الكتابة في المدرسة   الكتابة في المدرسة  
التعلم الفعّال التعلم الفعّال  
التعليم عن بُعد .. الضرورة والعوائق التعليم عن بُعد .. الضرورة والعوائق  
إضاءة على كيفية استعمال اللغة في مواقف التواصل الضدية إضاءة على كيفية استعمال اللغة في مواقف التواصل الضدية  
" التعلم عن بعد " د. سماهر السرحان  
جامعة اليرموك تسمح لطلبتها التسجيل 12 ساعة في الفصل الصيفي جامعة اليرموك تسمح لطلبتها التسجيل 12 ساعة في الفصل الصيفي  
  عميدة شؤون الطلبة باليرموك تلتقي طلبة الجاليات العربية عميدة شؤون الطلبة باليرموك تلتقي طلبة الجاليات العربية  
 التربية والتعليم.3 التربية والتعليم.3  
الجزء الثاني من بحث التربية والتعليم. الجزء الثاني من بحث التربية والتعليم.  
التربية والتعليم. التربية والتعليم.  
جامعة عجلون الوطنية تنظم يوم غد اليوم العلمي لكلية الحقوق Inbox جامعة عجلون الوطنية تنظم يوم غد اليوم العلمي لكلية الحقوق Inbox  
يوميات مشرف تربوي يوميات مشرف تربوي  
مصانع الرجال: 23 مصانع الرجال: 23  
الجامعة الألمانية الأردنية تحرز مراكز متقدمة في  امتحان الكفاءة الجامعية الجامعة الألمانية الأردنية تحرز مراكز متقدمة في امتحان الكفاءة الجامعية  
أحياها الشاعر حيدر محمود: نــدوة شــعريــة في اليـرمـوك أحياها الشاعر حيدر محمود: نــدوة شــعريــة في اليـرمـوك  
القبعة والكاتب القبعة والكاتب  
دوام جامعة اليرموك ليوم غد الخميس دوام جامعة اليرموك ليوم غد الخميس  
الأردنية والتكنولوجيا من أفضل 10 جامعات عربية الأردنية والتكنولوجيا من أفضل 10 جامعات عربية  
الادارة المدرسية الناجحة وأهميتها في العملية التعليمية الادارة المدرسية الناجحة وأهميتها في العملية التعليمية  
محاضرة في جامعة عجلون الوطنية حول خدمات الصيرفة الإسلامية محاضرة في جامعة عجلون الوطنية حول خدمات الصيرفة الإسلامية  
محمد فتحي المقداد بطاقة تعريفية بكتاب (الإيقاع الحكائي) دراسات وأبحاث في تجربة عبدالرحيم جداية  
يوسف أحمد أبو ريدة إني احترت يا أبتي ...  
زهرة سليمان أوشن الليل...  
 جميلة سلامة للفجر لحنٌ  
حسن جلنبو من مخبرُ الليل  
مُسيد المومني حوار مع الأديبة الأردنية مُسيَّد المومني:  
(سعیدة باش طبجي*تونس) حِينَ أقْبَلتْ عَشْتارُ  
د. محمود الشلبي رفاق الحواس  
محمد المشايخ في تجربة عبد الرحيم جداية الشعرية بقلم الناقد محمد المشايخ  
عبد الرحيم جداية قراءة في كتاب الإيقاع الحكائي في تجربة عبد الرحيم جداية الشعرية  
 
جرعتان والبقية تفاصيل قصة قصيرة بقلم. محمد الصمادي. الأردن عندما حل المرض اللعين في العالم؛ انتبذ لنفسه في مكان بعيد؛ فهو لا يثق بالأطباء، ولا بوسائل الإعلام. في اليوم الأوّل قال: كيف أثق بالأطباء. وبالأمس القريب، وفي مستشفى يبعد عن بيته أمتارًا قتلت شابة في مقتبل العمر، بعملية قيصرية، وتبين م
 
د.سلطان الخضور اصطفاف انتخابي
د.سلطان الخضور
د. كريمة نور عيساوي  "اللقاءات عن بعد: رؤية عن قرب"
د. كريمة نور عيساوي
يسارخصاونة الى مصابيح روحي
يسارخصاونة
بقلم أ/محمد أحمد عواض عز مقال:النفس وأبعادها الثلاث
بقلم أ/محمد أحمد عواض عز

حنين... وسبع أخريات

يوميات ميت
  14234312
 
2015-12-06 22:04:24   
قراءةٌ تحليليّةٌ في شِعْرِ آمال عوّاد رضوان

قراءةٌ تحليليّةٌ

في شِعْرِ

آمال عوّاد رضوان

 

بقلمِ النّاقدِ

عبد المجيد عامر اطميزة

إهداء

أهدي هذا العمَلَ المُتواضعَ لوالدَيَّ الكَريمَيْنِ الّلذَيْنِ ربّياني صغيرًا

وهُما يُصارعانِ قسْوةَ المَرَضِ، وأدْعو لهما الرّحمةَ مِن الله.. إنّهُ سميعٌ بصيرٌ.

 

كلمة شكر لمجلة مواقف مواكب

بسم الله  الرّحمن الرّحيم.

أتقدّمُ بالشّكرِ الجزيلِ لمجلّة مَواقف والقائمينَ عليها؛ لِما لها مِن سياساتٍ رشيدةٍ في نشر صنوفِ العِلم والمعرفة، عِلمًا وأدبًا، في جُلّ المُستويات، وأهمُّها: المستوى التَّواصليّ، والمستوى المَعرِفيّ، والمستوى الثقافيّ، والمستوى الحقوقيّ.

فعلى صعيد المستوى التّواصليّ، نرى أنّ هذه المجلّة الغرّاء تفَتحُ آفاقَ التَّواصُل المعرفيّ بينَ أفرادِ مجتمعنا، الّذي هو توّاقٌ للأدب وصُنوفِهِ والعلومِ وأشكالِه، دونَ حَواجِزَ أو مُثَبِّطاتٍ، فعمَلُها لم يَعُدْ يَقتصرُ على نَقل الحدثِ فقط، بل تعدَّى ذلك إلى تفسيرِهِ وتَحليلِ مَضمونِهِ ومُحتواه، وكذا صناعة الحدَث نفسه، بل وصياغة القَرَار، واقتراح الأوجه الممكنة في الخبر، وعملت على مدّ الجسور، وتيسير التواصل مَحلّيًّا وعربيًّا وعالميّا.

كذلك تعملُ مجلّة مواقف على صعيدِ المستوى المعرفيّ: حيث إنَّها أصبحت من الوسائل التي تهتمّ بشتّى أنواع المعارف، وأثبتت نَجاعَتها بالنِّسبة للقرّاء والأدباء والمُعلّمين والتلاميذ ومختلف المستويات، في نقل شتى حقول المعارف وتعميمها، وترسيخ القيم، وجَعْلِها في متناوَل التلاميذ وأهل العلم والأدب، يَرجع إليها الورّاد وقتَ ما شاؤوا، وكيفما شاؤوا.

وعلى المسْتَوَى الثَّقَافِيّ: تقومُ مجلّتنا الرائعة مواقف بدوْرٍ حيويّ، في نشرِ ثقافة عامَّة موحَّدة بين فئات وشرائح المجتمع الواحد من ناحية، مثلما تعمل من الناحية الأخرى على التقريب بين الثقافات المختلفة.

وعلى صعيد المسْتَوَى الحقوقيّ: فإنَّ مجلّة مواقف تؤدِّي دوْرَ نشر ثقافة حقوق الإنسان، وتقف إلى جانب الشعب المظلوم والمنهوبة حقوقه كالشعب الفلسطيني.  

وفي ختام كلمتي هذه يجب التنويه والإشارة لبعض الّلمسات الخدماتيّة  العلميّة والأدبيّة المُثرية التي تقدّمها مجلة مواقف، فلها أيادٍ بيضاء في حقل نشر المعرفة والأدب والعلم،  فقبل أقلّ من عام، نشرت هذه المجلة مشكورة رواية فاطمة ذياب من طمرة الجليلية كعمل مُنفرد، وأحيانًا تتبنّى عملًا أدبيًّا كجزء مرفق للمجلة، وتصدر عملًا منفصلا إن كان الحجم كبيرًا، كمثل إصدارها مشكورة لكتابي الذي بعنوان : "قراءة تحليليّة في شعر آمال عوّاد رضوان".

بقلم الناقد: عبد المجيد عامر اطميزة.   

المُقدّمة

عندما تَقرَأُ وتتصَفّحُ دواوينَ شاعِرتِنا المُبدِعةِ آمال عوّاد رضوان، تقفُ مذهولًا أمامَ نصوصِها، تتفحّصُها رويدًا رويدًا، وبعدَما تَفُكُّ رموزَها، بنشوةٍ تَعتريكَ، وبِلذّةٍ عقليّةٍ تُدغدغُ أفكارَكَ، حيثُ تُقابلُكَ حدائقُ فينانة، وما فيها مِن باقاتٍ نرجسيّةٍ جميلةٍ وفوّاحةٍ، مَبعثُها خلَجاتِ النّفسِ الحَرَّى، والرّوحِ العذبةِ، والذّاكرةِ النّقيّةِ، والوجدانِ الرّقراقِ، تَفوحُ شذًى وعطرًا يَشتَمُّها المُتَلقّي تُنثَرُ، وتَتفتّحُ أساريرُهُ بكُلِّ ما تَحمِلُهُ تجربتُها الإبداعيّةُ مِنْ صُوَرٍ شِعريّةٍ مُبتَكَرةٍ، ورُموزٍ، وتوظيفٍ للرّمزِ والأسْطورةِ، وعَفويّةٍ  في الطّرحِ والأسلوبِ، ولغةٍ ماتعةٍ، فهذهِ الإبداعاتُ حاكَتْها ثورةُ النّفسِ التّواقةِ للحُبِّ، والوَثّابةِ في التَطلّعِ للتّحرُّرِ والانعتاقِ، وفيها الدّمعةُ الحزينةُ، كما فيها البسمةُ الصّادقةُ، قصائدُ كأنّها نجومٌ زاهرةٌ تُشِعُّ بالأمل، وروحِ الإنسانيّةِ، والحنينِ لكلِّ جماليّاتِ الأشياءِ، وقدْ نسَجَتْها روحٌ تُشْرِقُ عليها شمسُ الحُبِّ، والسّلامُ، والتّفاؤلُ، والتّوثُّبُ، والتّوحُّدُ معَ الوَطنِ.

 عندما حاولتُ تحليلَ مقطوعاتٍ لشاعرتِنا، وقفتُ طويلًا مُفكِّرًا ومُتأنّيًا، فأنا أمامَ شاعرةٍ، لشِعرِها لونٌ خاصٌّ ونكهةٌ مميّزةٌ، ونهجٌ لغويٌّ، فكلُّ حرفٍ يَحتاجُ لفِكرٍ، وكلُّ كلمةٍ تحتاجُ لوقفةٍ، وكلُّ مَقطَعٍ يَحتاجُ لدراسةٍ، وقدْ قسّمتُ الدّراسةَ النّقديّةَ التّحليليّة، بما يَتناسبُ معَ دواوينِ الشّاعرةِ، فتناولتُ ثلاثَ قصائدَ مِن كلِّ ديوانٍ، وركّزتُ على عُنصرٍ مُعَيّنٍ في كلِّ مقطوعةٍ، فالكتابُ يُقَسَّمُ إلى مُقدّمةٍ، ومُحتوًى، وخاتمة.

فالمُقدّمةُ فيها نظرةٌ خاطفةٌ عمّا يتضمّنُهُ الكتابُ، ووقعَ اختياري على ثلاثِ مقطوعاتٍ مِن ديوانِها الأوّل "بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ"، وهي في هذا الكتابِ باسم: (التّحليلُ الأدبيُّ في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَـةٍ)، تتحدّثُ عن معاناةِ المرأةِ في صمْتِها، ما بينَ البوْحِ والكِتمانِ، وما بيْنَ المُمكنِ والمُستحيلِ، وما بينَ المَفروضِ والمَطلوبِ، والحاجةِ الشّخصيّةِ والحاجاتِ المُجتمَعيّةِ، بكلِّ الأحاسيسِ الّتي تُكابدُها الأنثى في عُزلتِها. فهي تريدُ أنْ تكونَ شريكَ الرَّجُلِ، لكنّها لا تجدُ ذاتَها ولا تَتلمّسُ كيانَها، في ظلِّ مُجتمعٍ لا يُراعي أمانيها أوْ نَبضَ أحاسيسِها، فتَظلُّ أسيرةَ الوحدةِ، وكانتْ نظرتي التّحليليّةُ لها، بطريقةٍ تُفيدُ طلّابَ المَرحلةِ الثّانويّةِ والجامعيّةِ بأسلوبٍ مُبَسّطٍ، وكلُّ مقطوعةٍ اتّسمَتْ بميزةٍ نقديّةٍ خاصّةٍ بها، لكنْ في مُعظمِها أخضعْتُها للتّحليلِ والتّفسيرِ.

والمقطوعةُ الثّانيةُ بعنوانِ: "قراءةٌ نقديّةٌ لمقَطوعةِ- أحِنُّ إلَى حَفِيفِ صَوتِكَ"،  وشاعرتُنا مشتاقةٌ بأحاسيسِها العذبةِ إلى كلِّ شيءٍ في حبيبِها، حتّى أنّها توّاقةٌ لسَماعِ صوتِهِ، فلا غرابةَ في ذلكَ، فهي عايَشَتْ ظروفَ النّكبةِ، وترى وتُحِسُّ بآثارِها المُدمِّرةِ، في جوٍّ كئيبٍ حزينٍ تعجَزُ عن تغييرِهِ، تمامًا مثلما عَجِزَتْ كلُّ الدّولِ العربيّةِ، وأمامَ هذا الواقعِ العصيبِ، والأوضاعِ الاجتماعيّةِ المُكبِّلةِ ليَديْها، الآسرةِ لحركاتِها، وفي ظِلِّ واقعٍ اقتصاديٍّ يَعصِفُ بها وبأبناءِ جِلدتِها، نَراها تقفُ عاجزةً عن التّغييرِ، فتَلجأُ إلى التّعبيرِ عمّا في قلبِها، وما هوَ مُختَزَنٌ في أحاسيسِها، هربًا مِنْ واقعٍ مُرٍّ كئيبٍ مُحزِنٍ، فتلجأُ للكلمةِ المُعبِّرةِ، وإلى ما يَعشقُهُ قلبُها- تلجأُ لغزَلِ رقيقٍ تُلهي بهِ ذاتَها، وتعزفُ لحنًا عذبًا رخيمًا، تُخفِّفُ بهِ عمّا في داخلِها مِن ضُغوطاتٍ، تكادُ تَعصفُ بها عصْفًا، عساها أنْ تَجِدَ المُتَلقّي الّذي يُحلِّلُ ويَفهمُ نبْضَ حروفِها.

المطلعُ: (أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ) وفيهِ تناصٌّ، وتعريفُهُ: يَرى ميخائيل باختن أنّ التّناصَ: تداخُلِ السِّياقاتِ ووجودُ علاقةٍ بينَ نصٍّ قديمٍ وآخرَ جديدٍ.

وتَرى جوليا كرستيفا أنّ التّناصَ: لوحةٌ فُسيْفسائيّةٌ مِنَ الاقتباساتِ، وكلُّ نصٍّ هو تَشرُّبٌ وتَحويلٌ لنُصوصٍ أخرى، وهذا المطلعُ يُذكِّرُنا بقوْلِ الشّاعر محمود درويش:  (أحِنُّ إلى خُبْزِ أُمّي)، وهو تناصٌّ أدبيٌّ.

أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ/ يَنْسابُ/ نَسِيمًا رَطِبًا في مَعابِرِ رُوحِي/ تَجمَعُني قُزَحاتهُ إضمَاماتٍ فوَّاحَةً/ تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي/ نَبَراتُ حُروفِكَ تُلاغفُ جَوانِحي/ أَحَاسيسُكَ تُسوِّرُني/ كَيْفَ أهْرُبُ/ وَمسافاتُ الوَلهِ تَزدادُ نَقشًا/ في مَسالِكِ قلبيِ: وتبدأُ قصيدتَها بجُملةٍ خبَريّةٍ للتّعبيرِ عن ذاتِها وعن مَكنوناتِ مَشاعرِها، والمُلفِتِ للنّظرِ في حروفِ هذا المَقطعِ هو النّاحيةُ الجَماليّةُ، في انتقائِها وفي التّعابيرِ ومواءَمتِها لبَعضِها، فهذا المَقطعُ يَكثُرُ فيهِ حروفُ: السّين، والنّون، والواو، وهذه الحروفُ لا تَدخُلُ على كلمةٍ، إلّا وقدْ جَمَّلتْها وأكسَبَتْها روْنقًا وجَمالًا، كما يَرى الخليلُ بن أحمد الفراهيدي. لنقفَ عندَ كلمةِ "أَحِنُّ"، فالحَنينُ كما أوضحْنا، مُرتبطٌ بالصّوتِ غالبًا، كما بيَّنَتْهُ معاجمُ الّلغةِ، والنُّونُ مُشَدّدَةٌ، تنفُثُ بها الشّاعرةُ زفراتُها الحَرَّى، يَأتي بَعْدَها "صوتُ الحبيبِ"، أمّا الأصواتُ الصّائتةُ المُهيْمِنةُ في هذا المقطعِ، فتتمثّلُ بصوتِ الألِفِ، ففيهِ إطالةٌ وراحةٌ للنّفسِ في التّعبيرِ، ويَحتاجُ لِزمنٍ أطولَ، كيْ يتسنّى للحبيبِ سماعَ ندائِهِ لِمَنْ أحَبَّتْهُ واختارَتْهُ.

أمّا المقطوعةُ الثّالثةُ فبعنوان: "التّحليلُ الأدبيُّ لقصيدةِ- أيائِلُ مُشبَعةٌ برائحَةِ الهَلَعِ"، هذهِ القصيدةُ تتحدّثُ عنِ الإنسانِ الفِلسطينيِّ الّذي عاشَ النّكبةَ، وُلِدَ أطفالُهُ ولا زالوا يَضرسونَ الوَجعَ، والنّكبةَ، والهُوِيّةَ التّائهةَ، والعُمرَ المَهزوزَ المَهدورَ بطَلقةٍ طائشةٍ أو مُوجَّهةٍ، في ظِلِّ الاحتلالِ، وفيها نرى صورةَ الإنسانِ العربيِّ في الشّرقِ، وما يُكابدُهُ مِن حروبٍ تَتوالى، تُجرّدُهُ حقَّهُ في الحياةِ والأمنِ والأمانِ.

ومِن ديوانِها الثّاني "سلامي لك مطرا"، اخترتُ قصيدة: "سلامي لكَ مطرًا"، والمَعنى الّذي تومِئُ إليهِ الشّاعرةُ يَتمثّلُ في السَّلام والأَمانِ والصُّلْحُ بينَ بني البَشرِ، وليسَ في الحربِ والقتلِ والتّدميرِ، كما في شريعةِ الغابِ، واختزَلَتِ الشّاعرةُ فيما تريدُهُ في ثلاثِ كلماتٍ، راعَها القتلُ والتّدميرُ والتّخريبُ والتّنكيلُ فيما يَجري حولَها وفي العالَم، هالَها احتلالُ وطنٍ والتّنكيلُ بأهْلِهِ، راعَها القسوةُ بينَ بَني البَشرِ، وأفجَعَها تدميرُ بُلدانٍ كما العراق وإرجاعِهِ للعَصرِ الحَجَريّ... 

والمُلفِتُ للنّظرِ في صُوَرِها الشّعريّةِ المُبتَكَرةِ، أنّها تبدَؤُها بصُوَرٍ جُزئيّةٍ مُتتابِعةٍ عُنقوديّةٍ، لتُشكِّلَ صورةً كلّيّةً: تَتَصاعَدُ التَّنَهُّداتُ مُشبَعةً لَهبًا/ حتَّى النُّخَاع: صورةُ التّنهيداتِ والتّوجُّعاتِ تَسري في مَفاصلِ روحِ الشّاعرةِ، وتَلسَعُ جسمَها الغضَّ، وتَمحو كلَّ ما هو جميلٌ، وتَخلقُ الفوضى والاضطرابُ.

أمّا القصيدةُ الثّانيةُ مِن ديوانها الثاني "سلامي لك مطرا" فجاءتْ بعنوان: "مَظاهِرُ الحداثةِ في شِعرِها، مِن خِلالِ دراسةِ قصيدةِ: "نَدًى مَغْموسٌ بِغَماماتِ سُهدٍ"، فهيَ تَرى أنّ عربَ الدّاخلِ قدْ أمَضَوْا فترةً طويلةً مَحرومين مِن زيارةِ القدسِ وبيتَ لحمَ ورامَ الله والضفّة عامّة، بسببِ ما يَفرضُهُ الاحتلالُ: تَتَناءى أَخاديدُ العَناوينِ/ تَتَهاوى سُدودُ الطّمَأْنينَةِ/ تَهُدُّها فَيَضاناتُ الغِيابِ

ومِن مَظاهِرِ شِعرِ الحداثةِ كما هو الحالُ في شِعرِ القصيدةِ النثريّةِ عندَ شاعرَتِنا آمال، حُرّيّةُ القافيةِ، والتّخلُّصُ مِنَ الرّتابةِ الّتي تُقيِّدُ الشّاعرَ، وتَحُدُّ مِنْ حرَكَتِهِ الإبداعيّةِ، لكنّها تُركِّزُ على عناصرَ مُهمّةٍ، لخَلْقِ إيقاعٍ يَسري في مفاصلِ القصيدةِ، ومِنِ اندماجِ الصّورةِ في الشّكلِ، وكلُّ سطرٍ في هذا المَقطعِ مَبدوءٌ بصوتِ "التّاء"، الّذي تَكرّرَ خمسَ مرّاتٍ في ثلاثِ كلماتٍ.

إنّ وعيَ الشّاعرةِ كانَ وراءَ هذا التّكرارِ، وكأنّها تتعمَّدُهُ مِن أجلِ أنْ تصِلَ إلى غرَضِها، فهيَ مِن خلالِ تِكرارِها للحَرْفِ، فإنّها تبتدِعُ إيقاعًا موسيقيًّا داخليًّا، وهذا الإيقاعُ الموسيقيُّ الدّاخليُّ يُدلّلُ- على الأقلّ- على النّغمةِ الانفعاليّةِ الّتي تقصِدُها الشّاعرةُ، (وهي بلا شكٍّ نغمةٌ حزينةٌ).... وعلى الرّغمِ مِن ذلك، فإنّ تكرارَ الصّوتِ يُسهمُ في تهيئةِ السّامعِ للدّخولِ في أعماقِ الكلمةِ الشِّعريّةِ (1).

