟ وكم من رعب غير متوقع جذرته في النفوس الخائفة؟ لقد تعلمنا في مدرستك دروسا لم نتلقاها في كتب الفلسفة أو مخطوطات التاريخ، لقد جعلت كل الناس سواسية وحققت العدالة الاجتماعية، وصدحت بأعلى صوتك امتلك ما تشاء فلو صادفتك في طريقي وصافحتك فأنت تنتظر الرحمة من السماء...
بعد مغادرتك سوف تتغير نظرتنا للحياة، سوف لا نعطي للأمور أكثر من حقها، فقد أدركنا أن كثرة سقي الورود تميتها، سندرك أن بيتنا الذي كنا نعتقد أنه صغير بحجم كف اليد هو قصر كبير ونحن نرفل في الصحة والعافية، وأن قصر جارنا أضحى قبرا ضيقا بعد أن زرته.
سندرك بعد خروجنا من هذا الحجر الصحي، أننا أهدرنا الكثير من وقتنا ونحن نفكر في توافه الأمور، لقد كانت الحياة جميلة جدا، إلا أننا كنا نرتدي النظارات الخطأ، سندرك أن النقود التي كانت تجلب الفرح، قد تكون وسيلة لجلب القرح إذا ما صادفتها في طريقك، سندرك بعد رحيلك أن انتصارنا عليك وتشبثنا بالحياة كان برحمة من الله وأن من هزموا ورحلوا دون وداع أو تأبين فليس بخروجهم من رحمة الله ، ولكنه حان وقت مغادرتهم قطار الحياة في صورة تراجيدية لم يسبق لأزمات تاريخ الإنسانية أن رسمت ملامحها....


٢/ من دروس كورونا

ونحن نتجول في عالم يلفه الضباب نرتشف الكلمات باقتضاب، نراقب هجرة الساعات الصباحية يقضمها قرص الشمس البرتقالي في زنزانة الزمن، تعودت أن أرى الخصلات البيضاء تحيك شراشف الفرح.
هذه المرأة الأربعينية لا تأبه لفلسفة السنوات، فالسيول عندها تجري أكثر من الحروف ترسم طريقا فوق تجاعيد الخدود القاحلة لا يرهمها سوى حضن طفل أو شهقة عجوز من الفرح، الشقاء عندها زاوية قائمة في مثلث الحياة، النور ضلعه الأول والأمل ضلعه الثاني والتحدي ضلعه الثالث هو صولجان يكبح جماح كل طوفان، لست أدري لما سمعة الوقت أضحت رمادية؟ لا ندرك هل يستغلنا أم نستغله؟ أراه متسكعا في بيوت الحجر الصحي وأراني أكتظ بهوس السؤال في دواليب هذه الأيام، الساعة تطوف بين دروب الزمن يحملها لصان الأول عقرب طويل رُؤيته عند أنف الثواني، والثاني لص قصير لكنه ينسج من سويعات حجرنا أرصفة فارغة، تجعلنا ونحن نسلخ سنوات عمرنا ندرك، أن المصاعب والمحن نزف لحظات شأنها شأن الضحكات، تموت لتولد أخرى، شأنها شأن الأصدقاء أسراب طيور ترحل في الخريف لتحل محلها أسراب أخرى مع بداية الربيع.
يتمنع القرطاس ويرفض الرضوخ يخضع لقانون الكفن الأبيض يستهجن لغة الألوان ،ها هو اليراع تجمد رصاصه يستعصي علي تطويعه، حجر كلي، حتى العواطف والأحاسيس تعج بالفوضى تتشبث بسيقان ارتجاج الرؤية، تمطرني زنبقات متسكعات في هذا الفضاء تتناثرني أمام الشاشات معلقة بأهداب السماء ، لست عصية على الوقت بما يكفي، لكنني أنسج بعض اللحظات في عقد السعادة، سأجمل هذه الجمعة وألونها بقوس قزح، سأمتطي بساط الروح وأزور توأمها، طرقت الصوان دون سابق إنذار أتحسس فساتيني التي أهملتها منذ زمن ، فقد غطت في سبات عميق. صرخت فيهن قائلة: استيقظن ...
سنمرح نكاية في الوقت ...
سنلتحم ونحس بدفء اليوم...
لم تكن مرحة بما يكفي لترخم أرخبيل قلبي المتصلب أمام مرآتي العجوز التي فقدت نضارتها من هول الأيام، لقد خطت النهاية وأنا لازلت لم أبدأ الحكاية.