و"التّاءُ" صوتٌ انفجاريٌّ مهموسٌ، وتكرارُ اﻷﺻﻮاتِ اﻻﻧﻔﺠﺎرﻳّﺔِ تدُلُّ ﻋﻠﻰ ﺣﺮﻛﺔِ اﻟﻐﻠﯿﺎنِ النفسيِّ واﻟﺘّﻮﺗّرِ اﻟﻤُﺴﺘﻤرِّ اﻟّﺬي تُعايشُهُ الشّاعرةُ، ﻣﻊَ وﺟﻮدِ ﺛﻮرةٍ داخليّةٍ نفسيّةٍ مُكتنزةٍ، فاﻟﻤُﺮﻛَّبُ النّفسيّ ﻟﻠﺸّاﻋﺮة في تلكَ الّلحظةِ الشّعوريّةِ قائمٌ ﻋﻠﻰ اﻟﻐﻠﯿﺎنِ واﻟﺜّﻮرةِ اﻟﻨّﻔﺴﯿّﺔِ، فوجدَتِ الشّاعرةُ مُتنفَّسًا لها في هذهِ الأصواتِ الانفجاريّةِ، وھﺬا ﺟﺰءٌ ﻣِﻦ اﻟﺘّﻔﺎﻋﻞ الكيميائيِّ ﺑﯿﻦ اﻟﺼّﻮتِ والمُركَّبِ اﻟﻨّﻔﺴﻲّ ﻓﻲ المقطعِ.

والمقطوعةُ الثّالثةُ مِن ديوانِها الثّاني "سَلامي لكَ مطرًا" بعنوان: "الانزياحُ الدّلاليُّ في قصيدةِ "في مَلاجئِ البَراءَة"، وموضوعُ النّصِّ يتمثّلُ في مشوارِ الفلسطينيِّ الطّويلِ، المُكَلَّلِ بأكاليلِ الشّقاءِ والغُربةِ والضّياعِ، منذُ النّكبةِ إلى اليوم، وخاصّةً في المُخيّماتِ والمَطاراتِ، بلا أرضٍ ولا وطنٍ، والوطنُ يُشتاقُ إليهِ، لكنّه مُحرّمٌ عليهِ. ولقد نظمَتْها شاعرتُنا إثرَ حرب عام 2006م، فهي تقولُ: حُروفٌ مَجْروحَةٌ تتشَدَّقُ بالعَذابِ/ وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ/ يَرْمَحُ

(حُروفٌ مَجْروحَةٌ تتشَدَّقُ بالعَذابِ): كنايةً عنِ التّوجُّعِ، تَوجُّع الفلسطينيِّ مِن جرّاء ما يُكابدُهُ في غربتِهِ، والحروفُ مَجازٌ مرسل، فذكرَتِ الشّاعرةُ الحروفَ "الجزءَ"، وأرادتْ بها الكلماتِ "الكلّ"، مجاز مرسل علاقتُهُ الجزئيّة.. وتتوالى الانزياحاتُ لتُوَلِّدَ في ذهنِ المُتلقّي المفاجآتِ، والّتي تَحملُ في طيّاتِها الجَمالَ الفنّيَّ في خلْقِ صوَرٍ شِعريّةٍ ذاتِ طابَعٍ جَماليٍّ.

(وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ/ يَرْمَحُ): الوقتُ لا يعدو، بل شبّهَتْهُ الشّاعرةُ بإنسانٍ مُسرِعٍ، عدْوُهُ شبيهٌ بعدْوِ وركْضِ العدُوِّ في السّرعةِ، وتتلاعبُ الشّاعرةُ بالألفاظِ، لخَلْقِ الجِناسِ، وما يُحدِثُهُ مِنْ إيقاعٍ موسيقيٍّ، يَشُدُّ مِنْ أزْرِهِ تِكرارُ حرفِ الواو في هذا السّطرِ خمسَ مرّاتٍ، وتِكرارُ الحَرفِ انزياحٌ، فقدْ تَكرَّرَ أربعَ مرّاتٍ، فجاءَ صوْتًا صامتًا، ومرّةً واحدةً جاءَ صوْتًا صائتًا في كلمةِ "يعدو"، وفي هذا السّطرِ انزياحٌ تَركيبيٌّ أيضًا، فقدْ قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملةِ "إليْنا" على المفعولِ المُطلَقِ "عدْوَ"، وللمفعولِ المُطلَقِ وظيفةٌ تأكيديّةٌ. وشبّهَتِ الوقتَ بلاعبٍ يَمرحُ، وجاءَ الفِعلان "يَعدو" و"يَمرحُ" على نفسِ الوزنِ، لتوليدِ إيقاعٍ مُناسبٍ. وهناكَ تَرادُفٌ بينَ الفِعليْنِ.

ولقدْ تمَّ تحليلُ ثلاثِ مقطوعاتٍ مِنْ ديوانِها الثّالث؛ (رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ) وهيَ: الأُسطورةُ في قصيدةِ "مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ": بِسُليْمانَ أَغيثوني/ بِأسْرابِ جِنِّهِ؛ تَحْفرُ قاعَ بَحْري أَفْلاجًا/ تُهْدينيها في ليْلةِ عيدي/ مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزرقِ: هناكَ مدينةٌ هي مدينةُ السّلامِ، بغدادُ العِراق، مدينةُ أقدَمِ الحَضاراتِ، مدينةُ هارونَ الرّشيدِ الّتي تَنكَّرَ لها الأهلُ، والخِلّان، والجيرانُ، وذوو الأرْحامِ معَ مَن غزاها ممّنْ جاءَ مِن وراءِ البحارِ. هي المدينةُ الّتي أُرجِعتْ للعصرِ الحَجَريِّ، فلمْ تُرحَمْ، هي الّتي تستصرِخُ الدّفءَ والحنانَ والحضنَ والأمانَ مِنَ الأهلِ الخِلّانِ والّلثام. العراقُ اليومَ خُلوٌّ مِنْ كُلِّ حنانٍ، فما تَبَقّى مِن روحِ بغدادَ ظمآنٌ للجَسدِ الولهانِ، فالشّاعرةُ شبّهَتِ العِراقَ بعدَما دُمِّرَ، وفَقَدَ كلَّ المَلذّاتِ، بالمرأةِ الشّبقةِ الّتي تتوسّلُ الجسدَ، فهيَ تتقمّصُ العراقَ.

(بِسُلَيْمَانَ أَغِيثُونِي/ بِأسْرَابِ جِنِّهِ؛ تَحْفُرُ قَاعَ بَحْرِي أَفْلاَجًا): وهنا تُوظّفُ شاعرتُنا الأسطورةَ الّتي مفادُها؛ أنّ النّبيَّ سُليْمانَ بنَ داودَ- عليْه السّلامَ- أثناءَ تَحليقِهِ على بساطِ الرّيحِ، مرّ على مِنطقةِ الفلّوجةِ في العِراقِ، ونَزلَ عندَ أهلِها، فاشْتَكَوْا لهُ قلّةَ الماءِ عندَهُم، فأمَرَ سيّدُنا سُليمانُ الجِنَّ والعفاريتَ بالبحْثِ عن المياهِ في جوْفِ الأرضِ، فقامتِ الجِنُّ والعفاريتُ بحفْرِ الأفلاجِ، وأُخرِجَتِ الماءُ إلى سطحِ الأرضِ، ولهذا سُمّيَتْ بالأفلاجِ الدّاوديّة. هذا النّوعُ مِنَ الأفلاجِ ثابتٌ، ولا تَمحَلُ نِهائيًّا ولا ينقطعُ الماءُ منها، ولكنْ قدْ يَخِفُّ مُستوى الماءِ الخارجِ منها، ولكنّها لا تَجفُّ؛ لأنّ أُمَّهاتِها عيونٌ ثابتةٌ، وبَقيتْ هذهِ الأفلاجُ إلى يومِنا هذا، ويُطلقُ عليها اسمُ "الدّاوديّ"، نسبةً للنّبيّ سُليمانَ بنِ داودَ-عليهِ السّلام-، وهذا النّوعُ مِنَ الأفلاجِ مُنتشرٌ وبكثرةٍ في الإماراتِ وعُمان واليمن.

ولو وصَلَ أحدٌ إلى أسْفلِها في باطنِ الأرضِ، سيَعجَبُ كلَّ العَجبِ مِنَ القّدرةِ العَجيبةِ، الّتي شُقّتْ بها في الجبالِ، فلو كانَ البَشرُ الّذينَ حَفروها، فكيفَ استطاعوا قطْعَ الصّخورِ بكلِّ هذهِ الدّقّةِ؟ وكيفَ تحمّلوا البقاءَ تحتَ الأرضِ، وسطَ نُدرةِ الهواءِ، والحرارةِ الشّديدةِ، والضّغطِ العالي؟ ومِنْ هنا سنُصدِّقُ إذا قيلَ لنا، إنّ الّذي حَفَرَها هُمُ الجِنُّ، رغمَ أنّ مَن حَفرَها بَشرٌ، وهُم آباؤُنا وأجدادُنا الأقدمونَ، وأهلُ هذهِ البلادِ منذُ مئاتِ السّنينَ. لكنّ شاعرتَنا يَبلغُ التّوتُّرُ في نفسِها حدودَهُ القُصوى، وتَكادُ تَنفجرُ مِنَ المُفارقاتِ، فاستغاثَتِ الفلّوجةُ بالمَلكِ سليمانَ فأغاثَها، وتستغيثُ الفلّوجةُ بالأهلِ والخِلّانِ والصّحبِ والجيرانِ، عندما حوصِرَتْ وضُرِبتْ بالأسلحةِ المُحرَّمةِ والفوسفوريّةِ، لكن لا مجيب.

ومِنَ الانزياحاتِ في النّصّ: (بِسُلَيْمانَ أَغيثُوني)، حيثُ تقدّمَتْ شِبهُ الجُملةِ، وحَقُّها التّأخيرُ، "بسليْمانَ" على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعلِ، وحَقُّهُما التّقديمُ "أَغيثُوني".

"بِأسْرَابِ جِنِّهِ؛ تَحْفُرُ قَاعَ بَحْرِي أَفْلاَجًا": كنايةً عن طلَبِ الغوْثِ والخيْرِ والنّماءِ.

(مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ): وقد أوضحْتُ ذلكَ في حديثي عنِ العنوان، فالعراق يتوسّلُ، وهو بحاجةٍ للحضنِ الدّافئِ والحنانِ والرّحمةِ، وعودةِ الرّوحِ الجَماليّةِ الفتّانةِ له، بعيدًا عن ضرْبِهِ واجْتثاثِهِ. وكرّرتِ الشّاعرةُ هذا السّطرَ لتأكيدِ المعنى، وتوليدِ إيقاعٍ موسيقيٍّ ينتشرُ في سطورِ القصيدةِ. 

وأمّا مِنَ الدّيوانِ الثّالثِ، فقد حلّلتُ المقطوعةَ الثّانيةَ، والّتي بعنوان: "الّصورة والرّمزُ في مقطوعةِ- "فُسْتانُ زَفافِكِ اعْشَوْشَبَ كَفَنًا"، فهي تقولُ: وَفي قَوافِي هَوادِجي أَبْجَدِيَّةٌ تُزَمْجِرُ وَلا تَنْطَفِئُ؟ فالفلسطينيّونَ يَتسلّحونَ بسلاحِ الصّبرِ والأمَلِ والإيمانِ بعدالةِ قضيّتِهِم، فالحبيبةُ ستحظى بعُرسٍ يَليقُ بها، حتّى لو اعْشوشبَ فستانُ زفافِها، وعَلَتْهُ الطّحالبُ لطولِ انتظارِها لهذا العُرسِ.

وَفي قَوافِي هَوادِجي أَبْجَدِيَّةٌ تُزَمْجِرُ وَلا تَنْطَفِئُ: في هذا السّطرِ تتزاحمُ التّحويلاتُ والانزياحاتُ، أو ما سُمِّيَ بالتّوسُّعِ، وهو مِن أهمِّ الظّواهرِ الّتي تُميّزُ الّلغةَ الشِّعريّةَ عنِ السّرديّة، معَ منْحِها شرَفَ الشِّعرِ وخصوصيّتِهِ.

إنَّ هذا النَّوعَ مِنَ الانزياحِ يَتَّسِمُ ببعضِ السِّماتِ المُصاحِبةِ لهُ، كالابتكارِ، والجدّةِ، والنّضارةِ، والإثارةِ. فقدْ ذكَرَتْ شاعرتُنا في سطرِها السّابقِ القوافيَ، "الجزءَ"، وأرادتْ بهِ الكُلَّ "القصائدَ"؛ مجاز مرسل علاقتهُ الجزئيّة، ويَظهرُ الانزياحُ التّركيبيُّ، وهو مُخالفةُ التّراتبيّةِ المألوفةِ في النّظامِ الجُمْلِيِّ، (النّسب للمُفردِ وليسَ للجَمْع)، مِن خلالِ بعضِ الانزياحاتِ المسموحِ بها في الإطارِ الّلغويّ، كالتّقديمِ والتّأخيرِ في بعضِ بُنى النّصّ، كتَقديمِ الخبَرِ على مُبتدئِهِ، كما في نحو "وَفِي قَوافي هَوادِجي أَبْجَدِيَّةٌ"، وهنا مَكمَنُ الجَمالِ الأسلوبيّ، فلِلقوافي هوادجُ كما لِلعَروسِ، والهوْدجُ هو أجملُ ما في خيالِ العروسِ، هو تابعٌ لصورةِ العُرسِ، لا يَكتملُ إلّا بهِ، ولها أبجديّةٌ كما الّلغة، والهَوادجُ روحُ الشّاعرةِ، ومَطلَبٌ رئيسٌ لها، فهي تُزمْجرُ كما الأسد، ولا تتوقّفُ ولا تنطفئُ جذوَتُها، ما دامَ الاحتلالُ يتملّصُ مِن تعهُّداتِهِ ويُراوغُ، وهنا مَكمَنُ التّصويرِ والتّجسيمِ وبثِّ الحياةِ في الجَماداتِ، وهذا النّهجُ وظّفَتْهُ شاعرتُنا باقتدارٍ وبهاءٍ وفنٍّ وجَمالٍ، فهذهِ الصّورُ الرّائعةُ الخلّابةُ المُؤثِّرةُ، ما كانتْ لتكونَ، لو أنّ شاعرتَنا آمال التزمَتْ في التّعبيرِ القوْلَ على الحقيقةِ.

لغةُ الشّاعرةِ مُوحِيةٌ، والشّاعرةُ تُتقِنُ فنّ توظيفِ الاستعارةِ، فالاستعارةُ تُحلِّقُ بكَ في عالمِ الخَيالِ، وتَعرضُ عليكَ أشْكالًا مِنَ الصُّور البيانيّةِ الرّائعةِ، الّتي تَسبَحُ بكَ في بحرِ الألفاظِ، وتنتقلُ سريعًا مِنَ المعنى الحقيقيِّ للّفظِ المُستعارِ، إلى المعنى المَجازِ الّذي صارَ عليهِ ذلكَ الّلفظُ، وتُكسِبُ الّلفظَ حلاوةً وجمالًا ورونقًا. 

وأمّا المقطوعةُ الثّالثةُ مِن ديوانِها الثّالث فهي: فضاء اللغة من خلال مقطوعتها "نَقْشٌ في عَتْمَةٍ حافِيَةٍ": وهي تُمثّلُ صورةَ الضّحيّةِ؛ "الفلسطينيّ" وقتْلِهِ، مِنَ نوعِ القتْلِ البطيءِ- كما يَجري في أفلامِ الكاوبوي– حيثُ يَتمُّ ربْطُ يدَيْ ورِجَلَي الضّحيّة، ووضْعِ جلْدةٍ رطْبةٍ على عُنقِهِ، وتَرْكِهِ في الصّحراءِ تحتَ أشعّةِ الشّمسِ المُلتهبةِ، إلى أنْ تبدأَ تَجفُّ الجلدةُ على عُنقِهِ وتَضيقُ؛ ليَموتَ اختناقًا وببطْءٍ، إلّا إذا مرَّ أحدُهُم بهِ وأنقذَهُ، وهكذا يَحصُلُ معَ مَن تُخاطبُهُ الشّاعرةُ، وهو الوطنُ الذّبيحُ.

فها هيَ تقولُ: (يَمَامَةَ قَزٍّ اسْتَكَنْتِ بَيْنَ أَحْضَانِ تُوتِي): وفي عبارةِ "يَمامَةَ قَزٍّ" انزياحٌ إضافيٌّ عذبٌ جميلٌ، وظّفَتْهُ شاعرتُنا بحِنكةٍ واقتدارٍ، ولتوضيحِ ذلكَ علينا توضيحَ الرّمزِ في طائرِ اليَمام، فهو يَرمزُ إلى الهدوءِ والسّكينةِ والأمْنِ والأمانِ، كما يَعشقُ الحرّيّةَ بكلّ ما تَعنيهِ الكلمةُ، فهو لا يَستأنسُ، ويَصعبُ للغايةِ تربيتُهُ في أقفاصٍ، مثلما يَصعُبُ ترويضُ الشّعبِ الفلسطينيِّ وسجْنِهِ في كانتونات، ولا يَفترِقُ زوْجُ اليَمامِ عن زوْجتِه، فهُما مُتلازِمانِ وفِيّانِ، فإذا أصيبَتِ الزّوْجةُ بعيارٍ ناريٍّ، فلا يُفارقُها الزّوْجُ، بينما إذا أصيبَ الزّوجُ، فتُسرعُ أنثاهُ قافلةً إلى فراخِها، لذلكَ نرى أنّ في العبارةِ انزياحٌ، لهُ وظائفُ معنويّةٌ كثيرةٌ، إلى جانبِ وظيفتِهِ الأسلوبيّةِ، فالانزياحُ الإضافيُّ يتمثّلُ في المفاجأةِ، الّتي يُنتجُها حُصولُ اللامُنتَظَر مِن خلالِ المُنتَظَرِ؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليهِ يتلاءَمُ والمُضاف. كأنْ يتوقّعَ بعدَ كلمةِ "يمامة"، وجودَ مضافٍ إليهِ معقولٍ، مثلَ كلمةِ "سلامٍ" مثلًا، لكنّهُ يتفاجأ بوجودِ كلمةِ "قزٍّ"، فاستبدَلتْ شاعرتُنا القزَّ، وهو معنًى سامٍ بدودةٍ، وهي أقلُّ سُمُوًّا، وهنا واءَمَتِ الشّاعرةُ بينَ الألفاظِ، فالقَزُّ يَحتاجُ للتّوتِ، تمامًا مثلَ المُواءَمةِ بينَ الشّاعرةِ والقُدسِ، فلِلتّوتِ أحضانٌ كما للأُمّهاتِ، فالقُدسُ صوَّرَتْها شاعرتُنا بيمامةِ قزٍّ، بدَلَ دودةِ قزٍّ بهَديلِها الحزينِ.

وفي ضوءِ ذلكَ كُلِّهِ، يُمكنُ أن نَفهَمَ دعوةَ غيرِ واحدٍ مِن نُقّادِ الحداثةِ الشّعريّةِ، إلى لغةٍ شعريّةٍ مُتّزِنةٍ أصيلةٍ، مُخلِصةٍ للعربيّةِ بقدْرِ إخلاصِها للخِطابِ الشِّعريِّ في المشهدِ الثّقافيّ.

يَرى الدكتور وهب روميه: "أنّ على الشّاعرِ أنْ يَخلِقَ علاقاتٍ لغويّةً جديدةً، دونَ أنْ يَخِلَّ بقوانينِ الّلغةِ وأنظِمَتِها، وأنْ يُزلزلَ التّقاليدَ الأدبيّةَ، أو يُعدِّلَها وِفقَ الحاجةِ".

وفي هذا الصّددِ يقولُ الدكتور نعيم اليافي: "أنا مع التّطوُّرِ والتّجديدِ والحداثةِ الشّعريّةِ إلى آخرِ مَدى، شريطةَ أن يَتمَّ ذلكَ ضمنَ خصوصيّتي القوميّةِ، وتراثي الثّقافيّ، ولغتي العربيّة".

أمّا نازك الملائكة فتقولُ: "نحنُ نرفضُ بقوّةٍ وصراحةٍ، أنْ يُبيحَ الشّاعرُ لنفسِهِ أنْ يَلعَبَ بقواعدِ النّحوِ، فإنّ كلَّ خُروجٍ على القواعدِ المُعتبَرةِ يُنقِصُ تَعبيريّةَ الشِّعرِ". لقد حافظَتْ شاعرتُنا آمال على أصولِ الّلغةِ، ولكنّها تصرّفتْ في مدلولاتِها، لتَحتمِلَ فضاءً رحبًا مِنَ المَعاني الشِّعريّة.

ولقد اختتمتُ موضوعاتِ الكتابِ ببعضِ ما قالَهُ النُقّاد والكُتّابُ في شعرِ شاعرتِنا آمال؛ ولأؤكِّدَ على شاعريّتِها الّتي بَلغَتْ مُستوًى رفيعًا، يَشهَدُ لهُ هؤلاءِ النّقّادُ والكُتّابُ. وفي الختامِ، أدعو اللهَ بأنْ أكونَ قدْ وُفِّقُت، وأَعطيْتُ شاعرتَنا آمال عوّاد رضوان بعضًا مِن حقِّها، كشاعرةٍ حافظتْ على الّلغةِ، واستخدَمَتْها استخدامًا جديدًا، كما وظّفتْ في شِعرِها الرّمزَ والأسطورةَ، وصاغتْ صوَرًا شِعريّةً عذبةً مُبتكَرةً وجديدةً، ولقد تزاحمَتِ الانزياحاتُ العذبةُ في شِعرِها، لخَلْقِ الجَماليّةِ في نفسِ المُتلقّي.

الهوامش:

  1. انظر: قراءةٌ أسلوبيّةٌ في الشِّعرِ الجاهليّ، د. موسى ربابعة، ص20- 23 دار جرير، عمان، 2010
  2. الّلغة الشِّعريّةُ بينَ القُدماءِ والمُحدِثين الدكتور/ محمّد عبدو فلفل/ مجلّة الجسرة، الأعداد من 16 - 20 

التّحليلُ الأدبيُّ في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَة- للشّاعرة آمال عوّاد رضوان

المَجهُولُ اليَكْمُنُ خَلفَ قلبي

كَم أَرهبُهُ يَتَكَثَّفَ وهْمًا

عَلى حَوافِّ غِلافِهِ

أَخشَاهُ يَحجُبُ برَائبِ غَيْمِهِ أَقمَارَ حُلمي

أن تَتَطاولَ يَدُ عَقلي

تَهُزُّني .. تُوقِظُني .. بِلُؤمٍ سَاخِرٍ

مِن سَكْراتِي الهَائِمَة

كَيفَ أَمنَحُكَ قلبيَ الآنَ

وقدِ اخْتَطفَتْهُ مَلائِكةُ الحُبِّ/ إلى فُسحَةٍ في العَراء

كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ

حينَ تَتماوجُ في فَضاءاتِ الخَيالِ؟

كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ

وتَركُنَ حِيالَها عَاجِزًا .. شارِدَ الرُّوح!

آهٍ ... ما أَشقاهَا المرأةَ/ حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ

إلى زَنزَانةِ أَحلامِهَا المُستَحِيلَة ..

كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي حُوريَّاتِ الأَحلامِ

في سَحيقِ هَاوياتِها

يُهجِّنُ وِلادَاتٍ رَهيبةٍ

يَترُكَها أَجِنّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها

قَد أَكونُ أَرهقتُكَ؛

بِضَجيجِ فِكري / بِضَوضاءِ قلبِي

أَشعرُ بالذّنْبِ

حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسِيسي

وما مِن ذَنْبٍ أَقترِفهُ

سِوَى أن تتكَبَّدَ جَرِيمةَ حُكْمِي

أُحِسُّ برَاحةٍ غَريبةٍ

حِينَما أُوقِعُ بِكَ قِصَاصِي/ بِلُؤمٍ أَبْلَه

أَحتَاجُ إليكَ ..

بِنَسيمِكَ أَكُونُ مَلكْتُنِي

وَبِغُبَارِكَ أَكُون خَسِرْتُنِي

فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ

في كُؤوسِ ضَعفِي

ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي

أَرهبُ عليكَ مُنازلتَها الشَّقِيَّة

ولا تُوقِظْ بِي حَنينًا أَغرقتُهُ في سُبَات !

لَيْتكَ تَغمُرني كلَّ آنٍ

بِلَحظاتِ حُزنِكَ وَعذابِكَ

قَدْ تَقتُلُ بِيَ الخَوفَ والشَّكّ

كَيفَ آمرُنِي أَن أُغادِرَكَ..

وقَلبُكَ احْتَلَّنِي؟

رُوحُكَ تَتجلَّى في مَرايا رُوحِي

وأنتَ ظِلِّي المُلاَصِقُ

بِحَرْفي .. بِخَوْفي .. بِعَطْفي ..

أنا المَصقُولةُ بِكَ/ المَرهونةُ لَك

كَم بِتُّ رَهِينةَ رَوعَتِك !

أَرتَاعُ حِينَما أُحِسُّ بالشَّوقِ

يُدثِّرُني بِثَوبِ الإِثْم

أَجزَعُ وأَهرُبُ

كي لا أُكَابِدَ في وحدَتي

مَغَارزَ الأَلَم

لا تَترُكْني رَعشةً/ في مَهبِّ رَصِيفِ عُزلَة

رغم أَنَّ تلكَ النَّسائمَ أَصبحتْ

تَطِيبُ لي وتُغفِيني!

ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ: جوُّ النّصّ:

تتحدّثُ عن معاناةِ المرأةِ في صمْتِها، ما بينَ البوْحِ والكِتمانِ، وما بينَ المُمكنِ والمُستحيلِ، وما بينَ المَفروضِ والمطلوبِ، والحاجةِ الشّخصيّةِ والحاجات المجتمعيّةِ، بكلّ الأحاسيسِ الّتي تُكابدُها الأنثى في عُزلتِها، فهي تريدُ أن تكونَ شريكَ الرَّجُل، لكنّها لا تجدُ ذاتَها، ولا تتلمّسُ كيانَها، في ظلِّ مُجتمعٍ لا يُراعي أمانيها أو نبضَ أحاسيسها، فتظلُّ أسيرةَ الوحدة.. 

الأفكارُ الرّئيسة:    

  1. شعورُ الشاعرةِ بالرّهبةِ والخوفِ، وهي ترى واقعَها وهمًا وخيالًا، فأقمارُ أحلامِها قد حُجبَتْ واستُتِرتْ بفِعلِ المُجتمعِ.
  2. تتحسّسُ الشاعرةُ مرارةَ اليأسِ مِن جرّاء عزلتِها، لكنّ أحاسيسَها تسخرُ منها، وضميرَها يُؤنّبُها على عجْزِها.
  3. ترى الشاعرةُ أنّ المرأةَ لمْ تعُدْ تثِقُ بالرّجُل، أو بالمجتمعِ الّذي أبعدَها عن دوْرِها الطبيعيّ، وقَلْبُها نبْعُ عطاءٍ اختطفتْهُ ملائكةُ الحُبّ.
  4. تُعلنُ الشاعرةُ أنّ المرأةَ لديْها رغباتٌ جامحةٌ وأمانٍ وأحلامٌ، لكنّها عاجزةٌ عن تحقيقِها، فتراها شاردةَ الذّهنِ والوجدانِ، أمامَ هذا الواقعِ المُهمِّشِ لرغباتِها وأمانيها.
  5. تُصوِّرُ الشاعرةُ ما في داخلِ المرأةِ، فهي امرأةٌ شقيّةٌ متوجّعةٌ، تُساقُ ورغباتُها وأحلامُها رغمًا عنها في غياهبِ الضّياعِ.
  6. المرأةُ تُطالبُ بحقوقِها، لكنّ مطالبَها لا تتحقّقُ، وهي تشعرُ بتأنيبِ الضّميرِ، وهي عاجزةٌ بأحاسيسِها المُتدفّقةِ نحو الرّجُلِ الّذي لا يُصغي لها.
  7. المرأةُ تُعاقِبُ الرّجُلَ وتُعاتِبُهُ؛ لأنّه لا يستمعُ لمطالبِها، ولا يَعملُ على تحقيقِ أمانيها، فكأنّهُ أبلهٌ لا يُحلّلُ ولا يعي ما تريدُه.
  8. تتمنّى الشاعرةُ مِن المجتمعِ أن يَسمعَ لمطالبِها ولنبضاتِ قلبِها وشوقِها، لتَسكُبَ في روح الرّجُلِ حنانَها، ولِيُحَسِّسَها بمكانتِها، لكنّ الرّجُلَ يَصُمُّ أذنَيْهِ، ويخسَرُ هذا السّيلَ المُتدفّقَ مِن رِقّةِ أحاسيسِها وفيْضِ عطائِها.
  9. انعدامُ الثّقةِ بينَ المرأةِ والرّجل، بينَ مَن يُنادي وبينَ مَن لا يَسمع.
  10. تريدُ المرأةُ أن تتوحّدَ روحُها مع روح رجُلٍ لا يُهمِّشُها، لكن دون جدوى.
  11. المرأةُ تبقى أسيرةَ وحدتِها.

لذلك نرى أنّ الأفكارَ عندَ شاعرتِنا في مقطوعتِها هذهِ، مُنْصَبَّةٌ في قلبِ عناصرِ العمَلِ الأدبيِّ مجتمِعةً. (لقد بيّن روّاد الشّعر العربيّ الحُرّ، كيفَ تندمجُ الأفكارُ معَ بقيّةِ العناصرِ المُكوِّنةِ للقصيدةِ، بحيثُ لا يُمكنُ فصْلُها عن السّياقِ الشِّعريّ، إذ تصبحُ جزءًا مِنَ البناءِ الفنّيِّ والصّورة الفنّيّة.

فالبياتي يرى "أنّ الأفكارَ تختلفُ في الصّورةِ الشِّعريّةِ، فلا يَبرُزُ مِن القصيدة غيرَ بنائِها الفنّيّ، وصُوَرِها الشّعريّة" (1).

والفِكرةُ جزءٌ مِن عناصرَ كثيرةٍ تُكَوِّنُ مادّةَ القصيدة، ولا يُمكن فصْلُها عن المجموع أو تمييزِها مِن القصيدة. إنّها "ليست قيمةً تُضافُ إلى قيمةِ الفنِّ في الشِّعرِ، فيُصبحُ بها غيرَ ما هو، أو غيرَ ما كان" (2)، بلْ هي مبثوثةٌ في كلّ العناصرِ المُكَوِّنةِ. 

والأشياءُ تفقدُ في الفنّ شيئِيَّتَها، والأفكارُ فِكرِيَّتَها، لأنّها تنسلِخُ عن أصلِها، وتَلبَسُ فنّيّتَها، وتُصبحُ رمزًا. والواقعُ في القصيدة يتخلّصُ "من نظامِهِ المكانيّ والزّمانيّ والنفسيّ والموضوعيّ" (3). 

العاطفة: 1. عاطفةُ الرّهبةِ والخوفِ مِن واقعِها الوهْميّ والخياليِّ، إثْرَ عُزلتِها في المجتمع.

  1. التّبرُّمُ مِن مرارةِ اليأس، والسّخريةُ مِن نفسِها لعجزِها وضياعِها.
  2. عاطفةُ الأسى والحزن بسبب انقطاعِ حبْلِ الثّقةِ بين الرّجُلِ والمرأة، ومِن شرودِ ذهنِها وعجزِها.
  3. التّوجُّعُ والتّألُّمُ مِن واقعٍ مريرٍ.
  4. عاطفةُ الدّهشةِ والتّعجب مِن تصرّفاتِ الرّجُلِ الّذي يُفضِّلُ عُزلةَ المرأة، على أن تنسكِبَ وتتوحّدَ روحُهُ في روحِها.
  5. عاطفةُ حزنِ الشّاعرةِ، فهي أسيرةُ وحدتِها.

وتستمدُّ الشاعرةُ أفكارَها ومعانيها مِن تجربةٍ صادقةٍ، وعاطفةٍ قويّةٍ، فلا ريبَ في ذلك، فهي مُرهفةُ الأحاسيسِ، تُحِبُّ وتطمحُ في مشاركتِها للرّجُلِ وأعبائِهِ، مُتلهِّفة للرّجُل للتّوحُّدِ معهُ، على أن يُحسِّسَها بذاتِها وقيمتِها، بعيدًا عن واقعِ حياةٍ لا تَرحمُ، وقد تكرّرتْ معاني العُزلةِ ومترادفاتُها كثيرًا في المقطوعة؛ لتأكيدِ تَطلُّعِها وشوقِها بالإحساسِ بذاتِها وكيانِها، فهي تهربُ بقلبِها عن واقعٍ وحياةٍ سلبَتْها الحقوقَ، وأثقلتْ عليها بالواجباتِ، فوجدتْ في العُزلةِ والاعتزالِ خيرَ صديقٍ، وهيَ تَعجزُ عن التّغييرِ، فها هي تُعايشُ الأحداثَ بنفسِها، فانعكستْ تلكَ على أحاسيسِها ووجدانِها.

وقد غلبتْ على المقطوعةِ نزعةُ الرّفضِ للواقعِ المُرِّ والمُزري، فارتفع صوتُها رافضًا هذا النّسيجَ المَبنيَّ على عدَمِ تقديرِ الإنسانِ لإنسانيّتِهِ، فتَهرُبُ أمامَ العجزِ وعدمِ التّمكُّنِ مِن التغيير، إلى خيرِ جليسِ وحدتِها وقلمِها، لتسطُرَ ما يحلو لها شِعرًا نثريًّا، طلبًا للذّاتِهِ العقليّةِ والوجدانيّةِ، فهي المُلقي، والشِّعرُ هو الوسيلةُ، علّها تجدُ المُتلقّي الذي يَسمو بفِكرِهِ نحوَ الإبداع، ففي الشِّعر تُعبِّرُ عن ذاتِها وحُبِّها وآمالِها وأمانيها. 

الخصائصُ الأسلوبيّة: أوّلًا: التّصويرُ الفنّيّ- التّشبيهات: 

أ. التّشبيهُ البليغُ: (وأنتَ ظِلّي المُلَاصِقُ): شَبَّهَت الشّاعرةُ نفسَها بظِلِّ الرّجُلِ، تشبيهٌ مفردٌ/ بليغ.

ب. التّشبيهُ التّمثيليّ: (يَترُكَها أَجِنّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها): صورةُ الرّجُلِ الذي يُهملُ عواطفَ المرأةِ، ولا يَلتفِتُ لأحاسيسِها، وهي تترقّبُ استجابتَهُ لها ولا يَستجيبُ، بصورةِ الطّفلِ الّذي يَنتظرُ ثديَ أمِّهِ، ولا يحصلُ عليه.

الخصائصُ الأسلوبيّة: الصّوَرُ والاستعاراتُ: المَجهُولُ اليَكْمُنُ خَلفَ قلبي/ كَم أَرْهبُهُ يَتَكَثّفُ وهْمًا/ عَلى/ حَوافِّ غِلافِهِ/ أَخشاهُ يَحجُبُ بِرائبِ غَيْمِهِ أقمارَ حُلُمي/ أن تَتَطاوَلَ يَدُ عَقلي/ تَهُزّني../ تُوقِظني../ بِلُؤْمٍ ساخِرٍ/ مِن سَكْراتي الْهائِمَة: هنا مجموعةٌ مِن الصّورِ المُتلاحقةِ المُتتابعةِ، وهي كما القنواتُ العذبةُ، تجري كلُّها، وتتدفّقُ لتصبَّ جميعُها في الصّورةِ الكُلّيّةِ، وتتمثّلُ في صورةِ المرأةِ الّتي أُهمِلتْ في مُجتمعِنا، وهي عاجزةٌ عن التّغييرِ، وغيرُ راضيةٍ على هذا الواقعِ، تتلوها صُوَرٌ جزئيّةٌ أخرى متتابِعة ومتلاحِقة.

الصّورةُ الأولى: صورةُ امرأةٍ تشعرُ بالرّهبةِ والخوف، وهي ترى واقعَها وهْمًا وخيالًا، فأقمارُ أحلامِها قد حُجبتْ واسْتُتِرَتْ بفِعل المُجتمع.

والصّورةُ الثّانية: صورةُ امرأةٍ تَشعُرُ بمرارةِ اليأسِ مِن جرّاء عُزلتِها، لكنّ أحاسيسَها تسخَرُ منها، وضميرَها يُؤنّبُها على عجْزِها.

كَيفَ أمنَحُكَ قلبِيَ الآنَ/ وقدِ اخْتَطفَتْهُ مَلائِكةُ الحُبِّ/ إلى فُسحَةٍ في العَراء: صورةُ امرأةٍ لم تَعُدْ تثِقُ بالرّجُلِ، أو المُجتمع الّذي أبعَدَها عن دوْرِها الطّبيعيّ، وقلبُها نبعُ عطاءٍ اختطفَتْهُ ملائكةُ الحُبّ.

كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ/ حينَ تَتماوجُ في فَضاءاتِ الخَيالِ؟/ كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ/ وتَركنَ حِيالَها عَاجِزًا .. شارِدَ الرُّوح: صورةُ امرأةٍ لديها رغباتٌ جامحةٌ وأمانٍ وأحلام، لكنّها عاجزةٌ عن تحقيقِها، شاردةُ الذهنِ والوجدانِ أمامَ هذا الواقعِ المهمِّش لرغباتِها وأمانيها.

آهٍ ... ما أَشقاهَا المرأةَ/ حِينَ تُساقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ/ إلى زَنزانةِ أَحلامِها المُستَحِيلَة/ كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي بحُوريَّاتِ الأَحلامِ/ في سَحيقِ هاوياتِها/ يُهجِّنُ وِلاداتٍ رَهيبةٍ/ يَترُكَها أَجِنَّةَ حُبٍّ/ عَلى ثَديِ انْتِظارِها: صورةُ المرأةِ الشّقيّةِ المُتوجّعةِ، الّتي تُساقُ ورغباتُها وأحلامُها، رغمًا عنها، في غياهبِ الضّياع.

قد أَكونُ أَرهقتُكَ؛/ بِضَجيجِ فِكري/ بِضَوضاءِ قلبِي/ أَشعرُ بالذّنْبِ/ حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسيسي/ وما مِن ذَنْبٍ أَقترِفهُ/ سِوَى أن تتكَبَّدَ جَرِيمةَ حُكْمِي: صورةُ المرأةِ الّتي تُطالبُ بحقوقِها فلا تتحقّقُ، وهي تشعرُ بتأنيبِ الضّميرِ، وهي عاجزةٌ بأحاسيسِها المُتدفّقةِ نحوَ الرّجُلِ الّذي لا يُصغي لها.

أُحِسُّ برَاحةٍ غَريبةٍ/ حِينَما أُوقِعُ بِكَ قِصاصي/ بِلُؤمٍ أَبْلَه: صورةُ المرأةِ الّتي تُعاقبُ الرّجُلَ وتُعاتبُهُ، لأنّهُ لا يَستمِعُ لمَطالبِها، ولا يَعملُ على تحقيقِ أمانيها. فكأنّهُ أبلهٌ لا يُحلّلُ ولا يَعي!

أَحتَاجُ إليكَ../ بِنَسيمِكَ أَكُونُ مَلكْتُنِي/ وَبِغُبَارِكَ أَكُون خَسِرْتُنِي/ فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ/ في كُؤوسِ ضَعفِي/ ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي/ أَرهبُ عليكَ مُنازلتَها الشَّقِيَّة/ ولا تُوقِظْ بِي حَنينًا/ أَغرقتُهُ في سُبَات: صورةُ المرأةِ الّتي تتمنّى أن تُبادِلَ الرّجُلَ الّذي يَسمعُ لمَطالبِها، لنبضاتِ قلبِها وشوقِها، وتسكبَ في روحِهِ حنانَها، ويُحسِّسُها بمَكانتِها. لكنّ الرّجُلَ يَصُمُّ أذنيْهِ، ويخسرُ هذا السّيْلَ المُتدفّقَ مِن رِقّةِ أحاسيسِها وفيْضِ عطائِها.

لَيْتكَ تَغمُرُني كلَّ آنٍ/ بِلَحظاتِ حُزنِكَ وَعذابِكَ/ قَدْ تَقتُلُ بِيَ الخَوفَ والشَّكّ: صورةُ المرأةِ هي بحاجةٍ لرَجُلٍ يَسمعُ لآرائِها، ويُشاركُها آمانيها، ويوقظ أحاسيسَها النّائمة الّتي نوّمَها التّجاهلُ والتّهميشُ، وحينَها ستثقُ بالرّجُل، وتُزيلُ عن روحِها غشاوةَ الخوفِ والشّكّ.

كَيفَ آمرُني أَن أُغادِرَكَ؟/ وقَلبُكَ احْتَلَّنِي/ رُوحُكَ تَتجلَّى في مَرايا رُوحي/ وأنتَ ظِلِّي المُلاصِقُ/ بِحَرْفي.. بِخَوْفي.. بِعَطْفي../ أنا المَصقُولةُ بِكَ/ المَرهونةُ لَك/ كَم بِتُّ رَهِينةَ رَوعَتِك!/ أَرتاعُ حِينَما أُحِسُّ بالشَّوقِ/ يُدثِّرُني بِثَوبِ الإِثْم/ أَجزَعُ وأَهرُبُ/ كي لا أُكابِدَ/ في وحدَتي/ مَغارزَ الأَلَم/ لا تَترُكْني رَعشةً/ في مَهبِّ رَصِيفِ عُزلَة/ رغم أَنَّ تلكَ النَّسائمَ أَصبحتْ/ تَطيبُ لي وتُغفيني:

صورةُ المرأةِ تريدُ أن تتوحّدَ روحُها في روحِ الرّجُل، وتُصبحَ الرّوحانِ مُنسكبتَيْنِ في روحٍ واحدة، وتتمنّى منهُ ألّا يُهمِّشَها، لكنَّ أمانيها تذهبُ أدراجَ الرّياح، وتبقى أسيرةَ وحدتِها. والدّلالةُ السيميائيّةُ لصُوَرِ المرأةِ الجزئيّةِ المُتلاحقةِ والمتتابعةِ في هذهِ المقطوعة، تجتمعُ وتتوحّدُ كلّها  في فضاءٍ نفسيٍّ وفِكريٍّ واحدٍ، وتعودُ لأصلِها الأمّ الدّلالةُ الكبرى، أو الصّورة الكبرى المُتمثّلة في تهميش دوْرِ المرأةِ في المجتمع.

 ويرى كروتشيه: "أنّ المضمونَ والصّورةَ يجبُ أن يُميَّزا في الفنّ، لكن لا يمكنُ أن يوصَفَ كلٌّ منهما على انفرادٍ بأنّه فنّيّ، لأنّ النّسبةَ القائمةَ بينَهما هي وحدها الفنّيّة، لا أعني الوحدةَ المجرّدةَ، بل الوحدة العيانيّة الحيّة" (4). إنّ الوصفَ والمجازَ والتّشبيهَ  يمكنُ أن يخلقوا صورةً، أو أنّ الصّورةَ يُمكنُ أن تُقدَّمَ إلينا في عبارةٍ، أو جملةٍ يَغلبُ عليها الوصفُ المَحضُ، ولكنّها توصِلُ لخيالِنا شيئًا أكثرَ مِن انعكاسٍ مُتقنٍ للحقيقةِ الخارجيّة.(5)

ومن الاستعارات المكنية ما يلي: شبّهَت العقلَ بشيءٍ يَهُزّ ويوقِظُ ويَلومُ ويَسخرُ: (تَهُزُّني../ تُوقِظُني../ بِلُؤمٍ سَاخِرٍ) وشبّهَت السّكراتِ بكائنٍ حيٍّ يَهيمُ: (مِن سَكْراتِي الهَائِمَة/ كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ/ حينَ تَتماوجُ في فَضاءاتِ الخَيالِ؟)

شبّهتِ الرّغباتِ بشيءٍ يتذبذبُ ويتماوجُ: (كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ)

 شبّهَت الرّغبة بسجينٍ يُقيَّد: (حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ)

شبّهَتِ الشّوقَ بإنسانٍ يَرمي: (كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي بِحُوريَّاتِ الأَحلامِ)

شبّهَتِ الحجارةُ بإبرةِ ترمي: (حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسِيسي)

شبهت الروح بثمرةٍ تُعصَر: (فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ)

شبّهَت الضّعفَ بسائلٍ يُوضعُ في كأس: (في كُؤوسِ ضَعفِي)

شبّهَت الآمالَ بشيءٍ لهُ قشرةٌ: (ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي)

شبّهَت الحنينَ بإنسانٍ نائمٍ: (ولا تُوقِظْ بِي حَنينًا أَغرقتُهُ في سُبَات!)

شبّهَت كُلًّا مِن الحزنِ والعذاب بشيءٍ يَغمرُ: (لَيْتكَ تَغمُرني كلَّ آنٍ/ بِلَحظاتِ حُزنِكَ وَعذابِكَ)

شبّهّت الشّوْقَ بإنسانٍ يُدَثّرُ، والإثمَ بإنسانٍ يَرتدي ثوبًا: (أَرتاعُ حِينَما أُحِسُّ بالشَّوقِ/ يُدثِّرُني بِثَوبِ الإِثْم).

ب. الاستعارة التصريحيّة: شبّهَت الشّاعرةُ ثورةَ الفِكرِ بالضّجيج، ورفْضَ القلبِ للواقعِ بالضّوضاءِ. (قَد أَكونُ أَرهقتُكَ؛/ بِضَجيجِ فِكري/ بِضَوضاءِ قَلبي):

شبَّهَت الشّاعرةُ إزالةَ كلّ مظاهرِ الخوفِ والشّكّ بالقتل: (قَدْ تَقتُلُ بِيَ الخَوفَ والشَّكّ)

شبّهَتِ الشّاعرةُ تَمَلُّكَ الرّجُل لقلبِها بالاحتلال: (وقَلبُكَ احْتَلّنِي)

الكنايات:  (في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَـة): كنايةً عن عُزلةِ المرأة.

(المَجهُولُ اليَكْمِنُ خَلفَ قَلبي): كنايةً عن واقعِ المرأةِ المجهولِ مستقبلًا.

(كَم أَرهبهُ يَتَكَثَّفَ وهْمًا/ عَلى/ حَوافِّ غِلافِهِ/ أَخشاهُ يَحجُبُ برائبِ غَيْمِهِ أَقمارَ حُلُمي): كنايةً عن خوفِ المرأةِ مِن استمراريّةِ تجاهلِ الرّجُلِ لها.

(مِن سَكْراتي الهائِمَة): كنايةً عن ذهولِ المرأةِ في هذا الواقعِ المُهين. 