٣/ من دروس كورونا

هذه الأجوبة الجاهزة والمعلقة على محيا البعض ممن يصطفون في طابور المحبة، تستفز أسئلتي السائحة في حزمة الأفكار. منذ الصباح وأنا أقفز بين الصفحات، أنط بين الصور وأسيح بين الحروف المضيئة من وهج خيوط الشمس الغائبة تحت قطن السماء، أتماهى مع المدهش من المعاني وأتعجب ممن لا يزال يغط في سباته العميق. لكن بين الفينة والأخرى أرقب تلك الثواني والدقائق والساعات التي تجري دون كلل أو ملل، قررت أن أوقف الزمن، وأقف على ناصية الوقت أتدبر ما يجري في هذا العالم الذي اقتحمني دون رغبة مني، عالم أضحى يخترقني بانتظام في ظل الحجر الصحي، أتوسل به سبل النجاة من هذه الجائحة التي تؤرقني.
قد يطل علينا الفرج عما قريب وقد نستيقظ على معجزة، رغم انقضاء عصر المعجزات، فأنا على يقين أن هذا الاقتحام يشغلني، ويؤخر مشاريعي، ويضعها جانبا، يسحبني دون وعي مني، يأخذني لأقضي الساعات الطوال أمام دهشة الاكتشافات. هذه الاكتشافات التي لا تنتهي، ولا تنتهي معها متعتي التي أمست تبتلعني. كل الوجوه أستطيع قراءتها من وراء الصفحات، فما يُبطن فيها أكثر مما يُظهر، صفحات تنقض على صفحات تفتك بها، مثل صفحة مرت أمامي، اعتادت أن تمد يدها، وفي غفلة مني لبعض التدوينات بصورها، تؤثث بها فضاءاتها بعد أن تُغير العبارات، وتحتفظ بما صدحت به الروح من وجع، كنت أجدها مشوشة غير صادقة في نقل الإحساس، نستطيع أن نرسم لأنفسنا صورا مثل الآخر، نقلده نمشي على ما تبقى من خطاه، لكن خطانا ستكون غير ثابتة وأثرها زائل لا محالة، أن تكون أنت، أنت تلك متعة أخرى.
اليوم وأنا أمعن النظر في هذه الصفحة الصديقة وجدتها تمادت، وتجاوزت الصور إلى ابتلاع الحروف، والتشكرات بحجم السماء التي أحجمت عنها منذ مدة بعد أن أصبحت هذه الصفحة تتماهى مع ما تبقى من العبير بين الحروف. كثيرا ما تضيع ملامحنا الأصلية، وشخصيتنا الذاتية، ونحن نرتدي ملامح الآخر لنقنع الناس أنه وجهنا الحقيقي. لكن لا محال ستجف الأقنعة بعد سطوع شمس الحقيقة، لتظهر للعيان وجوها هجينة، أو وجوها مشوهة تضيع فيها الملامح الحقيقة من كثرة عمليات التجميل التي لا تناسب كل الوجوه. لست غاضبة من هذه الصفحة ولكن أنا متألمة من أجلها، لأن مجال الابتكار والإبداع يتسع للجميع. فقط أن نؤسس لنفسنا مسارا ثابتا وألا نصبح مثل الغراب الذي أراد تقليد مشية الطاووس، فضاع بين التقليد والأصل فلا هو أتقن مشية الطاووس ولا هو حافظ على مشيته.

 

 



تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع 'ألوان للثقافة والفنون' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .



اختر هنا لادخال التعليق

الاسم
التعليق
أدخل الرقم السري