(كَيفَ أَمنَحُكَ قَلبيَ الآنَ/ وقد اخْتَطفَتْهُ مَلائِكةُ الحُبِّ/ إلى فُسحَةٍ في العَراء): كنايةً عن أنّ المرأةَ لن تَمنحَ الرّجُلَ عذبَ أحاسيسِها ما دام مُتجاهِلًا لها.

(كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ/ حينَ تَتماوجُ في فضاءاتِ الخَيالِ؟/ كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ): كنايةً عن تألُّمِ المرأةِ لعُزلتِها.                

(وتَركُنَ حِيالَها عَضاجِزًا.. شارِدَ الرُّوح!): كنايةً عن عجْزِ المرأة وعدمِ قدرتِها في التغيير. 

(حينَ تُساقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ/ إلى زَنزانةِ أَحلامِها المُستَحِيلَة): كنايةً في كلٍّ عن قيودِ المرأةِ التي تكبِّلُ مِعصمَيْها.

(كأَنَّ الشَّوقَ يَرمي بحُوريَّاتِ الأَحلامِ/ في سَحيقِ هَاوياتِها/ يُهجِّنُ وِلاداتٍ رَهيبةٍ): كنايةً عن ضياعِ أحلامِ المرأة.

(يَترُكَها أَجِنَّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظارِها): كنايةً عن ترقُّبِ المرأةِ.

(حينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسيسي): كناية عن غضبِ المرأةِ لتصرُّفاتِ الرّجُلِ ومحاولتِهِ تهميشها.

(أُحِسُّ براحةٍ غَريبةٍ/ حينَما أُوقِعُ بِكَ قِصاصِي/ بِلُؤمٍ أَبْلَه): كنايةً عن راحةِ المرأة في عقابها للرَّجُلِ المُهمِّش دوْرَها في الحياة.

(أَحتَاجُ إليكَ../ بِنَسيمِكَ أَكُونُ مَلكْتُنِي/ وَبِغُبارِكَ أَكُون خَسِرْتُني): كنايةً عن حاجةِ المرأةٍ لرَجُلٍ يُقدِّرُ أحاسيسَها، ويُشعرُها بذاتِها ووجودِها.

(فَلا تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ/ في كُؤوسِ ضَعفي/ ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالي): كنايةً عن مُطالبةِ المرأةِ للرّجُلِ ألّا يَستغلَّ ضعفَها، ويستمرَّ في تضييعِ آمالِها.

(ولا تُوقِظْ بي حَنينًا أَغرقتُهُ في سُبات!): كنايةً عن فقدِ المرأة لعذبِ أحاسيسِها، في غمرةِ التقصيةِ والتّهميش. 

لَيْتكَ تَغمُرني كلَّ آنٍ/ بِلَحظاتِ حُزنِكَ وَعذابِكَ/ (قَدْ تَقتُلُ بِيَ الخَوفَ والشَّكّ): كنايةً عن تطلّعِ المرأة لتلعبَ دوْرَها في الحياة، واللّحاق بعربةِ التقدّم.

(كَيفَ آمرُني أَن أُغادِرَكَ؟/ وقَلبُكَ احْتَلَّني/ رُوحُكَ تَتجلَّى في مَرايا رُوحي/ وأنتَ ظِلِّي المُلاصِقُ/ بِحَرْفي../ بِخَوْفي../ بِعَطْفي../ أنا المَصقُولةُ بِكَ/ المَرهونةُ لَك): كنايةً في كلٍّ عن التصاقِ المرأةِ بالرّجُل، وخاصّة إذا قَدّرَ أحاسيسَها.

(كَم بِتُّ رَهِينةَ رَوعَتِك!/ أَرتاعُ حِينَما أُحِسُّ بالشَّوقِ/ يُدثِّرُني بِثَوبِ الإِثْم/ أَجزَعُ وأَهرُبُ/ كي لا أُكابِدَ/ في وحدَتي/ مَغارزَ الأَلَم/ لا تَترُكْني رَعشةً/ في مَهبِّ رَصيفِ عُزلَة/ رغم أَنَّ تلكَ النَّسائِمَ أَصبحتْ/ تَطيبُ لي وتُغفيني!): كنايةً في كلٍّ عن تألُّمِ المرأةِ لواقعِها المُهمَّش.

 المجاز المُرْسَل: (أن تَتَطاولَ يَدُ عَقلي): ذكَرَت الشّاعرةُ اليدَ (الجزءَ)، وأرادت بهِ الكلَّ، مَجازٌ مُرسَلٌ علاقتُهُ الجزئيّةُ أو السّببيّة.  

ثانيًا: التعبيرُ (اللغة والأساليب) ويذهبُ عزّ الدّين إسماعيل إلى: أنّ القصيدةَ الحديثةَ غامضةٌ على مستوى رؤيا الشاعر ولغتِهِ المستعمَلة، "لأنَّه ما دامتِ الرّؤيا مغايرةً لِما هو مألوفٌ، وكانت اللّغة المستخدمَةُ خاضعةً لطبيعةِ هذه الرّؤيا، فإنّه مِن الطّبيعيّ أن يُغلّفَ القصيدةَ إطارٌ مِن العتمة، ويجعلَ الولوجَ إلى عالمِها شاقّا"(6). وقد تعرّضَ روّادُ الشّعرِ العربيّ الحُرّ لظاهرةِ الغموضِ في القصيدةِ الحديثةِ، وعَدُّوا ذلكَ مِن طبيعةِ الشّعرِ، لأنَّهُ رؤيا تكشفُ المجهولَ، وتتجاوزُ الرّاهنَ، وتقولُ المستقبل. ولأنّ لغتَهُ إبداعيّةٌ تخترقُ العادي، لتقولَ ما لا تستطيعُ اللّغةُ العاديّةُ قولَه(7).

1.الألفاظ والتراكيب - أ. العنوان: القصيدة بعنوان (في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَـة): فالعنوانُ يتشكّلُ مِن جارٍّ ومجرورٍ، وهو خبرٌ لمبتدأ محذوف، يتلوهُ مُضافٌ ومضافٌ إليهِ مرّتيْنِ، وكلمة (مهبّ):

ابن سيّده: هَبَّتِ الريحُ تَهُبُّ هُبُوبًا وهَبِـيبًا: ثارَتْ وهاجَتْ؛

وقال ابن دريد: هَبَّتْ هَبًّا، وليسَ بالعالي في اللّغة، يَعني أَنّ المعروفَ إِنّما هو الـهُبُوبُ والـهَبيبُ؛ وأَهَبَّها اللهُ.

الجوهريّ: الـهَبُوبةُ؛ الرّيحُ الّتي تُثِـير الغَبَرة، وكذلك الـهَبُوبُ والـهَبيبُ. تقول: من أَين هَبَبْتَ يا فلان؟ كأَنك قلت: مِن أَين جِئْتَ؟ من أَينَ انْتَبَهْتَ لنا؟ وهَبَّ من نَوْمِهِ يَهُبُّ هَبًّا وهُبُوبًا: انْتَبَهَ؛ أَنشد ثعلب: فحَيَّتْ، فحَيَّاها، فهَبَّ، فحَلَّقَتْ، * مَعَ النَّجْم، رُؤْيا في الـمَنام كَذُوبُ وأَهَبَّه: نَبَّهَه، وأَهْبَبْتُه أَنا.

وفي حديث ابن عمر: فإِذا هَبَّتِ الرِّكابُ، أَي قامَت الإِبلُ للسَّير؛ هو مَن هَبَّ النائمُ إِذا اسْتَيْقَظَ. وهَبَّ فلانٌ يَفْعَلُ كذا، كما تقولُ: طَفِقَ يَفْعَلُ كذا.

وهَبَّ السّيفُ يَهُبُّ هَبَّةً وهَبًّا: اهْتَزَّ، الأَخيرةُ عن أَبي زيد. وأَهَبَّه: هَزَّه؛ عن اللّحياني.

الأَزهريّ: السيفُ يَهُبُّ، إِذا هُزَّ، هَبَّةً (8). فكلمة (مَهَبّ) هي اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ ميميّ، ومعناها الدّلاليُّ التّحرّكُ والانطلاقُ، ولكنّ الحركةَ ليست موجبة، بل تحملُ في ثناياها ما لا يُحمَدُ عقباه، كهُبوب الرّيح عندما تحملُ معها الغبرة.

وعبارة (رصيفُ عزلة): كنايةً عن الشّيءِ المركونِ مُنعزلًا، فكأنّي بالشّاعرة تريدُ أن تقولَ، بأنّ المرأةَ هنا معزولةٌ، لا يُسمَعُ لها رأيٌ.

عزل: عَزَلَ الشّيءَ يَعْزِلُهُ عَزْلًا، وعَزَّلَهُ فاعْتَزَلَ، وانْعَزَلَ وتَعَزَّلَ نَحَّاهُ جانِبًا فَتَنَحَّى، وقولُهُ تعالى إِنَّهُم عن السَّمْع لَمَعْزولون، معناهُ أَنَّهم لَمَّا رُمُوا بالنّجوم، مُنِعوا منَ السَّمْع، واعْتَزَلَ الشّيءَ وتَعَزَّلَهُ ويتعدّيانِ بعَنْ، تَنَحَّى عنهُ.

وقولُهُ تعالى فإِنْ لم تُؤْمِنوا لِي فاعْتَزِلونِ، أَرادَ إِنْ لم تؤمنوا بي فلا تكونوا عَليَّ ولا مَعِي. وقَوْلُ الأَخوص يا بَيْتَ عاتِكةَ الَّذي أَتَعَزَّلُ حَذَرَ العِدى، وبهِ الفُؤادُ مُوكَّلٌ، يكونُ على الوجهيْن، (قولُهُ "يكون على الوجهيْن"، فلعلّهما تعدي أتعزل فيه بنفسه وبعن كما هو ظاهر). وتَعَاَزَلَ القومُ انْعَزَلَ بَعْضُهم عن بَعض، والعُزْلةُ الانْعِزال نفسُه، يُقالُ العُزْلةُ عِبادة، وكُنْتُ بمَعْزِلٍ عن كذا وكذا، أَي كُنْتُ بموْضعِ عُزْلةٍ منه، واعْتَزَلْتُ القومَ أَي فارَقْتهم وتَنَحَّيْتُ عنهم.

قال تأَبَّط شَرًّا: ولَسْتُ بِجُلْبٍ جُلْب ريحٍ وقِرَّةٍ، ولا بصَفًا صَلْدٍ عن الخير مَعْزِل، وقَوْمٌ من القَدَرِيَّةِ يُلَقَّبونَ المُعْتَزِلة زعموا أَنّهم اعْتَزَلوا فِئَتي الضّلالةِ عندهم، يَعْنُون أَهلَ السُّنَّة والجماعةِ والخَوَارجَ. (9).

ب‌. استخدَمت الشّاعرةُ في نصّها لغةً سهلةً موحِية تخاطبُ عقولَ النّاس، وقد جاءتْ ألفاظُ مُعجمِها الشعريِّ مناسِبةً، ومَعانيها مُطابِقةً للأفكارِ، ولقدِ اختارتْ ألفاظَها وكلماتِها مِن معجمٍ يوحي بالضّياعِ، وتمنّي الخروجِ مِن عزلتِها.

ج. ولقد‌ جاءتْ تراكيبُها متناغمةً بعضُها معَ بعضٍ، رقيقةً متينةً موحِيةً، فيها مِنَ الرّمزِ الجزئيِّ تعبيرًا عن رفضِها للواقعِ، فاستخدمتْ أُسلوبَ "الاتّساع"، وهو واحدٌ مِنَ الأساليبِ التّحويليّةِ، الّتي تطرأُ على العباراتِ والتّراكيبِ النّحويّةِ. ويُعرّفُه المُحْدِثون مِنَ المُشتغلين بالدّراساتِ اللّغويّةِ، بأنّه عمليّةٌ نحويّةٌ تأتي عن طريقِ إضافةِ بعضِ العناصرِ الجديدةِ إلى المُكوّناتِ الأساسيّةِ، دونَ أن تتأثّرَ تلكَ المُكوّناتُ"، كالاستعاراتِ الكثيرةِ والتشبيهاتِ والكناياتِ، ووضّحَ بعضُ البلاغيّينَ هذهِ الظاهرةَ، وأطلَقوا عليها مصطلحَ "الاتّساع".

وقد عبّر عن مفهومِ الاتّساع أو الانزياح "جان كوهن" وقالَ: بأنّهُ الأسلوبُ في كلّ ما ليسَ شائعًا ولا عاديًّا، ولا مُطابِقًا للمعيارِ العامّ المألوفِ، وهو يُشخّصُ اللّغةَ الشّعريّةَ باعتبارِها انحرافًا عن قواعدِ قانونِ الكلامِ.

ورأى جاكوب كورك: أنّ أكثرَ الوظائفِ حيويّةً للصّورةِ، هي الاستعارةُ والصّورةُ الشّعريِّةُ، أي خلْقُ معانٍ جديدةٍ مِن خلالِ صِلاتٍ جديدةٍ، ومنها في النّصّ الاستعاراتُ والتّشبيهاتُ والكنايات، والحذف...

ويرى بعضُ النّقّادِ الأسلوبيّينَ، أنّ الانحرافَ هو مِن أهمِّ الظّواهرِ الّتي يَمتازُ بها الأسلوبُ الشّعريُّ عن غيرِهِ، لأنّه عنصرٌ يُميّزُ اللّغة الشّعريّة، ويَمنحُها خصوصيّتَها وتوهّجَها وألقَها، ويجعلُها لغةً خاصّة تختلفُ عن اللّغة العاديّة، وذلك بما للانحرافِ من تأثيرٍ جَماليٍّ، وبُعدٍ إيحائيّ، فاتّسمَتِ القصيدةُ بمجموعةٍ مِن الخصائصِ الفنّيّةِ، مُتمثّلة في الوحدةِ العضويّةِ والموضوعيّة.

  1. الأساليبُ الخبَريّة والإنشائيّة: أ. راوَحَت الشّاعرةُ بين استعمال الأساليبِ الخبَريّة والإنشائيّة؛ فاستهلّت قصيدتَها بالأسلوب الخبَريّ لتأكيدِ الذّات؛ وليُناسبَ الغرضَ، فاستخدَمَته؛ لتُجسّدَ مدى تقديرِها لمشاعرِها وأحاسيسِها، حمايةً لها مِن عَبثِ العابثين، ولتأكيدِ ذاتِها بارتباطِها بآمالِها وأحلامِها، ثمّ استَخدَمَت الأسلوبَ الإنشائيّ، فاستخدمت:

* الاستفهامَ في قولِها، ويُفيدُ في كلّ التّعجّب: (كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ؟)-  (كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ؟)- (كَيفَ أَمنَحُكَ قَلبي الآنَ؟).

* ومِنَ الأساليبِ الإنشائيّة الّتي وظّفتها الشاعرةُ أسلوبَ النّهي: فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ/ في كُؤوسِ ضَعفي/ ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي/ أَرهبُ عليكَ مُنازلتَها الشَّقِيَّة/ ولا تُوقِظْ بِي حَنينًا أَغرقتُهُ في سُبات ! والنّهيُ في كلٍّ يُفيدُ الالتماسَ.

ج. استخدمَت الشّاعرةُ أسلوبَ المتكلّم (لي)؛ لتأكيد الذّات، والذّات المخاطبة تُحاولُ الفرارَ مِن واقعِها الأليم لتشكيلِ عالمِها الخاصِّ، وضميرُ الأنا يَستشعرُ هوْلَ المأساةِ، ومرارةَ الواقعِ المُهينِ والمُزري، وتُدركُ أنّها تنتمي إلى زمنٍ رديءٍ مُرٍّ مُهين.

كما استخدَمَتْ ضميرَ الآخَرِ (أنتَ) كما في قولِها: (أنتَ ظِلّي المُلاصِق). كما استخدمَتْ أسلوبَ الغيبةِ والفعلِ المَبنيّ للمجهول؛ لتبيان دوْر المرأةِ المُغيَّبِ كقوْلِها:  آهٍ .. ما أَشقاها المرأةَ/ حِينَ تُساقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ/ إلى زَنزانةِ أَحلامِها المُستَحِيلَة../ كأَنَّ الشَّوقَ يَرمي بِحُوريَّاتِ الأَحلامِ/ في سَحيقِ هَاوياتِها/ / يُهجِّنُ وِلاداتٍ رَهيبةٍ/ يَترُكَها أَجِنَّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظارِها.

د. استخدمت أسلوبَ الإيجازِ بالحذفِ: كما في عنوانِ القصيدة، وكما في قولِها:          (المَجهُولُ اليَكْمِنُ خَلفَ قَلبي)، والتقدير: (المَجهُولُ إليَكْ يا مَنُ خَلفَ قَلبي)

ه. استخدمت الشّاعرةُ أسلوبَ الخطاب كثيرًا للتّحبّب والتقرّب للرّجُل، عسى أنْ يسمعَ لها، ويُخرجُها مِن هاويةِ عُزلتِها، في مثلِ: أمنحُكَ، أرهقْتُكَ، أرجُمُكَ، بكَ، عليكَ، إليكَ، ملكتُني، خسرتُني، تغمرُني، روحُكَ، حُزنكَ، عذابكَ، روعتكَ.. كما استخدمت أسلوبَ المُتكلّمَ لتأكيد الذات، وتبيان أهمّيّة موقعِها في الأسرة والمجتمع في مثل: قلبي، حلمي، عقلي، حكمي، ضعفي، وحدتي، قصاصي، تهزّني، توقظني، بِحَرْفي، بَخوْفي، بِعَطْفي، تتركُني، تُعفيني، تَغمرُني، مَلكتُني، احتلّني، خسرتُني..

  1. المحسِّنات البديعيَّة- أ. الترادف: كما في مثل: قَد أَكونُ أَرهقتُكَ ؛/ بِضَجيجِ فِكري/ بِضَوضاءِ قَلبِي

ثالثا– الوزنُ والموسيقى- نظَمَتِ الشّاعرةُ مقطوعتَها على نمطِ الشّعرِ النثريّ، وموسيقاها تقفُ في منتصفِ الطريقِ بين النّثرِ والشّعرِ الموزونِ، فاستخدَمَتِ المُوازنة بينَ الكلماتِ في سطورِها الشّعريّة؛ لخلق إيقاعٍ موسيقيٍّ: بِحَرْفي/ بِخَوْفي/ بِعَطْفي.

أو النّسق الموسيقيّ في نهايةِ بعضِ السّطورِ: (لا تَترُكْني رَعشةً)- (في مَهبِّ رَصِيفِ عُزلَة)، وهذا النّسقُ الواحدُ أشاعَ في النّصِّ إيقاعًا موسيقيًّا داخليًّا، كما لجأت إلى التّكرارِ حينًا كتكرارِها لـ (كيف)، إنّ هذا التّكرارَ للكلمة نفسِها (كيف) المتّفقة في شكلها وعددِ حروفِها، يكونُ توافقًا صوتيًّا، وهذا التّوافقُ الصّوتيُّ مِن شأنِهِ أن يُحدِثَ موسيقى داخليّة، بالإضافةِ إلى موسيقى البيتِ، وإنّ نغمة هذهِ الكلمات المتكرّرة تُبرزُ إيقاعَ النفسِ المُنفعلةِ والمُندهشة (10). فقد تخلّصتْ مِن الرّتابةِ في القافيةِ المُوحّدة، وتمكّنت الشاعرةُ بهذا في الانطلاق برحابةٍ أوسعَ في قاموسِها الشّعريّ؛ لتُحَمّلَهُ المضامينَ الكبيرة، وجاءتِ السّطورُ الشّعريّةُ حسبَ التّدفّقِ العاطفيِّ للشّاعرةِ، ممّا ساهمَ في المحافظةِ على الوحدةِ العضويّةِ والموضوعيّةِ في النّصّ.

رابعًا- شخصيّةُ الشاعرة: اتّسمَتِ المَعاني والأفكارُ والصّورُ الفنّيّةُ التي اتّكأتْ عليها الشّاعرةُ، بالبساطةِ والرّقّةِ والعذوبة، لكنّها عميقةٌ في معانيها، واسعةٌ في مدلولاتِها، وشاعرتُنا مُبدعةٌ بحَقٍّ، امتطَتْ صهوةَ الشّعرِ النثريِّ بجدارةٍ؛ مُستعينةً بالألفاظِ والتراكيبِ المُوحِيَة؛ لأنَّ وقْعَها على النّفس أبْلغُ، إذ تبدو الشّاعرةُ مِن خلالِها جيّاشةَ المشاعرِ، رقيقةَ العاطفةِ، مُرهفةَ الإحساسِ، مُحِبّةً لعُهودِها، وفيّةً لمبادئِها، ورافضةً للذّلِّ والمَذلّة. 

 

الهوامش

(1) دراساتٌ نقديّة في النظريّة والتطبيق: محمّد مبارك ـ منشورات وزارة الإعلام ـ الجمهوريّة العراقيّة 1976 (ص 151).

(2) طبيعة الشّعر: أحمد محمّد العزب (ص 58).

(3) ثورة الشّعر الحديث: عبد الغفار مكّاوي ـ ص 32، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة 1972.‏

(4). انتروبولوجية  الصورة والشعر العربيّ قبل الإسلام، قصي الحسين، 389، الأهليّة للنشر والتوزيع، ط1 ، 1993. 

(5). الصورة الشّعريّة، سي دي لويس، 21، ترجمة أحمد الجاني ورفاقه، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، العراق، دار الرشيد، 1982.

(6) مفهوم الشّعر في كتابات الشّعراء المُعاصرين: عزّ الدّين إسماعيل/ فصول مج 1 ع 4 1981 (ص 56).   

(7). مفهوم الشّعر عند روّاد الشّعر العربيّ الحُرّ، د. فالح علاق ص201، منشورات اتّحاد الكُتّاب العرب، دمشق 2005. 

(8) لسان العرب، ابن منظور ص11 ج9، دار الحديث، القاهرة، 2002.

(9). المرجع نفسه، ص233 ج6، دار الحديث، القاهرة، 2002.

(10). قراءة أسلوبيّة في الشّعر الجاهليّ، د. موسى ربابعة، دار جرير، عمان، 2010  ص 24.

 

قراءةٌ نقديّةٌ لمقطوعَةِ (أحِنُّ إلَى حَفيفِ صَوْتِكَ)

أحِنُّ إلى حَفيفِ صَوْتِكَ
يَنْسابُ نَسيمًا رطبًا في مَعابِرِ روحي
تَجمَعُني قُزحاتُهُ إضماماتٍ فوّاحَةً
تَزدانُ بها منابر ُمَسامِعي
نَبَراتُ حُروفِكَ تُلاغِفُ جَوانِحي
أحاسيسُكَ تُسَوِّرُني
كَيْفَ أهْرُبُ وَمسافاتُ اٌلوَلَهِ
تَزدادُ نقشًا في مَسالِكِ قلبيِ؟

أشتاقُكَ أيُّها اٌلمَجنونُ
إلى ما لا نهايةٍ مِن جُنونِك
أشتاقُك
وما مِن أحَدٍ / يَراكَ شفيفًا كَمايَ
كم أُدمِنُها دِنانُ حُزنِكَ
أنادِمُها بِكَلماتٍ فيها بَعْثي المنتَظـَر
لِمَ يَتَأوَّهُ حَبيبي
واٌلنّارُ تَتَآكَلُ في دِمائِهِ ولا تَأكُلُهُ؟
أما كانَ اٌلأوْلى بِنيرانِهِ أن تَتَأوّهَ؟
حبيب قلبي/ اِفتَحْ لي قلبَك الذهبيَّ
واُسْكُبْ أحشاءَهُ عَلى راحَتيَّ
باٌلأمْسِ سَمِعْتُ وُعولَكَ/ تُناغي ظباءَ حُزنِك
آه يا رحمَ روحٍ
تَتَفَتَّقُ ولادةَ وجْدٍ في روحي: أنولدُ فينا؟
آثارُ قلبِكَ
دعني أرَمِّمْها ..أجدِّد ماءَ حَدائقِها
أجعلها ورودًا / نتراقصُ بينها شغفًا
وتَسبَحُ قناديلي
في جَداولِها اٌلشهيَّةِ
هو قلبُكَ لي
بِمائِهِ وطَمْيِهِ.. بِضِفافِهِ وأشجارِهِ
بِعَصافيرِهِ ونَحْلِهِ
أُريدُهُ بِعالمِهِ
كُلُّكَ وَكُلُّ كُلّـِكَ يَشوقُني
ولا أُريدُ اٌلشّوْقَ يُؤطّـِرُني
هُوَ صدرُكَ بَيْدَري / أدْرُسُ عَليْهِ سَنابلَ حَنيني
لن أخشى اٌجتياحَ فَيَضانِك
تُسْكِنُك قُبْلَةٌ / تُخَثـِّرُ أمواجَك
لَنْ أخشى خَطَرَ السّباحةِ فيك
واٌلاٌنْجِرافَ بشَلاّلاتِكَ اٌلنّاريَّةِ
أأسْكُبُني رَعشاتٍ
تصهرُكِ .. تُغلِّفُكَ بي ؟ !
أتكونُ دفينَ اٌنصِهاري؟ حَبيسَ أنْوِيَتي؟
أتَقْبَلُ بِكيْنونَةٍ جَديدةٍ / لا تُحَرِّرُها إلاّ بَراكيني؟
يا مَنْ أشْتاقـُكَ
دعْني أرْوي بِأمْطارِ عيني/ براريَ عَطَشِك
أُلِملمُني لكَ ظلالًا
وأشتاقُكَ أبدا

التّحليلُ الأدبيّ: أوّلُ ما يُطالعُنا في هذا النّصِّ الشِّعريِّ المُنتمي للقصيدةِ النّثريّةِ هو العنوان: (أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ)(1).

العنوانُ مُكوّنٌ مِنْ جُملةٍ فِعليّةٍ، فِعْلُها الفِعْلُ المُضارعُ، ومِنَ الفاعلِ وهوَ الضّميرُ المُستَتِرُ"أنا"، وهذا انزياحٌ، ومِنْ جارٍ ومَجرورٍ (إلى حَفيفِ)، وَ (مِنِ مُضافٍ ومُضافٍ إليه "حفيف صوتِك")، وجاءَ في لسانِ العَربِ: حنَّ إليهِ يَحِنُّ حَنينًا، يُقالُ: حنَّ عليهِ؛ أي عطف، وحنَّ إليهِ؛ أي نزع إليه(2).

وفي المُعجمِ الوسيطِ حَنَّ إليه: اِشتاقَ، وحنَّ عليهِ حنانًا؛ أي عطف.(3)، وفي مختارِ الصحاح، الحنين: الشّوقُ وتوَقانِ النّفس.(4)

وجاءَ في قاموسِ المَعاني: "حَفِيفُ الأشْجَارِ": الصَّوْتُ الصَّادِرُ عَنْ تَحَرُّكِ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ. و"حَفِيفُ جَنَاحَيِ الطَّائِر": صَوْتُ جَناحَيْهِ. و"حَفيفُ الحَيَّةِ": صَوْتُ جِلْدِها.

وشاعرتُنا مُشتاقةٌ بأحاسيسِها العذبةِ إلى كلِّ شيءٍ في حبيبِها، حتّى أنّها توّاقةٌ لسماعِ صوتِهِ، فلا غرابةَ في ذلكَ، فهي عايَشَتْ ظروفَ النّكبةِ، وترى وتُحِسُّ بآثارِها المُدمّرةِ، في جوٍّ كئيبٍ حزينٍ تَعجَزُ عن تَغييرِهِ، تمامًا مثلما عجِزتْ كلُّ الدّولِ العربيّةِ، وأمامَ هذا الواقعِ العَصيبِ، والأوضاعِ الاجتماعيّةِ المُكبِّلةِ ليَديْها، الآسرة لحركاتِها، وفي ظلِّ واقعٍ اقتصاديٍّ يَعصِفُ بها وبأبناءِ جلدتِها، نراها تقفُ عاجزةً عنِ التّغييرِ، فتلجأُ إلى التّعبيرِ عمّا في قلبِها، وما هوَ مُختَزَنٌ في أحاسيسِها، هربًا مِن واقعٍ مُرٍّ كئيبٍ مُحزِنٍ، فتلجَأُ للكلمةِ المُعبِّرةِ وإلى ما يَعشقُهُ قلبُها، تلجأُ لغزَلٍ رقيقٍ تُلهي به ذاتَها، وتعزفُ لحنًا عذبًا رخيمًا، تُخفِّفُ بهِ عمّا في داخلِها مِن ضُغوطاتٍ تكادُ تَعصِفُ بها عصْفًا، عساها أنْ تَجِدَ المُتلقّي الّذي يُحلِّلُ ويَفهَمُ نبضَ حُروفِها.

القصيدةُ مُكوّنةٌ مِن ثمانيةِ مَقاطعَ، ففي المَقطعِ الأوّلِ تقولُ: أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ/ يَنْسابُ/ نَسيمًا رَطِبًا في مَعابِرِ رُوحي/ تَجمَعُني قُزَحاتُهُ إضماماتٍ فوّاحَةً/ تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي/ نَبَراتُ حُروفِكَ تُلاغفُ جَوانِحي/ أَحَاسيسُكَ تُسوِّرُني/ كَيْفَ أهْرُبُ، وَمسافاتُ الوَلهِ تَزدادُ نَقشًا/ في مَسالِكِ قلبيِ؟

فالمَطلعُ: (أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ) وفيه تناصّ، وتعريفُهُ: يَرى ميخائيل باختن: "أنّ التّناص: تداخلُ السِّياقاتِ ووجودُ علاقةٍ بينَ نصٍّ قديمٍ وآخرَ جديدٍ.

وترى جوليا كرستيفا: "أنّ التّناصَ لوحةٌ فُسيفسائيّةٌ مِنَ الاقتباساتِ، وكلُّ نصٍّ هو تَشرُّبٌ وتحويلٌ لنصوصٍ أخرى"، وهذا المَطلعُ يُذكِّرُنا بقولِ الشّاعرِ محمود درويش:  (أحنُّ إلى خُبزِ أُمّي)، وهو تناصٌّ أدبيٌّ.

تبدأ قصيدتُها بجُملةٍ خبَريّةٍ للتّعبيرِ عنْ ذاتِها وعنْ مَكنوناتِ مَشاعرِها، والمُلفِتُ للنّظرِ في حُروفِ هذا المَقطعِ هو النّاحيةُ الجَماليّةُ، في الحُروفِ وانتقائِها، وفي التّعابيرِ ومُواءَمتَها لبَعضِها، فهذا المقطعُ يَكثرُ فيهِ حُروفُ: السّين والنّون والواو، وهذهِ الحروفُ لا تَدخلُ على كلمةٍ، إلّا وقدْ جمّلتْها وأكسَبتْها روْنقًا وجَمالًا، كما يَرى الخليلُ بنُ أحمد الفراهيدي، لنقفَ عندَ كلمةِ "أحِنُّ"، فالحَنينُ كما أوضحْنا، مُرتبطٌ بالصّوتِ غالبًا، كما بيّنَتْهُ مَعاجمُ الّلغةِ، والنّونُ مُشَدّدةٌ، تَنفُثُ بها الشّاعرةُ زفراتِها الحَرّى، يَأتي بَعدَها "صوتُ الحبيب"، أمّا الأصواتُ الصّائتةُ المُهيْمنةُ في هذا المَقطعِ، فتتمثّلُ بصوتِ الألفِ، ففيهِ إطالةٌ وراحةٌ للنّفسِ في التّعبيرِ، ويَحتاجُ لزمنٍ أطولَ، كي يتسنّى للحبيبِ سماعَ ندائِهِ لمَنْ أحَبَّتْهُ واختارَتْهُ.

لقدْ ثارَ رُوّادُ الشِّعرِ العربيِّ الحُرِّ على القاموسِ الشِّعريِّ، فلمْ يَعُدْ للشِّعرِ مُعجمٌ خاصٌّ، لأنَّ "القصيدةَ لغةٌ وليستْ كلماتٍ، وما دامتْ لغةً فهي علاقاتٌ، أو بعبارةٍ أدقَّ، نظامٌ خاصٌّ مِنَ العلاقاتِ، وبما أنّها كذلكَ، فهي لهجةٌ شخصيّةٌ غيرُ مستعارةٍ"، كما يقول حجازي.

لقدِ ارتبطَ الشِّعرُ بالّلغةِ لا بالكلماتِ، بالشّاعرِ الخلّاقِ والتّجربةِ والحياةِ. الشِّعرُ رؤيا، والرّؤيا تقومُ على رؤيةٍ خاصّةٍ للحياة، وعلاقةٍ خاصّةٍ بالأشياء، تتجلّى عبْرَ علاقاتٍ لغويّةٍ خاصّة. الّلغةُ ليسَتْ صناعةً لفظيّةً يَقومُ بها الذّهنُ بعيدًا عنِ الإحساسِ بالحياةِ والعالَمِ. إنّها "نظامٌ لا يتَحكّمُ فيهِ النّحوُ، بل الانفعالُ أو التّجربة. مِن هنا كانتْ لغةُ الشّعرِ لغةَ إيحاءاتٍ، على نقيضِ الّلغةِ العامّةِ، أو لغةِ العِلمِ الّتي هي لغةُ تحديداتٍ"(5).      وشاعرتُنا بذائقتِها الفنّيّةِ الخلّاقةِ أدركَتْ ذلكَ، وها هي تُسَخِّرُ هذهِ النّزعةَ التّجديديّةَ في شِعرِها، بطريقةٍ مُبتكَرةٍ.

ولْنتمَعّنْ في أفعالِ هذا المقطعِ برَوِيّةٍ، فسنرى أنّ الأفعالَ كلَّها أفعالٌ مُضارعةٌ، وتخلو تمامًا مِنْ فِعْلَي الأمر والماضي: أَحِنُّ، يَنْسابُ، تَجمَعُني، تَزدانُ، تُلاغفُ، تُسوِّرني، أهْرُبُ، تَزداد.

لقدِ اتّكأتِ الشّاعرةُ على الفِعل المضارع؛ لخلْقِ الحيويّةِ وبثِّ الرّوحِ والاستمراريّةِ. وانتقلتْ في السّطورِ الثّلاثةِ الأخيرةِ لأسلوبِ الإنشاءِ المُتمثّلِ في (كيف): كَيْفَ أهْرُبُ/ وَمسَافاتُ الوَلهِ تَزدادُ نَقشًا/ في مَسالِكِ قلبيِ ؟

والاستفهامُ خرَجَ عن مَعناهُ الأصليّ؛ ليُفيدَ التّعجُّبَ. وتتزاحمُ الصُّوَرُ الشِّعريّةُ المُبتكَرةُ في هذا المقطعِ: فالشّاعرةُ تَحِنُّ وتَشتاقُ لسماع صوتِ حبيبها، فهو كما النّسيمُ يتنسّمُهُ قلبُها بمَعابرِهِ، وصوتُ الحبيبِ يُزيّنُ مَنابرَ سمَعِها، تشْرَئِبُّ لها عواطفُ الشاعرةِ وتلعَقُها.

والتّحوُّلُ والانزياحُ يتزاحمُ أيضًا في هذا المقطعِ، وما فيهِ مِن تشبيهاتٍ وكناياتٍ واستعاراتٍ: فلِلقلبِ مَعابِرُ ومَسالِكُ، وللسّمعِ مَنابرُ كما للمَساجدِ، ونبراتُ الحروفِ تَلعقُ الجَوانحَ، كما لو أنّ للجَوانحِ لسانٌ يَلعقُ ويَأكلُ، والأحاسيسُ تُطوَّقُ، ولِلولَهِ وهو شدّةُ الحُبِّ، مسافاتٌ تُنقَشُ.

ولقدِ اختارتْ شاعرتُنا كلماتِها بعنايةٍ، فقالتْ: "الولَهُ" ولم تقُلْ: "الحُبُّ"، فـ "الولَهُ" أشدُّ مِنَ الحُبِّ، وأعمقُ تأثيرًا في القلبِ. ولقد وظّفَتِ الشّاعرةُ عناصرَ الصّوتِ والحركةِ، فمِنَ الألفاظِ والتّراكيبِ الدّالّةِ على عنصرِ الصّوتِ: حَفيفِ صَوْتِكَ، تجمَعُني، مَسامعي، نبراتُ حُروفِكَ.

ومِنَ العناصرِ المُعبِّرةِ عنْ عنصرِ الحركةِ: ينسابُ، فوّاحة، تُلاغف (تلعق)، تُسوِّرُ، أهربُ. كما وقدْ ذكَرَتِ الجزءَ (الحَرْفَ)، وأرادتْ بهِ الكُلّ (الكلمات)، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة.

وفي المقطع الثاني: أَشتاقُكَ/ أيُّها المَجنونُ/ إِلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك/ أَشتاقُك/ وما مِن أحَدٍ يَراكَ شَفِيفًا كَمايَ/ كم أُدمِنُها دِنانُ حُزنِكَ/ أنادِمُها بِكَلماتٍ فيها بَعْثي المنتَظَر

بدأتْ شاعرتُنا هذا المَقطعَ بأسلوبٍ خبَريٍّ، مُعلِنةً شوْقَها لحبيبِها للتّعبيرِ عن ذاتِها وخلجاتِ نفسِها؛ لتنتقلَ في السّطرِ الثّاني مباشرة للأسلوبِ الإنشائيِّ المُتمثّلِ في النّداءِ، ويُفيدُ التّحبُّبَ والتّقرُّبَ للحبيبِ، وتُكرِّرُ كلمةَ (أشتاقُكَ) تأكيدًا لشوقِها، ولخَلْقِ إيقاعٍ موسيقيٍّ، ونُلاحظُ في هذا المقطعِ كلمَتَيْ (أشتاقُكَ) و(كمايَ)، فالأولى: "أشتاقُ إليكَ"، والثانيةُ: "كما إيّايَ".

لقدْ ثارَ رُوّادُ الشِّعرِ العربيِّ الحُرِّ على القاموسِ الشِّعريِّ، فلمْ يَعُدْ للشِّعرِ مُعجمٌ خاصٌّ، لأنَّ "القصيدةَ لغةٌ وليستْ كلماتٍ، وما دامتْ لغةً، فهيَ علاقاتٌ، أو بعبارةٍ أدقَّ، نظامٌ خاصٌّ مِنَ العلاقاتِ، وبما أنّها كذلك، فهي لهجةٌ شخصيّةٌ غيرُ مستعارةٍ، كما يقولُ حجازي. لقدِ ارتبطَ الشِّعرُ بالّلغةِ لا بالكلماتِ، بالشّاعرِ الخلّاقِ والتّجربةِ والحياةِ. الشِّعرُ رؤيا، والرّؤيا تقومُ على رؤيةٍ خاصّةٍ للحياة، وعلاقةٍ خاصّةٍ بالأشياء، تتجلّى عبْرَ علاقاتٍ لغويّةٍ خاصّة. الّلغةُ ليسَتْ صناعةً لفظيّةً يَقومُ بها الذّهنُ بعيدًا عنِ الإحساسِ بالحياةِ والعالَمِ. إنّها "نظامٌ لا يتَحكّمُ فيهِ النّحوُ، بل الانفعالُ أو التّجربة. مِن هنا كانتْ لغةُ الشّعرِ لغةَ إيحاءاتٍ، على نقيضِ الّلغةِ العامّةِ، أو لغةِ العِلمِ الّتي هي لغةُ تحديداتٍ"(6)     

وفي المَقطعِ مجموعةٌ مِنَ انزياحاتٍ وكِناياتٍ واستعاراتٍ وحذْفٍ: فلقدْ شبّهَتِ الحزنَ بالخمْرِ لهُ دِنانٌ، كما شبّهَتْ دِنانَ الحزنِ بالنّديمِ، ولْنَقِفْ عندَ اختيارِ الشّاعرةِ لكلمةِ (نديم): و(النَّدِيمُ): المُصاحِبُ على الشَّراب المُسامِرُ، فلم تقُلْ: الصّاحبُ أو الرّفيقُ، وقدْ أحسَنَتْ صنْعًا، فجاءتْ بلفظةِ (أُنادِمُها)، لتُوائِمَ الجُملةَ السّابقةَ عليها، وهي (دنانُ حزْنِكَ)، والجُملةُ هذهِ تُوائِمُ الإدمانَ، فمُعاقِرُ الخمْرِ يُدمِنُ عليه.

لِمَ يَتَأوَّهُ حَبِيبي/ والنَّارُ تَتَآكَلُ في دِمائِهِ ولا تَأكُلُهُ؟/ أما كانَ الأَوْلى بِنيرانِهَ أن تَتَأوّهَ؟: وفي المَقطعِ الثّالثِ تتحوّلُ الشّاعرةُ للأسلوبِ الإنشائيّ، وهو الاستفهامُ الّذي يُفيدُ تَعَجُّبَ شاعرَتِنا، مِن عدَمِ تأوُّهِ الحبيبِ لشِدّةِ وجْدِهِ بمحبوبَتِهِ، وتَرى أنَّ الأوْلى بنيرانِ الحُبِّ والشّوقِ أنْ تتأوّهَ، ففي السّطرِ الثّاني كنايةٌ عن شِدّةِ وجْدِ الحبيبِ بالمحبوبةِ الشّاعرةِ، وصَبْرِهِ على عذاباتِ الشّوْقِ والحُبِّ والحنين، فالنّارُ تتآكلُ وتتأوّهُ، وهذا تشخيصٌ وتجسيمٌ.

اِفتَحْ لي قلبَكَ الذَّهبيَّ/ واسْكُبْ أَحشاءَهُ عَلى راحَتيَّ../ بالأمْسِ؛/ سَمِعْتُ وُعُولَك تُناغِي ظِباءَ حُزنِك/ آهٍ يا رَحمَ رُوحٍ/ تَتَفَتَّقُ وِلادةَ وَجدٍ في رُوحِي: أَنُولَدُ فِينَا؟: وفي هذا المَقطعِ الرّابعِ تبدؤُهُ بأسلوبٍ خبَريٍّ، دلالةً على البوْحِ بشدّةِ حُبِّها وتَعلُّقِها بالمحبوبِ، بإعجابِها بهِ، وتختِتُمُهُ بأسلوبٍ إنشائيٍّ، وهوَ الاستفهامُ الّذي يُفيدُ التّمني. فقلبُ الحبيبِ مِنْ ذهبٍ: كنايةً عن طِيبِ مَعدنِهِ، وللحبيبِ وُعولٌ تُناغي وتُلاطِفُ، كما للأحزانِ ظِباءٌ، وللرّوحِ رحمٌ، وللحُبِّ والوَجدِ ولادةٌ، وللقلبِ أحشاءٌ، وكلُّها استعاراتٌ، وفيها الاختراقُ والانزياحُ، وتقولُ (راحتي): والرّاحةُ باطنُ اليَدِ، مجازٌ مرسل علاقته الجزئيّة.

الشّاعرةُ تنتقي كلماتِها بعنايةٍ، فتختارُ كلماتِها وألفاظَها مِنْ مُعجمٍ شِعريٍّ يُوحي بالرقّةِ، فكلمةُ (تناغي) في الّلغةِ تُغازِلُ وتُلاطِفُ، والمرأةُ تُنَاغِي الصّبيّ، أي تُكلِّمُهُ بما يُعجبُهُ ويُسِرُّهُ، ومِنَ العِباراتِ والألفاظِ الدّالّةِ على الرّقّةِ: قلبُكَ الذّهبيّ، الوُعول، الظباء، تُناغي، والرّوح. 

وتقول في المقطع الخامس: آثارُ قلبِكَ دَعني أرَمِّمْها ../ أُجَدِّد مَاءَ حَدائِقَها ../ أَجعلها وُرودًا/ نَتراقصُ بَينَها شَغفًا/ وتَسبَحُ قَنادِيلي في جَداولِهِا الشّهيَّة: وتَكثُرُ في هذا المَقطعِ الانزياحاتُ، فالقلبُ الّذي أضناهُ الوَجْدُ والعِشقُ، كما البناءُ الّذي يَحتاجُ إلى ترميمٍ، وحدائقُهُ تحتاجُ لمياهٍ جديدةٍ وورودٍ تَرقصُ، كنايةً عن الجَمالِ والبهجةِ والسّرورِ، وللشّاعرةِ قناديلُ مُتوهِّجةٌ مضيئةٌ، وللعِشقِ جداولُ شهيّةُ الطّعم كما الغذاء، والفعلُ (نتراقصُ) يُفيدُ المشاركةَ في الرّقصِ بينَ الشّاعرةِ ومَنْ أحبَّتْ. وتَزخَرُ عناصرُ الحَركةِ، والّلوْن، والمَذاقِ، فالوردُ أحمرُ، والجدْولُ أزرقُ، والورودُ تتحرّكُ وتتراقصُ كماءِ الجداولِ المُنسابةِ، والجداولُ شهيّةُ المَذاقِ.

وفي المَقطعِ السّادسِ: هُو قلبُكَ لي؛/ بِمَائِهِ وطَمْيِهِ../ بِضِفَافِهِ وأَشجَارِهِ../ بِعَصافيرِهِ ونَحْلِهِ../ أُريدُهُ بِعالَمِهِ/ فَكُلُّكَ/ وَكُلُّ كُلِّكَ يَشوقُني/ ولا أُريدُ الشَّوقَ يُؤطِّرُني: يبدأ بضميرِ الشّأنِ (هو)، دلالةً على تقديرِ الشّاعرةِ لحبيبِها ولحُبِّها، وذكَرَتِ (القلب) مجاز مرسل علاقته المكانيّة، فهو مكانُ الحُبِّ والوَجْدِ، وقالت: (لي)، دلالةً على  حِرصِ الشّاعرةِ أنْ يكونَ حبيبَها لها فقط دونما سواها، وتُؤكِّدُ الشّاعرةُ على ذلك، بتِكرارِها للفظةِ (كُلّ) بقولِها: فَكُلُّكَ/ وَكُلُّ كُلِّكَ يَشوقُني.

وتلجأُ الشّاعرةُ لتوظيفِ عناصرِ الطّبيعةِ: الماء، الطّمي، الضّفاف، الأشجار، العصافير، النّحل. و(تُعتبرُ ظاهرةُ الهُروبِ إلى أحضانِ الحُبِّ الدّافئِ، وإفراغِ الشّعراءِ عواطفَهُمُ المُلتهبةَ فيها، مِنَ الظّواهرِ الرّئيسيّةِ، إلى جانبِ الطّبيعةِ في الشّعرِ الرّومانسيِّ بوجهٍ عامّ.

إنّ الطّبيعةَ والحُبَّ ليسا بجَديدَيْنِ على الشِّعرِ العربيّ، لكنَّ الجَديدَ فيهما، أنّهما يَمتزجانِ بوجدانِ الشّاعرِ امتزاجًا يكادُ يَتّحِدُ فيهِ الوجودُ الخارجيُّ بالوجودِ الدّاخليِّ، فتحتملُ التّجربةُ دلالاتٍ أرحبَ مِنَ الدّلالاتِ المَألوفةِ في التّجربةِ العاطفيّةِ التّقليديّةِ، ويُصبحُ للشِّعرِ مُستويانِ: أحدُهُما مُرتبِطٌ بحدودِ التّجربةِ في الواقعِ الخارجيِّ، والآخَرُ ناطِقٌ بأشواقِ الإنسانِ العامّةِ، وإحساسِهِ بالكوْنِ والحياةِ والمُجتمعِ". (7)

وتقولُ في المَقطعِ السّابعِ: هُوَ صدرُكَ بَيْدَري/ أدْرُسُ عَليْهِ سَنابلَ حَنيني/ لن أَخشَى اجْتياحَ فَيَضانِكَ/ سَتُسْكِنُك قُبْلَةٌ تُخَثِّرُ أَمواجَكَ/ لَنْ أخشَى خَطَرَ السِّباحَةِ فيكَ/ وانْجِرافي بِشَلاّلاتِكَ النَّاريَّة: ويبدأُ هذا المَقطعُ بضميرِ الشّأنِ (هو)؛ أي الحبيب، لأهمّيّتِهِ وتقديرِهِ في نفسِ الشّاعرةِ، ونرى أنَّ الشّأنَ مِن حيثُ الّلغةِ، هو الحالُ والأمرُ والخطْبُ الّذي لا يُقالُ، إلّا فيما يَعْظُمُ مِنَ الأحوالِ والأمورِ، فهيَ تُريدُ التّوحُّدَ معَ مَنْ تُحِبُّ.

ونلاحِظُ مُواءمةَ الشّاعرةِ بينَ الألفاظِ وحُسْنِ انتقائِها لها، كما في مثل: بَيْدَر، أدْرُسُ، سَنابل، وسنابل، فهي كلُّها ألفاظٌ دالّةٌ على المحصولِ والخيرِ.

ومنها أيضًا: فيضان، أمواج، السّباحة، انجراف، شلّالات، فهذهِ الألفاظُ تُناسبُ بعضُها بعضًا. وتختارُ في هذا المَقطعِ أفعالَ المُضارعة الدّالّةَ على استمراريّةِ الحُبِّ والحَركةِ والنّشاطِ: أَدْرُسُ، لنْ أخشى، ستُسكِنُكَ.

والمُلفِتُ للنّظرِ تِكرارُ لفظةِ (لن أخشى)، و(لن) حوّلَتْ زمنَ الفِعلِ المُضارعِ للمُستقبلِ، فهي حرفُ نصبٍ، وقلْبُ زمَنِ الفِعلِ المُضارعِ للمُستقبَلِ. كما في قولِها (ستُسكِنُكَ)، فالسّينُ دخلَتْ على الفِعلِ المُضارعِ؛ ليُفيدَ الاستقبالَ، وهذا كلُّهُ اختراقٌ في الّلغةِ والتّحويلِ، يُفيدُ العِباراتِ جَمالًا على جَمالٍ.

وفي المَقطعِ الثّامنِ: أأسْكُبُني رَعشاتٍ تَصهُركَ../ تُغلِّفكَ بي؟!/ أتكونَ دفينَ انصِهَاري/ حَبيسَ أنْوِيَتي؟!/ أتَقْبَلُ بِكيْنونَةٍ جَديدةٍ/ لا تُحَرِّرُها إلاّ بَراكيني؟!/ يَا .. مَنْ .. أَشْتاقُكَ/ دَعْني أرْوي بِأمْطارِ عَيني/ بَراريَ عَطشِكَ/ أُلَمْلِمني لكَ ظِلالًا/ وأشتاقُكَ أبدًا: وفي هذا المَقطعِ، نرى أنّ الشّاعرةَ قدِ انتقلتْ فيهِ إلى الأسلوبِ الإنشائيّ، وهو حافلٌ بهِ، بدَأتْهُ بالاستفهام: (أأسْكُبُني رَعشاتٍ تَصهُركَ.. تُغلِّفكَ بي؟!)- (أتكونَ دفينَ انصِهَاري.. حَبيسَ أنْوِيَتي؟!)_ (أتَقْبَلُ بِكيْنونَةٍ جَديدةٍ.. لا تُحَرِّرُها إلاّ بَراكيني؟!)

والاستفهامُ في كلٍّ يُفيدُ الالتماسَ.

والنّداءُ في نحو:  (يَا.. مَنْ .. أَشْتاقُكَ): ويُفيد التّحبُّبَ والتّقرُّبَ مِنَ الحبيب. 

والأمرُ كما في: (دَعْني أرْوي بِأمْطارِ عَيني/ بَراريَ عَطشِكَ).

ولقدْ خرَجَ الأمرُ عن معناهُ الحقيقيِّ؛ ليُفيدَ الالتماسَ.

ولقدْ تكَرَّرَتْ كلمةُ (أشتاقُكَ) في القصيدةِ أربعَ مرّاتٍ، وفي هذا المَقطعِ مرّتيْنِ:

"إنّ هذا التّكرارَ لِلكلمةِ نفسِها المُتّفقةِ في شكلِها وعددِ حُروفِها يكونُ توافُقًا صوتيًّا، وهذا التّوافُقُ الصّوتيُّ مِن شأنِهِ أنْ يُحدِثَ موسيقى داخليّةً، بالإضافةِ إلى موسيقى البيتِ، وإنَّ نغمةَ هذهِ الكلماتِ المُتكرِّرةِ، تُبرِزُ إيقاعَ النّفسِ المُنفعِلةِ والمُندهِشةِ. الكلماتُ المُكرَّرةُ ربّما لا تكونُ عاملًا مُساهِمًا في إضفاءِ جوِّ الرّتابةِ على العملِ الأدبيّ، ولا يمكنُ أن تكونَ دليلًا على ضعفِ الشّاعريّةِ عندَ الشّاعرِ، بل إنّها أداةٌ مِنَ الأدواتِ الّتي يَستخدمُها الشّاعرُ، لتُعينَ في إضاءةِ التّجربةِ وإثرائِها، وتقديمِها للقارئِ الّذي يُحاولُ الشّاعرُ بكلِّ الوسائلِ، أنْ يُحرِّكَ فيهِ هاجسَ التّفاعُلِ معَ تجربتِهِ".(8)

إنّ تِكرارَ كلمةِ (أشتاقُكَ)، يُمكنُ أن يكونَ عنوانًا للمُتلقّي، على الكشْفِ عن البُنيةِ الدّاخليّةِ لعالَمِ النّصّ، وبالإضافةِ إلى ذلك، فإنّها شكّلتْ إيقاعًا موسيقيًّا قادرًا على نقلِ التّجربةِ، وهكذا يقومُ التّكرارُ الصّوتيُّ والتّوتُّرُ الإيقاعيّ، بمُهمّةِ الكشْفِ عن القوّةِ الخَفِيّةِ في الكلمة.(9) 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

  1. ديوانُ "بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ" ، آمـال عوّاد – رضوان 12- 16 ط أولى 2005
  2. اُنظر لسان العرب ابن منظور، ص 636 ، دار الحديث، القاهرة، 2002
  3. المعجم الوسيط، إبراهيم أنيس ورفاقه، ص225، ط2، القاهرة
  4. مختار الصحاح، الرازي159، دار الفكر العربيّ، بيروت 1973
  5. مفهوم الشعر عند روّاد الشعر العربيّ الحُرّ، د. فالح علاق ص220، منشورات اتّحاد الكُتّاب العرَب، دمشق 2005
  6. مفهومُ الشّعر عند روّاد الشّعر العربيّ الحُرّ، د. فالح علاق ص220، منشورات اتّحاد الكُتّاب العرَب، دمشق 2005
  7. د. عبد القادر القط- الاتّجاه الوجدانيّ في الشّعر العربيّ المُعاصر ص14 .
  8. اُنظر: قراءة أسلوبيّة في الشّعر الجاهليّ، د. موسى ربابعة، ص 24- 26 دار جرير، عمان، 2010   
  9. وانظر: الأفكار والأسلوب: دراسة في الفنّ الرّوائيّ ولغته ترجمة د. حياة شرارة 50 ، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، آفاق عربيّة، بغداد، د.ت.

 

 

 

 

 

التحليلُ الأدبيُّ لقصيدةِ "أيائِلُ مُشبَعةٌ برائحَةِ الهَلَعِ"

لا تَبْحَثْ عَنْ زَماني العَتيقِ
في رُكامِ أَعْوامي المَنْسِيَّة
فَأَحلامي باتَتْ تَتأَرحجُ
مِثلَ بَندولِ سَاعةٍ/ مَا بَيْنَ المَوْتِ وَالحَياة
آهٍ .. قَلْبي تَصَدَّأ/  مُثْقَلًا بِحَكايا تَتَصدَّع         
قَلبي ؛ غَصَّهُ الحُزْنُ/ هَدَّهُ امتِهانُ الرُّوح                                                                        
لا تَبْحَثْ عَن ِالنِّسْيانِ/ في خَريِطَةِ أَوْجاعي
بَيْنَ إِحْداثِيّاتِ ضَعْفي/ أَو بَيْنَ فَواصِلِ شِعْري
لا تَنْبشْ أَدراجَ ذاكِرَتي
لا تَحتَ خُطوطِ أَحْزاني/ وَلا فوْقَ مِساحاتِ أَفْراحي
عَبثًا .. أَحْلامي رَحَلَتْ
عَلى أَجْنِحَةِ النُّورِ والظَّلام
هَرَبَتْ/ مِنْ مَداراتِ الرُّعْبِ الدَّامي
وَخرَجَتْ/ مِن ْجاذِبِيةِ كَوْكَبِ اللِّئام
ذاكِرَتي غَدَتْ مَزْكومَةً
دواةُ اللَّيلِ انسَكَبَتْ/ فَوْقَ خَرائِطي
مَحَتْ كُلَّ مَعالِمي
نَثَرَتْ عَلى جَسَدي/ بُثورَ غُرْبَةٍ وضَبابًا
مِن آهاتٍ وَأكْفَان
طَعَناتُ مَكائِد/ تَتَوالى ../ تَتَهاوى ..
من يَدٍ مَسْعورَةٍ تَغْرِزُها
حتَّى في أَنويةِ الزُّهور

هِيَ المُفارَقاتُ تَنَثُرني بِلُؤْمٍ
في حَدائقِ الظَّلامِ بِوَخَزاتٍ مُؤْلِمَةٍ
تَمْتَصُّ وَميضي/ بِاحْتِضانٍ مُسْتَحيلٍ
تَفرشُ مَخالِبَ وَصفِها
فَوْقَ/ أَنفاسِ الحَياةِ
وَتَحْتَ/ سَراحِ المَمَات
تَتَصاعَدُ التَّنَهُّداتُ مُشبَعةً لَهبًا

حتَّى النُّخَاع
آهٍ يَا .../ مَلامِحي الوَرْدِيَّةِ جَفَّتْ
لُسِعْتُ بِسوطِ الخَرير

وَوَشَمُوني بِمَاءِ الفَوضَى
حَتَّى مَفاتيح الأَلَمِ سُرِقتْ مِنِّي
تَركُوني أَتَأَرْجَحُ/ بَين الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيان
آهٍ .../ لَكَمْ أَخْشى رُؤيةَ أَيائِلي
تَتَناسَلُ / مُهَرْوِلَةً .. مُشبَعةً
بِرائِحَةِ الهَلَعِ وَالارتِجَاف
تَتَراكَضُ/ جافِلَةً .. خائِفَةً
ما بَيْنَ أَدْغالِ المَوْتِ وَشِراكِ الاحتِرَاق
عُيونُ الشَّرِّ/ تَتَربَّصُهم
في كُلِّ اتِّجَاهٍ وَآن
تَسْتَنْفِرُ حَواسَّ الذُّعرِ

تَسْتَثيرُهم ../ تَسْتَفِزُّ مَوْتَهم إلى المَوْتِ
(ديوان بسمة لوزية تتوهج ص 50-56)

ثانيًا: التّحليلُ الأدبيُّ- جوُّ النّصّ: هذهِ القصيدةُ تتحدّثُ عن الإنسانِ الفلسطينيّ الّذي عاشَ النّكبةَ، وُلِدَ أطفالُهُ، ولا زالوا يَضرسونَ الوَجعَ والنّكبةَ والهُويّةَ التّائهةَ، والعُمرَ المَهزوزَ المَهدورَ بطلقةٍ طائشةٍ، أو مُوجَّهةٍ في ظلِّ الاحتلالِ، وفيها نرى صورةَ الإنسانِ العربيِّ في الشّرقِ، وما يُكابدُهُ مِن حروبٍ تتوالى، تُجرِّدُهُ حقَّهُ في الحياةِ والأمنِ والأمانِ. فالواقعُ الصّعبُ الّذي تَعيشُهُ الكاتبةُ، وما فيهِ مِن ظُلمٍ اجتماعيٍّ، وتَسلُّطٍ سياسيٍّ، يَضغطُ عليها بأحاسيسِها المُرهفةِ، وبمنظارِ شعورِها الرّقيقِ، فتتولّدُ الأفكارُ، وتغتلي العواطفُ، فتَهيجُ عاطفةُ الشّاعرةِ، وتُصوِّرُ لنا مُعاناتَها في ظِلِّ الوقْعِ المُرِّ، ولِتُخفّفَ عن النّفسِ عذاباتِها، تَنطلقُ بهذهِ السّطورِ الشِّعريّةِ.   

الأفكارُ الرئيسة: 1. أحلامُ الشّاعرةِ  تتأرجَحُ ما بينَ موْتٍ وحياةٍ.

  1. واقعُ الخوْفِ، والرُّعبِ، وامتهانُ الكرامةِ، والحزنِ، والتّهميش.
  2. مُواجهةُ الشّاعرةِ للمُنغِّصاتِ والعقباتِ الكأداءِ الّتي يُحدِثُها الاحتلالُ، فكلُّ مُصيبةٍ تُذكِّرُها بمصيبةٍ أخرى، وهي عاجزةٌ عن وقفِ سيْلِها، وتُفضفِضُ عن أوجاعِها شِعرًا.
  3. تَنهى الشّاعرةُ صديقَها، بتذكيرهِ بأحزانِها وأحلامِها الّتي أخذتْها الرّياحُ، وعصَفَتْ بها بَلاقعَ، وترَكَتْها خواءً، مِن خلالِ أجواءِ الحربِ والقتلِ والتّهميشِ وسلْبِ الحقوقِ.
  4. المصائبُ وما تَراهُ وما تُحسُّ بهِ مِن مُحتلٍّ، أفقدَتْ ذاكرةَ الشّاعرةِ، فاجتاحَتْها الغربةُ في وطنِها، ولا يُسمَعُ منها إلّا الأنينِ والزّفراتِ الحَرّى.
  5. يدُ المُحتَلِّ المَسعورةِ لا تُراعي حتّى براءة الأطفال.
  6. الشّاعرةُ تُحِبُّ وتَعشقُ كلَّ جميلٍ، لكن ما يُحيطُ بها مِن ظلامٍ دامسٍ، أفقدَها حلاوةَ العيْشِ والإحساسِ بالجَمالِ.
  7. تُسيطرُ على الشّاعرةِ الزّفراتُ والتّنهُّداتُ والتّوجُّعاتُ، فتُصبحُ حياتُها فوضًى واضطرابًا.
  8. شعورُ الشّاعرةِ بالخوْفِ مِنَ المُستقبِل، والنّاشئةِ في جوٍّ مليءٍ بالحقدِ والخوْفِ والشِّراكِ المُنتصِبةِ في الأدغالِ، وعُيونُ الشّرِّ تَكمُنُ في كلِّ مكانٍ.

العاطفة : 

  1. عاطفةُ التّحسُّرِ والأسى والحُزنِ والخوْفِ والهَلعِ مِن واقعٍ مَقيتٍ.
  2. التّفجُّعُ والتّوجُّعُ مِن مُمارساتِ الاحتلالِ.
  3. عاطفةُ الشُّعورِ بالغربةِ في الوطنِ.
  4. عاطفةُ الذّهولِ مِن واقعٍ لا يَرحَمُ يُفقِدُ الذّاكرةَ.
  5. الفقدُ وضياعُ الأمَلِ والأحلامِ.

 وتستمدُّ الشّاعرةُ أفكارَها ومعانيها مِن تجربةٍ صادقةٍ، وعاطفةٍ قويّةٍ، فلا ريْبَ في ذلك، فهي مُرهفةُ الأحاسيسِ، تُحِبُّ النُّبلَ، ويَعشقُ قلبُها الرّقّةَ والدّماثةَ، لكنّها تَعيشُ في وضعٍ مأساويٍّ يَسلبُ الرّقّةَ والأحلامَ، يُخيفُ حتّى الأطفالَ، ويَمحو الذّاكرةَ، ويَقتلُ كلَّ جميلٍ في الرّوحِ.

هيَ تَهرُبُ بقلبِها عن واقعٍ وحياةٍ، سلبَتْها الحقوقَ وأثقلَتْ عليها بالواجباتِ، وتَرى بأمِّ عيْنِها التّفرقةَ والتّمييزَ والتّهميشَ والتّقزيمَ والعبثَ بإنسانيّةِ الإنسانِ، وتَعجزُ عن التّغييرِ، فها هي تُعايشُ الأحداثَ بنفسِها، فانعكسَتْ تلكَ على أحاسيسِها ووجدانِها، وقد غلبتْ على المقطوعةِ نزعةُ الرّفضِ للواقعِ المُرِّ والمُزْري، فارتفعَ صوتُها رافضًا هذا النّسيجَ المَبنيَّ على عدمِ تقديرِ الإنسانِ لإنسانيّتِهِ.

تهرُبُ أمامَ العجْزِ وعدَمِ التّمكُّنِ مِنَ التّغييرِ إلى خيرِ جليسٍ، تَسطُرُ بقلمِها ما يَحلو لها شِعرًا تُفضفِضُ بهِ، وتُخفّفُ عن ضغوطاتٍ ألمّتْ وتُلِمُّ بعواطفِها وذاتِها وحُبِّها وآمالِها وأمانيها، لكن باعتدالٍ وبعباراتٍ موحِيةٍ، والإيحاءُ أبلغُ في تصويرِ الأحاسيسِ، وما هو مُختزَنٌ في اللّاشعور.

الخصائصُ الأسلوبيّةُ: أوّلًا: التّصويرُ الفنّيُّ- 1. الاستعاراتُ والصُّورُ الفنّيّةُ: الصّورُ الشّعريّة: لا تَبْحَثْ عَنْ زَماني العَتيقِ/ في رُكامِ أَعْوامي المَنْسِيَّة/ فَأَحلامي باتَتْ تَتأَرحجُ/ مِثلَ بَندولِ سَاعةٍ/ مَا بَيْنَ المَوْتِ/ وَالحَياة: صورةُ الماضي للشّاعرةِ، مُحمّلةٌ سنُوها بأثقالٍ ونسيانٍ وتهميشٍ، وأحلامُها  تتأرجَحُ ما بينَ موْتٍ وحياة، كما بندول السّاعة يتأرجَحُ مرّةً يُمنةً وأخرى يُسرةً.

آهٍ .. قَلْبي/ تَصَدَّأ مُثْقَلاً/ بِحَكايا تَتَصدَّع: صورةُ قلبِ الشّاعرةِ تصدّأ مِنَ التّهميشِ، كما الحديدِ يُترَكُ فيَعلوهُ الصدأ، وتصدّعَ بفِعلِ القِصصِ المُرعِبةِ الّتي يُخلّفُها الحزنُ، وامتهانِ كرامةِ الإنسانِ مِن مُحتَلٍّ.

قَلبي؛/ غَصَّهُ الحُزْنُ/ هَدَّهُ امتِهانُ الرُّوح/ لا تَبْحَثْ عَن ِالنِّسْيانِ/ في خَريِطَةِ أَوْجاعي/ بَيْنَ إِحْداثِيّاتِ ضَعْفي/ أَو بَيْنَ فَواصِلِ شِعْري: صورةُ الشّاعرةِ تُحاولُ أن تفقدَ خاصّيّةَ النّسيانِ، بفِعلِ المُنغّصاتِ والعَقباتِ الكأداء، فكلُّ مصيبةٍ تُذكِّرُها بمصيبةٍ أخرى، وهي عاجزةٌ عن وقْفِ سيْلِها، فالخصمُ قويٌّ لا يأبَهُ، وتُفضفِضُ عن أوجاعِها شِعرًا.

لا تَنْبشْ أَدراجَ ذاكِرَتي/ لا تَحتَ خُطوطِ أَحْزاني/ وَلا فوْقَ مِساحاتِ أَفْراحي/ عَبثًا ../ أَحْلامي رَحَلَتْ/ عَلى أَجْنِحَةِ النُّورِ والظَّلام/ هَرَبَتْ/ مِنْ مَداراتِ الرُّعْبِ الدَّامي/

وَخرَجَتْ/ مِن ْجاذِبِيةِ كَوْكَبِ اللِّئام: صورةُ الشاعرةِ تَنهى صديقَها عن تذكيرِها بأحزانِها وأحلامِها الّتي أخذَتْها الرّياحُ الهوجُ، وعصَفَتْ بها مِن خلالِ أجواءِ الحربِ، والقتلِ، والتّهميش، وسلْبِ الحقوقِ، وتؤكّدُ على ذلك، بأفعالٍ ترادفيّةٍ ثلاثة مُتتالية، فيها مَعنى الفقْدِ والضّياع: (رحلَتْ، هربَتْ، خرَجَتْ).

ذاكِرَتي غَدَتْ مَزْكومَةً/ دواةُ اللَّيلِ انسَكَبَتْ/ فَوْقَ/ خَرائِطي/ مَحَتْ كُلَّ مَعالِمي/ نَثَرَتْ/ عَلى/ جَسَدي/ بُثورَ غُرْبَةٍ وضَبابًا/ مِن آهاتٍ وَأكْفَان/ طَعَناتُ مَكائِد/ تَتَوالى../ تَتَهاوى ../ من يَدٍ مَسْعورَةٍ تَغْرِزُها/ حتَّى في أَنويةِ الزُّهور:

شبّهَتِ الشّاعرةُ حالَها وقد أُفقِدَتْ ذاكرتُها، فما تراهُ وما تُحِسُّ بهِ مِن همومٍ ومآسٍ- كما الإنسان يُصيبُهُ الزّكامُ، فتنسَدُّ مجاري تنفُّسِهِ– بصورةِ  صفحاتٍ مكتوبةٍ، محاها وغيّرَ معالمَ حروفِها حبرُ المحبرة الّذي انسكَبَ عليها، وانعكسَ ذلكَ سلبًا على الشّاعرة وروحِها، الّتي اجتاحتْها الغربةُ في وطنِها، ولا يُسمَعُ منها إلّا الأنينُ والزّفراتُ الحَرّى.

هِيَ المُفارَقاتُ تَنَثُرني بِلُؤْمٍ/ في حَدائقِ الظَّلامِ بِوَخَزاتٍ مُؤْلِمَةٍ/ تَمْتَصُّ وَميضي/ بِاحْتِضانٍ مُسْتَحيلٍ/ تَفرشُ مَخالِبَ وَصفِها/ فَوْقَ/ أَنفاسِ الحَياةِ/ وَتَحْتَ/ سَراحِ المَمَات: صورةُ الشّاعرةِ وقد توالَتْ عليها أيادٍ مسعورةٌ لا تُراعي حتّى براءة الأطفال.

تَتَصاعَدُ التَّنَهُّداتُ مُشبَعةً لَهبًا/ حتَّى النُّخَاع: صورةُ التّنهّداتِ والتّوجُّعاتِ تسري في مفاصلِ روحِ الشّاعرة، وتلسَعُ جسمَها الغضَّ، وتمحو كلَّ ما هو جميلٌ، وتخلقُ الفوضى والاضطرابَ.

آهٍ يَا.../ مَلامِحي الوَرْدِيَّةِ جَفَّتْ/ لُسِعْتُ بِسوطِ الخَرير/ وَوَشَمُوني بِمَاءِ الفَوضَى: صورةُ الشّاعرةِ تُحِبُّ وتَعشقُ كلَّ جميلٍ، لكن ما يُحيطُ بها مِن ظلامٍ دامسٍ،  يوخِزُها بوخزاتٍ مؤلِمةٍ، أفقدَها حلاوةَ العيْشِ والإحساسِ بالجَمالِ.       

حَتَّى مَفاتيح الأَلَمِ سُرِقتْ مِنِّي/ تَركُوني أَتَأَرْجَحُ/ بَين الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيان/ آهٍ../ لَكَمْ أَخْشى رُؤيةَ أَيائِلي/ تَتَناسَلُ/ مُهَرْوِلَةً.. مُشبَعةً/ بِرائِحَةِ الهَلَعِ وَالارتِجَاف/ تَتَراكَضُ/ جافِلَةً/.. خائِفَةً/ ما بَيْنَ أَدْغالِ المَوْتِ وَشِراكِ الاحتِرَاق/ عُيونُ الشَّرِّ/ تَتَربَّصُهم/ في كُلِّ اتِّجَاهٍ وَآن/ تَسْتَنْفِرُ حَواسَّ الذُّعرِ/ تَسْتَثيرُهم../ تَسْتَفِزُّ مَوْتَهم إلى المَوْتِ!: صورةُ الشّاعرةِ تخافُ مِنَ المُستقبلِ، وهي النّاشئةُ بصورةِ الغزلانِ، تتكاثرُ في جوٍّ مليءٍ بالحقدِ والخوفِ والشِّراكِ المُنتصِبةِ في الأدغالِ، وعيونُ الشّرِّ تكمُنُ في كلّ مكانٍ.

التّشبيهاتُ: أ. التّشبيهُ التّمثيليُّ: (فَأَحلامي باتَتْ تَتأَرحجُ/ مِثلَ بَندولِ سَاعةٍ/ مَا بَيْنَ المَوْتِ/ وَالحَياة): شبّهَتِ الشّاعرةُ تأرْجُحَ أحلامِها ما بينَ الموْتِ والحياة، بتأرْجُحِ بندولِ السّاعةِ مرّةً يُمنةً ومرّة يُسرةً، تشبيهٌ تمثيليٌّ.

أ. ومِنَ الاستعاراتِ المَكْنِيّةِ ما يلي: (لا تَنْبشْ أَدراجَ ذاكِرَتي/ لا تَحتَ خُطوطِ أَحْزاني/ وَلا فوْقَ مِساحاتِ أَفْراحي): شبّهَتِ الشّاعرةُ الذّاكرةَ بشيءٍ لهُ أدراجٌ، والأحزانُ بشيءٍ لهُ خطوطٌ، والأفراحُ بشيءٍ لهُ مساحاتٌ؛ استعارةٌ مكْنِيّةٌ في كلٍّ.

(أَحْلامي رَحَلَتْ/ عَلى أَجْنِحَةِ النُّورِ والظَّلام/ هَرَبَتْ): شبّهَتِ الشّاعرةُ كُلًّا مِنَ النّور والظّلامِ بطيورٍ تطيرُ ولَها أجنحةٌ.

(مِنْ مَداراتِ الرُّعْبِ الدَّامي): شبّهَتِ الشّاعرةُ الرّعبَ الدّاميَ بكواكبَ لها مداراتٌ.

(ذاكِرَتي غَدَتْ مَزْكومَةً): شبّهَتِ الشّاعرةُ الذّاكرةَ بإنسانٍ أصابَهُ مرضُ الزّكامِ.

(هِيَ المُفارَقاتُ تَنَثُرني بِلُؤْمٍ(: شبّهَتِ الشّاعرةُ المُفارقاتِ برياحٍ تنثر.

(َلكَمْ أَخْشى رُؤيةَ أَيائِلي/ تَتَناسَلُ): شبّهَتِ الشّاعرةُ تَكاثُرَ الأطفالِ في فلسطينَ بالأيائلِ؛ جَمالًا ورِقّةً.  

(تَسْتَنْفِرُ حَواسَّ الذُّعرِ): شبّهَتِ الشّاعرةُ الذُّعرَ بكائنٍ حيٍّ لهُ حواسّ.

ب. الاستعارةُ التّصريحيّةُ: 

 (فَأَحلامي باتَتْ تَتأَرحجُ ): شبّهَتِ الشّاعرةُ تبَدُّلَ الأحلامِ وتَناقُضَها بالتّأرجُح.

آهٍ.. قَلْبي/ (تَصَدَّأ مُثْقَلًا): شبّهَتِ الشّاعرةُ ما يُحيطُ القلبَ مِن همومٍ بالصّدأ.
(ِبحَكايا تَتَصدَّع): شبّهَتْ فقْدَ الحِكاياتِ الحلوةِ لروْنقِها بالتّصدُّع.        

(أَحْلامي رَحَلَتْ/ عَلى أَجْنِحَةِ النُّورِ والظَّلام/ هَرَبَتْ): شبّهَتْ تبَدُّدَ الأحلامِ وفقْدَها بالرّحيلِ والهُروب.

  1. الكنايات: (أيائِلُ مُشبَعةٌ برائحَةِ الهَلَع): كنايةً عمّا يَلحقُ الطّفولةَ البريئةَ في فلسطينَ مِن خوْفٍ وجزَعٍ.

(آهٍ .. قَلْبي/ تَصَدَّأ مُثْقَلاً/ بِحَكايا تَتَصدَّع): كنايةً عن الأحداثِ الرّهيبةِ الّتي تحصُلُ في هذا المجتمع، وتتناقلُها الألسنُ.

(قَلبي؛/ غَصَّهُ الحُزْنُ/ هَدَّهُ امتِهانُ الرُّوح): كنايةً عن امتهانِ كرامةِ الإنسانِ، وما يلحقُ بهِ مِن أحزانٍ في منطقتِنا.

(في خَريِطَةِ أَوْجاعي): كنايةً عن انتشارِ الهُموم.

(أَحْلامي رَحَلَتْ/ عَلى أَجْنِحَةِ النُّورِ والظَّلام/ هَرَبَتْ/ مِنْ مَداراتِ الرُّعْبِ الدَّامي/ وَخرَجَتْ/ مِن ْجاذِبِيةِ كَوْكَبِ اللِّئام): كنايةً عن ضياعِ الأحلامِ العذبة، بفِعلِ اللّئامِ.

(نَثَرَتْ/ عَلى/ جَسَدي/ بُثورَ غُرْبَةٍ وضَبابًا/ مِن آهاتٍ وَأكْفَان): كنايةً عن الغربةِ في الوطنِ.                    

(هِيَ المُفارَقاتُ تَنَثُرني بِلُؤْمٍ/ في حَدائقِ الظَّلامِ بِوَخَزاتٍ مُؤْلِمَةٍ): كنايةً عن تبَدُّلِ الأحلامِ الجَميلةِ، وتحَوُّلِها إلى ضياع.

(تَتَصاعَدُ التَّنَهُّداتُ مُشبَعةً لَهبًا/ حتَّى النُّخَاع): كنايةً عن شِدّةِ التّوجُّع.

(آهٍ يَا .../ مَلامِحي الوَرْدِيَّةِ جَفَّت/ لُسِعْتُ بِسوطِ الخَرير): كنايةً عن تغيُّرِ الحالِ مِنَ النّقيضِ للنّقيضِ، ومِنَ الجَميلِ للقّبيح.

(لَكَمْ أَخْشى رُؤيةَ أَيائِلي/ تَتَناسَلُ/ مُهَرْوِلَةً.. مُشبَعةً/ بِرائِحَةِ الهَلَعِ وَالارتِجَاف
تَتَراكَضُ/ جافِلَةً.. خائِفَةً/ ما بَيْنَ أَدْغالِ المَوْتِ وَشِراكِ الاحتِرَاق): كنايةً في كلٍّ عن ضياعِ جيلِ الطّفولةِ.

(وَوَشَمُوني بِمَاءِ الفَوضَى): كنايةً عن تبلبُلِ الفِكْر.

(عُيونُ الشَّرِّ/ تَتَربَّصُهم/ في كُلِّ اتِّجَاهٍ وَآن): كنايةً عن انتشارِ الأذى في كلِّ وقتٍ، وفي كلِّ مناحي الحياةِ.

  1. المجاز المرسل: (آهٍ .. قَلْبي): "ذكَرَتِ الجزءَ" القلبَ"، وأرادتِ الكُلَّ "نفسَها أو أبناءَ جنسِها"، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة، أو السّببيّة؛ لأنّ القلبَ سببٌ في الحياة. وفي العبارةِ خرْقٌ تركيبيٌّ واختراقٌ بالحذفِ، حيثُ حذفتْ ياء النّداء (آه يا قلبي)، وفيهِ معنى التّوجُّع.

(من يَدٍ مَسْعورَةٍ تَغْرِزُها): ذكَرَتِ الجُزءَ" اليَدَ"، وأرادتِ الكُلَّ "الشّخصَ المُؤْذِي"، مجاز مرسل علاقته الجزئية. والغرْزُ تعبيرٌ مُوحٍ، حيثُ أنّ الغرْزَ مِن إنسانٍ مسعورٍ، وكأنّهُ جِنٌّ مِن أثَرِ السّعارِ، قد أفقدَها هذا الواقعُ الأليمُ جَمالَ الحياةِ، ولم تعُدْ للحياةِ معنى في ظِلّهِ. 

إنّ كُلًّا مِنَ المَجازِ والعُدولِ والاتّساعِ، قد جاءَ ليُشيرَ إلى أهمّيّةِ الاستخدامِ الفنّيِّ البليغِ في العملِ الأدبيِّ؛ لتحقيقِ الأثرِ الجَماليّ، لأنّ: "أهَمّ العناصرِ الخاصّةِ بالقوْلِ الجَماليّ هو أنْ يَكسِرَ نظامَ الإمكاناتِ الّلغويّة، الّذي يَهدِفُ إلى نقلِ المعاني العاديّة"(1). والخروج إلى معانٍ ودلالاتٍ أخرى.

المبدعُ عندما يُبدِعُ أدبَهُ، يكونُ بذلكَ "قد خطا الخطوةَ الأولى نحوَ المَجاز، أي خروج الّلغةِ عن حقيقتِها، كما يقولُ علماؤُنا العربُ، أو عندما يعدلُ المُبدعُ عدولًا قويًّا في الّلغةِ، بحيثُ يَدخلُ المُبدَعَ الأوّلَ (بفتح الدّال)، في مُبدَعٍ آخَرَ (بفتح الدّال أيضًا)، مِن أجلِ إحداثِ بُنيةٍ نسيجيّةٍ إبداعيّة".(2). هذا العدولُ أو الاتّساعُ أو الخروجُ، عبّرَ عنهُ المُحدِثونَ بمصطلحاتٍ مُتعدّدةٍ وإن اختلفَت، إلّا أنّها لا تَخرُجُ في مفهومِها العامّ عمّا حدّدَهُ علماءُ العربيّةِ، ويُمكنُ أن تكونَ معادلةً لمفهومِ "الاتّساع" أو "التّوسّع"، لأنّ الاتّساعَ "يتمخّضُ للدّلالةِ على كلّ مظاهرِ الخروجِ والعدول، في نطاقِ الجُملةِ عن ذلكَ الأصلِ، ويُصبحُ في النّظريّةِ الّلغويّةِ مُؤشِّرُ الصّراعِ بينَ إرادةِ القانونِ وحاجاتِ الفردِ إلى التّعبيرِ"(3).

  ثانيًا: التّعبيرُ (الّلغةُ والأساليبُ)- الّلغةُ لا تَحملُ أيّةَ صفةٍ قبلَ تناولِها في العملِ الأدبيّ، لأنّ "الّلغةَ تُؤسِّسُ علاقةً خاصّةً أخرى بنظامِ الّلغةِ، باستخدامِ عناصر لغويّةٍ لبناءِ أنظمةٍ جديدةٍ خاصّةٍ بها"(4). الإبداعُ الفنّيُّ يقومُ على تأسيسِ الشيءِ عن الشيء، أي تأليفِ شيءٍ جديدٍ مِن عناصرَ موجودةٍ سابقًا(5). تتمثّلُ بالنّظامِ الّلغويّ الّذي يَنطلِقُ منهُ المُبدِعُ، "ليرتفِعَ بالّلغةِ عن عموميّتِها، ويتحوّلَ بها إلى صوتٍ شخصيٍّ"(6).

1.الألفاظ والتراكيب: أ. العنوان: أيائِلُ مُشبَعةٌ برائحَةِ الهَلَع: والأيَّلُ (بفتح الهمزة) والأُيَّلُ (بضمّ الهمزة): من الوحش، وقيل هو الوعل؛ قال الفارسي: سُمّيَ بذلك، لمَآلِهِ إلى الجبلِ يتحصّنُ فيهِ؛ قالَ ابنُ سيّده: فإيَّلُ وأُيَّلُ على هذا فَعيل وفعيل، وحكى الطوسيّ عن ابن الأعرابيّ: أيَّلٌ كسيِّدٍ مِن تذكرةِ أبي عليّ. الّليث: الأيّلُ الذّكر من الأوعال، والجمْعُ الأيايل؛ وأنشد: كأنّ في أذنابهِنّ الشّول/ من عبس الصّيفِ قرونُ الأيّل.

وقيلَ: فيهِ ثلاثُ لغاتٍ: إيل وأيل وأيل على مثال فعل، والوجه الكسر، والأنثى إيلة، وهو الأروى(7).

و(أيائل) جمْعٌ، وتحوّلتِ الياء الثّانية إلى همزة، وهذا جائزٌ في كلِّ الّلغاتِ، ويُعرَفُ في عِلمِ الّلغةِ والّلسانيّاتِ بالمخالفة (Dissimilation)، وأيائلُ هنا كنايةً عن النّشْءِ وميلادِ الأطفالِ الفلسطينيّينَ، فيهم جَمالُ الخَلْقِ والخلة، تُزيّنُهُمُ البراءةُ الّتي سرعانَ ما تتحوّلُ أحلامُهُمُ الجَميلةُ إلى خوفٍ كاملٍ مُتشبِّعٍ، كما تتشبّعُ قطعةُ القماشِ بالماءِ. والهلعُ: شدّةُ الحزنِ والخوفِ (هلَعَ: الهَلَعُ: الحِرصُ. وقيلَ: الجَزَعُ وقِلّةُ الصّبرِ. وقيلَ: هو أسوأُ الجَزَعِ وأفحَشُهُ، ... قالَ الشّاعرُ: ولي قلبٌ سَقيمٌ ليسَ يَصحو = ونفسٌ ما تَفيقُ مِنَ الهلاع(8).

فيُصبحُ المَعنى: أطفالُنا يُحيطُ بهِم أشدُّ أنواعِ الجَزَعِ وأفحَشِهِ، وأيائلُ: خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ. مُشبعةٌ: نعتٌ مرفوعٌ، برائحةِ: شِبهِ جُملةٍ، الهَلعِ: مضاف إليه.

وفي العنوانِ حذْفٌ، وهو انحرافٌ وتحويلٌ واتّساعٌ وخرْقٌ في النّحوِ. و"أيُّ تَغيُّرٍ في النّظامِ التّركيبيِّ للجُملةِ، يترتّبُ عليهِ بالضّرورةِ تَغيُّرٌّ في الدّلالةِ.(9).

ب‌. استخدَمَتِ الشّاعرةُ في نصِّها لغةً سهلةً موحِيةً تُخاطِبُ عقولَ النّاسِ، وقد جاءتْ ألفاظُ مُعجمِها الشِّعريِّ مُناسِبةً، ومَعانيها مُطابِقةً للأفكارِ، ولقدِ اختارتْ ألفاظَها وكلماتِها مِن مُعجمٍ يوحي بالأسى والخوْفِ والحُزنِ، في نحو: أَعْوامي المَنْسِيَّة، المَوْتِ، آهٍ، تَصَدَّأ، تَتَصدَّع، غَصَّهُ الحُزْنُ، هَدَّهُ، امتِهانُ الرُّوح، ِالنِّسْيانِ، أَوْجاعي، ضَعْفي، خُطوطِ أَحْزاني، أَحْلامي رَحَلَتْ، الظلام، هَرَبَتْ، الرُّعْبِ الدَّامي، وكَوكبِ اللِّئام، مَزْكومَةً، دواةُ اللَّيلِ، مَحَتْ كُلَّ مَعالِمي، بُثورَ غُرْبَةٍ، وضَبابًا، آهاتٍ وَأكْفَان، طَعَناتُ مَكائِد، يَدٍ مَسْعورَةٍ، تَنَثُرني بِلُؤْمٍ، حَدائقِ الظَّلامِ، بوَخَزاتٍ مُؤْلِمَةٍ، مَخالِبَ، فَوْقَ أَنفاسِ الحَياةِ، سَراحِ المَمَات، التَّنَهُّداتُ، لَهبًا، آهٍ، جَفَّتْ، لُسِعْتُ بِسوطِ، مَاءِ الفَوضَى، مَفاتيح الأَلَمِ، سُرِقتْ مِنِّي، َالنِّسْيان، أخْشى رُؤيةَ أَيائِلي، مُهَرْوِلَة،ً مُشبَعةً بِرائِحَةِ الهَلَع وَالارتِجَاف، جافِلَة،ً خائِفَةً، أدْغالِ المَوْتِ، شِراكِ الاحتِراق، عُيونُ الشَّرِّ، تَسْتَنْفِرُ حَواسَّ الذُّعرِ، تَسْتَفِزُّ مَوْتَهم إلى المَوْتِ!

و(إذا كانتِ الّلغةُ نظامًا عامًّا مفروضةً على المُتكلّم، فإنّ الكلامَ هو الاستعمالُ الخاصُّ لها. (10).

لم يكتفِ النُّحاةُ حينما تكلّموا عن الّلغةِ بقوْلِهم: إنّ الّلغةَ وضْعٌ، بل أضافوا إليها-تأكيدًا- قولُهم: "وضْعٌ واستعمالٌ"، لأنّ "الّلغةَ عندما تنتظمُ في النّصّ الأدبيّ، تكتسبُ حياةً جديدةً، أكثرَ حيويّةً وعُمقًا ممّا هي عليهِ خارجَ النّصّ الأدبيّ"(11).

ج. ولقدْ‌ جاءتْ تراكيبُها متناغِمةً بعضُها معَ بعضٍ، رقيقةً متينةً، موحِيةً فيها مِنَ الرّمزِ الجُزئيّ تعبيرًا عن رفضِها للواقعِ، فاستخدَمَتْ أسلوبَ "الاتّساع"، وهو واحدٌ مِنَ الأساليبِ التّحويليّةِ الّتي تطرأ على العباراتِ والتّراكيبِ النّحويّةِ، وقد أوضحناهُ آنفًا.

د. وقدِ اتّكأتِ الشّاعرةُ على مُفرداتِ الفِعل المضارع، لِما فيها مِن استمراريّةٍ، استمراريّةِ المأساةِ والحزنِ والأسى، ويوحي باستمراريّةِ الحدَثِ، وبرغبةِ الشّاعرةِ المُلِحّةِ في تَجاوُزِ المأساةِ، وفيهِ تأكيدٌ على موقفِها مِن رَفضِها للظُّلمِ والواقعِ المُرّ غيرِ القادرةِ على تغييرِهِ، فتَهرُبُ منهُ بشِعرِها ونبضاتِ أحاسيسِها، كما في مثل: لا تبحثْ (مُكرَّرة)، تتأرجَحُ، تَتَصدَّع، لا تَبْحَثْ، لا تَنْبشْ، تَتَوالى، تَتَهاوى، تَغْرِزُه، تَنَثُرني، تَمْتَصُّ، تَفرشُ، تَصاعدُ، أَتَأَرْجَحُ، أَخْشى، تَتَناسَلُ، تَتَراكَضُ، تَتَربَّصُهم، تستنفرُ، تَسْتَثيرُهُم، تَسْتَفِزُّ.

واستخدَمَتِ الفِعلَ الماضي؛ ليُفيدَ السّردَ القصصيّ، في نحو:  باتَتْ، تَصَدَّأ، رَحَلَتْ، هَرَبَتْ، خرَجَتْ، غَدَتْ، انسَكَبَتْ، مَحَتْ، نَثَرَتْ، جَفَّتْ، لُسِعْتُ، وَشَمُوني، سُرِقتْ، تَركُوني.

ه. استخدَمَتِ الشّاعرةُ تارةً الألفاظَ في معانيها الحقيقيّة، لتوضيح أفكارِها ونقْلِ المعاني لمُستمِعيها؛ وهي ألفاظٌ سهلةٌ جميلةٌ تُناسبُ الغرَضَ الأدبيّ، ويَظهرُ ذلكَ في وصْفِها لمشاعِرِها، وخوْفِها مِن واقعٍ مريرٍ، وهروبِها إلى الشِّعرِ واليّراعِ، وتارةً أخرى كانتْ تلجأ للرّمزِ، كما في قوْلِها: "آهٍ/ لَكَمْ أَخْشى رُؤيةَ أَيائِلي/ تَتَناسَلُ/ مُهَرْوِلَةً .. مُشبَعةً/ بِرائِحَةِ الهَلَعِ وَالارتِجَاف/ تَتَراكَضُ/ جافِلَةً.. خائِفَةً/ ما بَيْنَ أَدْغالِ المَوْتِ وَشِراكِ الاحتِرَاق": فابتعَدَتْ عن المباشرة، فلجأتْ إلى الرّمزِ حينًا، وإلى الإبهامِ والغموضِ تارةً أخرى.

(آهٍ يَا .../ مَلامِحي الوَرْدِيَّةِ جَفَّتْ/ لُسِعْتُ بِسوطِ الخَرير/ وَوَشَمُوني بِمَاءِ الفَوضى): فالدّلالاتُ الّلغويّةُ تكونُ أحيانًا قاصرةً عن نقلِ حالاتِ النّفسِ بكلِّ ثرائِها وعُمقِها، فهي تتعمّدُ بإلقاءِ بعضِ الظّلالِ على مَعانيها، وتَغليفِها بغلالةٍ رقيقةٍ تُجنّبُها خطرَ الابتذالِ.

و. نَلحظُ في النّصِّ عنصرَ الجُنوحِ إلى التّركيزِ والتّكثيفِ والتّجافي عن الشّرحِ والتّحليلِ، وهي سِمةٌ تنشأُ عن تطوُّرِ وظيفةِ الصّورةِ مِنَ التّقريرِ إلى الإيحاءِ، وهذا هو سِرُّ الإبهامِ والغموضِ أحيانًا. واتّسمَتِ القصيدةُ بمجموعةٍ مِنَ الخصائصِ الفنّيّةِ الّتي امتازَ بها الشِّعرُ الرّمزيُّ والشِّعرُ الحُرُّ، وأهمُّها الوِحدةُ العُضويّةُ والوحدةُ الموضوعيّةُ. "وقد أدّى اختلافُ طبيعةِ الشّعرِ الجَديدِ عن طبيعةِ الشِّعرِ القديمِ، مِن حيثُ بناؤُهُ ونظامُهُ القائمُ على العلاقاتِ المُتعدّدةِ بينَ عناصرِهِ، على تعدُّدِ دلالاتِهِ، فلم يَعُدْ يُفهَمُ، وإنّما أصبحَ غامضًا.

ويذهبُ عزّ الدّين إسماعيل، إلى أنّ القصيدةَ الحديثةَ غامضةٌ على مستوى رؤيا الشاعرِ ولغتِهِ المستعمَلةِ، "لأنَّه ما دامت الرّؤيا مغايرةً لِما هو مألوفٌ، وكانتِ الّلغةُ المُستخدَمةُ خاضعةً لطبيعةِ هذهِ الرّؤيا، فإنّهُ مِنَ الطّبيعي أن يُغلّفَ القصيدةَ إطارٌ مِنَ العتمةِ، ويَجعلَ الولوجَ إلى عالمِها شاقًّا" (12).

لقد حاولَ رُوّادُ الشِّعرِ العربيِّ الحُرِّ تحديدَ طبيعةِ القصيدةِ، مِن خلالِ جُملةِ مُصطلحاتٍ، أهمُّها (الوحدةُ العضويّةُ)، و(النّموُّ)، و(التّكاملُ)، و(التّلاقي الأضداد). والوحدةُ مرتبطةٌ بالنّموِّ والتّكاملِ. التّكاملُ يَعني حاجةَ العنصرِ إلى غيرِهِ حتّى يَحدثُ النّموّ، فالنّموُّ متكامِلٌ، والتّكاملُ يُحقّقُ الوِحدة، وهذهِ المُصطلحاتُ عامّةً، لأنّها لا تُحدِّدُ لنا كيفَ يَحدثُ هذا التّكاملُ مثلًا في القصيدةِ، فالتّكاملُ يَعني حاجةَ عنصرٍ إلى آخرَ، وتَفاوُتَ أهمّيّةِ العناصرِ في النّصّ.

فتنيانوف يرى أنّ العلاقةَ بينَ العناصرِ تقومُ على عدمِ التّكافؤِ الّذي يَخلقُ التّعاونَ والتّكاملَ. "إنّ عناصرَهُ (أي العمل الأدبيّ) ليستْ مُرتبطةً فيما بينها بعلاقةِ تساوٍ أو إضافةٍ، بل بعلاقةِ التّلازُمِ والتّكامُلِ الدّيناميكي"(13).

ويرى ياكبسون أنّ العلاقةَ في النّصِّ الأدبيّ إنَّما تقومُ بينَ عناصرَ مُهيْمِنةٍ وأخرى خاضعةٍ، وأنّ المُهيمِنَ هو الّذي يُحقّقُ للعملِ نظامَهُ، "بوصْفِهِ ذلكَ المُكَوِّنَ المِحوريّ في العملِ الفنّيّ: ذلكَ أنّهُ يتحكّمُ في المُكوّناتِ الباقيةِ، ويبتُّ فيها ويُغيّرُها. إنّهُ المُسيطِرُ الّذي يأخذُ على عاتقِهِ كمالَ البُنية"(14). 

ز. وإذا قرأنا النّصّ قراءةً مُتأنّيةً، فإنّنا سنجدُ الخطابَ الشِّعريَّ فيهِ يتمركزُ حولَ شخصيّةِ الشّاعرة، ولكنّ تلكَ الشّخصيّةَ لا تبدو نفسًا أو ذاتًا أو فردًا منغلقةً على نفسِها، فالشّاعرةُ تَعتبرُ نفسَها امتدادًا متواصِلًا في التّاريخِ الجَماعيِّ، لشعبٍ عريقٍ مُتجَذّرٍ مُنتَمٍ إلى الأمّةِ العربيّة، ألا وهو الشّعبُ الفلسطينيّ، فالخِطابُ بصيغةِ المُتكلّمِ في النّصّ يُصبحُ دالًّا على الأمّةِ، فتتّحِدُ ذاتُ الشّاعرِ معَ روحِ الجَماعةِ، فالأنا لمْ تَعُدْ تعني في النّصّ أنا الشّاعر، بل أصبحَتْ (أنا) الشّعبَ والأمّة. 

ح. استخدَمَتِ الشّاعرةُ (الهَلع)، وقد كرّرتْها بدلَ (الخوف) فهو أدقّ؛ لأنّ (الهَلعَ) هو أسوأُ الجَزعِ وأفحَشُهُ، وفيهِ معنى الّلؤمِ والتّوسُّعِ في الأذى؛ بينما (الخوف) أقلُّ درجاتٍ مِنَ الهَلعِ، ومعَ (الهَلع) شموليّةٌ في الأذى ومُبالغةٌ.

  1. الأساليبُ الخبَريّةُ والإنشائيّةُ: أ. راوحَتِ الشّاعرةُ بينَ استعمالِ الأساليبِ الخبَريّةِ والإنشائيّةِ؛ فاستهلّتْ قصيدتَها بأسلوبٍ إنشائيٍّ: (لا تَبْحَثْ عَنْ زَماني العَتيقِ). ثمّ انتقلتْ في المقطعِ الثّاني إلى الأسلوبِ الخبَريّ، وهدفُها البوْحُ عن مخزونِ مشاعرِها الّتي أُحبِطَتْ جرّاءَ ما تُعانيهِ، واستخدَمَتِ الأسلوبَ الخبَريَّ؛ ليُناسِبَ الغرضَ، فاستخدَمَتْهُ؛ لتُجَسِّدَ مدى تقديرِها لمشاعرِها وأحاسيسِها، ولتأكيدِ ذاتِها بارتباطِها بوطنِها وأُمّتِها، وبحُبِّها لهُ في عالمٍ طغتْ عليهِ المادّيّاتُ، واستشرَتْ أمراضُها وما يَنتجُ عنها.

ومِنَ الأساليبِ الإنشائيّةِ: النّهي، كما في نحو: (لا تَبْحَثْ عَنْ زَماني العَتيقِ)، و(لا تَبْحَثْ عَن ِالنِّسْيانِ)، و(لا تَنْبشْ أَدراجَ ذاكِرَتي/ لا تَحتَ خُطوطِ أَحْزاني/ وَلا فوْقَ مِساحاتِ أَفْراحي): وكلُّها تُفيدُ الالتماسَ؛ مِن أجلِ خلْقِ جوٍّ يُوحي بالحياةِ والحرَكةِ.

ب. استخدَمَتِ الشّاعرةُ أسلوبَ المُتكلّم؛ لتأكيدِ الذّاتِ، والذّاتُ المخاطَبةُ تحاولُ الفرارَ مِن واقعِها الأليمِ، لتشكيلِ عالَمِها الخاصّ، وضميرُ الأنا يَستشعِرُ هوْلَ المأساةِ، ومرارةَ الواقعِ المُهينِ والمُزري، وتُدركُ أنّها تنتمي إلى زمنٍ رديءٍ مُرٍّ مُهين.

ج. استخدَمَتْ أسلوبَ الإيجازِ بالحذفِ، فقالت: كما في عنوانِ المقطوعةِ "وكما في نحو: "آهٍ .. قَلْبي" وتقديره: "آهٍ  يا  قَلْبي"، فحَذفتْ حرفَ النّداء.

3.المُحسِّناتُ البديعيَّة- أ. الطباق:

كما في مثل: (فَوْقَ / أَنفاسِ الحَياةِ/ وَتَحْتَ / سَراحِ المَمَات  :فطابقتْ بينَ كلٍّ مِن: "فوق" وَ "تحت".

وفي مثل: (مَا بَيْنَ المَوْتِ/ وَالحَياة) :فطابقَتْ بينَ كلٍّ مِن: "الموتِ" وَ "الحياة".

وفي نحو: (لا تَحتَ خُطوطِ أَحْزاني/ وَلا فوْقَ مِساحاتِ أَفْراحي): فطابقَتْ بينَ كلٍّ مِن "لا تحتَ" وبينَ "لا فوقَ".

وكما في مِثل: (عَلى أَجْنِحَةِ النُّورِ والظَّلام): فطابقتْ بينَ كلٍّ من "النّورِ وَ "الظّلام".

(حَتَّى مَفاتيحَ الأَلَمِ سُرِقتْ مِنِّي/ تَركُوني أَتَأَرْجَحُ/ بَينَ الذّاكِرَةِ وَالنِّسْيان): كما طابقَتْ بينَ كلٍّ مِنَ "الذّاكرة" وَ "النّسيان".

  • الإطنابُ: كما في مثل: (أَحْلامي رَحَلَتْ/ عَلى أَجْنِحَةِ النُّورِ والظَّلام/ هَرَبَتْ/ مِنْ مَداراتِ الرُّعْبِ الدَّامي/ وَخرَجَتْ): والإطنابُ في كلٍّ مِن: "رحلَتْ" وَ "هرَبَتْ" وَ "خرَجَتْ".

ثالثًا– الوزنُ والموسيقى- نظَمَتِ الشّاعرةُ مقطوعتَها على نمَطِ قصيدةِ الشِّعرِ النّثريّ، واستغْنتْ عن الموسيقى الخارجيّةِ بالإيقاعِ الدّاخليّ، الّذي يسري في عروقِها مِن استخدامِها للمساواةِ بينَ الجُمَلِ، كما في نحو: (تَتَوالى.. .. تَتَهاوى ..)

 والمقاربةُ بينَ الأصواتِ، والتّكرارُ في نحو: (لا تَحتَ خُطوطِ أَحْزاني/ وَلا فوْقَ مِساحاتِ أَفْراحي)؛ فقد تخلّصَتْ مِنَ الرّتابةِ في القافيةِ المُوَحَّدةِ، وتَمكّنَتِ الشّاعرةُ بهذا في الانطلاقِ برحابةٍ أوسعَ في قاموسِها الشِّعريّ؛ لتُحَمِّلَهُ المَضامينَ الكبيرةَ، وجاءتْ سطورُ القصيدةِ حسبَ التّدفُّقِ العاطفيِّ للشّاعرةِ، ممّا ساهمَ في المحافظةِ على الوحدةِ العضويّةِ والموضوعيّةِ في النّصّ.

رابعًا- شخصيّةُ الشّاعرةِ: اتّسمَتِ المَعاني والأفكارُ والصُّوَرُ الفنّيّةُ الّتي اتّكأتْ عليها الشّاعرةُ بالبساطةِ والرّقّةِ والعذوبةِ، لكنّها عميقةٌ في مَعانيها، واسعةٌ في مدلولاتِها. ولجأتِ الشّاعرةُ فيها إلى الغموضِ حينًا، كيْلا تبتذلَ كلماتِها؛ مُستعينةً بالألفاظِ والتّراكيبِ المُوحِيةِ؛ لأنّ وقْعَها على النّفسِ أبلغُ، إذ تبدو الشّاعرةُ مِن خلالِها جيّاشةَ المَشاعرِ، رقيقةَ العاطفةِ، مُرهفةَ الإحساسِ، مُحِبّةً لأُمّتِها ولوطنِها، رافضةً للذُّلِّ والمَذلّةِ. والمَنظومةُ في مُجملِها صورةٌ ناطقةٌ ومُعبِّرةٌ عن شخصيّةِ صاحبتِها، ميّالةٌ للتّجديدِ والابتكارِ في صنعةِ الشِّعرِ المنثورِ، مِن حيثُ التّعبير والتّصوير. 

 

 

 

 

 

الهوامش

  1. النّظريّةُ البنائيّةُ في النّقد الأدبيّ/ صلاح فضل: 375، دار الشؤون الثقافيّة العامّة، بغداد ، ط3، 1980م.
  2. علم تحليل الخطاب وموقع الجنس الأدبيّ/ مازن الوعر، آفاق الثقافة والتّراث، ع14، 1996: 16 .
  3. التفكير البلاغيّ عند العرب - أسسه وتطوّره إلى القرن السادس ص 103، حمادي صمو، منشورات الجامعة التونسيّة - المطبعة الرسميّة - 1981
  4. الّلغة والأسلوب والموقف/ جورج و. تيرنر، ترجمة: كاظم سعد الدّين، الثقافة الأجنبيّة، ع3، 1998 : 8 .
  5. المعجم الفلسفي /جميل صليبا: 31، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1971م.
  6. لغة الشعر الحديث في العراق بين مطلع القرن العشرين والحرب العالميّة عدنان حسين العوادي، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1985م .
  7. لسان العرب، ابن منظور ص274 ج1، دار الحديث، القاهرة، 2002
  8. المصدر نفسه ج9 ص 116
  9. البلاغة والأسلوبيّة، محمّد عبد الطلب، ص 391
  10. voir Andre Martinet.Element de Linguistique generale.p20.Armand Colin.1999/10
  11. وظيفة اللغة في الخطاب الروائيّ الواقعيّ عند نجيب محفوظ، عثمان بدري، موفم للنشر، الجزائر، 2000، ص 14
  12. مفهوم الشعر في كتابات الشعراء المعاصرين: عز الدين إسماعيل/ فصول مج 1 ع 4 1981 ( ص 56 )
  13. نظريّة المنهج الشكلانيّ: تزفتان تودوروف ـ تر : إبراهيم الخطيب ـ الشركة المغربية للناشرين المتحدين ـ مؤسسة الأبحاث العربية (ط 1 ـ 1982 ) ( ص 59 )
  14. نظرية الأدب في القرن العشرين: ك.م نيوتن  ترجمة عيسى العاكوب  عين الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية  مصر، ط1  ( ص 34 )

 

إضاءاتٌ نقديّةٌ لِديوان "سلامي لكَ مطرا"

المقدّمة

يتضمّنُ تحليلي ثلاثَ قصائدَ مِنَ الدّيوان، وقدِ امتطَتْ شاعرتُنا آمال عوّاد رضوان صهوةَ قصيدةِ النّثرِ بحِنكةٍ، وسارتْ في مَراكبِها بدرايةٍ، وحقّقتْ أهمَّ خصائصِها باقتدارٍ وثباتٍ، وسنعرضُ سطورَها الشِّعريّةَ على آراءِ مَن كَتبَ مِنَ النُّقّادِ في دراساتِهم للقصيدةِ النثريّة.

"سلامي لكَ مطرًا"؛ هو الدّيوانُ الثّاني الّذي صدَرَ للشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان عام 2007، وأسْمتْهُ بهذا الاسْمِ نسبةً للقصيدةِ الثّالثةِ في مُحتوى الدّيوانِ، والّذي يتكوّنُ مِن اثنتيْ عشرةَ مقطوعةً، وشاعرتُنا آمال عوّاد رضوان استوعبَتْ قصيدةَ شِعرِ النّثرِ باقتدارٍ، وجالتْ في ثناياها بحِنكةٍ، وسارتْ في طريقِها باستنارةٍ، وقبلَ الولوجِ في عالمِ ديوانِ الشّاعرةِ لا بُدّ لنا مِن وقفةٍ تأمُّليّةٍ، لنرى طبيعةَ القصيدةِ النّثريّةِ، وآراءَ بعضِ النّقّادِ فيها.

يقولُ النّاقدُ أحمد يزن: باتَ مِنَ المُؤكّدِ أنّ مَن يَبرَعُ في كتابةِ قصيدةِ النّثرِ مِنَ الشّعراءِ العرَبِ، هو مَن يَستطيعُ استيعابَ علاقةِ الشِّعرِ بشِعريّةِ أحلامِ التّكنولوجيا؛ لذلكَ قِلّةٌ شعراءُ قصيدةِ النّثرِ المُبدِعون، وكثيرةٌ قصائدُ النّثرِ الّتي نستطيعُ أن نرميَها في البحرِ بلا أسفٍ".

وكما قالَ ماكس جاكوب: "لتكونَ شاعرًا حديثًا، يجبُ أن تكونَ شاعرًا كبيرًا جدًّا".(1)

وتقولُ جمانة حدّاد، عن عبّاس بيضون، في جريدة السفير 26/6/2006: "أُنسي الحاج" أعظمُ شاعرٍ منذ المتنبّي...".

{لكنّ شعراءَ بيروت، مِنَ المتعلِّمينَ بالفرنسيّةِ، لم يتعرّفوا عليها، كقصيدةٍ مخصوصةٍ، إلّا بعدَ صدورِ كتاب سوزان برنار. لم يتعرّفوا على قصيدةِ النّثرِ مِنَ الأعمالِ الشّعريّةِ نفسِها، (شجونُ باريس مثلًا، أو الأنطولوجيّات الخاصّة بهذا الجنس الشِّعريّ)، بل من الأطروحة الأكاديميّة، أي العمل النقديّ. ولو فرضنا أنّ هذا العملَ لم يَصدرْ، فهل كانتْ هذه القصيدةُ ستنالُ في بيروت كلَّ هذه الحظوةِ في الفترةِ ذاتِها؟ وهل كانَ لشعراء بيروت في الفترةِ ذاتِها، ما أصبحَ لهم بفضلِ الاطّلاعِ على كتابِ سوزان بيرنار؟ مِن ثمّ نفهمُ، كيفَ أنّ الحركةَ البُنيويّةَ للسّتينيّاتِ والسّبعينيّاتِ، بما حملَتْهُ مِن تفرُّعاتٍ منهجيّةٍ، مِن شِعريّةِ الاستعارةِ إلى شِعريّةِ الإيقاع، ومِن دلائليّةِ غريماس أو دلائليّةِ يوري لوتمان، إلى الدّلائليّةِ التّحليليّةِ لجوليا كرسطيفا.

عائلةٌ بكاملِها التقى فيها أهلُ الّلسانيّاتِ والفلسفةِ والتّحليلِ النّفسيّ والأنتربولوجيا بدلائليّينَ وشاعريّين. ما استأثرَ بالقراءةِ والتّنظيرِ لدى حركةِ النّقدِ الجديدِ، هو أعمالُ ساد، ورامبو، وملارمي، ونيتشه، وأرطو، وبونج، مُفيدينَ مِن فردناند دو سوسير، وموريس بلانشو، وجورج باطاي، والشّكلانيّينَ الرّوس. وكانتِ الكتابةُ المَوقعَ الّذي تختارُهُ أعمالُ هؤلاءِ، مُعوِّضينَ بذلكَ مفهومَ الأدبِ بمفهومِ الكتابة.

وحسب رولان بارط، "ليستِ الكتابةُ هي الكلام، وهذا التّفريقُ بينهما حصَلَ في السّنواتِ الأخيرةِ على تكريسٍ نظريّ، ولكنَّ الكتابةَ ليستِ المكتوبةَ أيضًا، أي التّدوين؛ فأنْ تكتبَ ليس هو أن تُدوِّنَ. في الكتابةِ ما هو أكثرُ حضورًا في الكلامِ (بطريقةٍ هستيريّةٍ)، وأكثرُ غيابًا في التّدوينِ (بطريقةٍ إخصائيّة)، بمعنى أنّ الجسَدَ يعودُ، ولكن عن طريقٍ غيرِ مباشرةٍ، مَقيـسَةٍ وموسيقـيّة، حتّى تقول كلَّ شيءٍ بدقّةٍ، عن طريقِ المُتعةِ لا عن طريقِ المُتخيّلِ (الصّورة)".

تصريحاتٌ واعترافاتٌ بأنّ العربَ لم يَفهموا قصيدةَ النّثرِ ولم يَكتبوها. وأضيفُ إنّهم لم يَفهموها ولم يَكتبوها بمعانٍ مُتعدِّدةٍ. ليسَ الشّكلُ وحده ما لم يَفهموهُ، بل تاريخ هذه القصيدةِ السّابق على بودلير، واسمها، ومكانتها ضمنَ الشِّعرِ الفرنسيّ، (ومنه شِعر وكتابات بودلير)، وطبيعةُ هذه القصيدةِ الّتي هي ابنةُ باريس، تحديدًا، المدينةِ الفرنسيّةِ الكبيرةِ في زمنِ الثّورةِ الصّناعيّةِ، واكتساحِ الخِطابِ العِلميِّ فضاءَ البحثِ العِلميِّ، كما فضاء الحياةِ الفرنسيّة، ثمّ بُعدُها الميتافيزيقيّ، كما أعطاهُ إيّاها بودلير، شاعرُ "الانحطاط" بامتياز.

المغاربةُ، المغاربيّونَ، يَختارونَ صمتًا هو فتْحُ الأسرارِ. بهِ يُؤالفونَ بينَ المغربِ والمَشرقِ. وبهِ يُنادونَ على أصدقائِهم المَشرقيّينَ. يُهيّئونَ لاستضافتِهم، والاحتفاءِ بهم وتكريمِهم. دعواتٌ لا تتوقّفُ. بيوتٌ مفتوحةُ الأبواب. ابتهاجٌ يمتدُّ ليلَ نهار. هذا هو المغربُ، المغربُ العربيّ. وأنا أعلمُ أنّ شعراءَهُ، نُقّادَهُ وباحثيهِ، يَفعلونَ ذلكَ دفاعًا عن فِكرةٍ جديدةٍ عن العالمِ العربيّ، عن ثقافتِهِ ومُستقبلِهِ. وهُم في صمتِهم يُقاومونَ. صمتٌ لا يَبلغُ مقصَدَهُ إلّا أهلُ الذّوقِ، مِن أصحابِ العِلمِ العرفانيّ، بما نحنُ فيهِ وما نحنُ إليهِ سائرونَ. صمتٌ أقسى مِن الكلامِ، في زمنٍ نفتقـدُ السّؤالَ عمّا نفعلُ، ولماذا نفعل؟ وكيف نفعل؟ صمتٌ هو تجربةُ الإقامةِ في الزّوابع، على حافّةِ الخطرِ، بجسدٍ كلُّه عيونٌ. صمتٌ هو سيّدُ الكلام.}(2)  وأمّا طبيعةُ القصيدةِ النّثريّةِ قبلَ الغوصِ في أعماقِ قصائدِ شاعرتِنا آمال عوّاد رضوان، والتّدقيقِ في صُورِها الشّعريّةِ وإيقاعاتِها وبُنيتِها التّركيبيّةِ.

كما ترى سوزان برنار أنَّ قصيدة النّثرِ هي: "قطعةُ نثرٍ موجزةٍ بما فيهِ الكفاية، مُوحّدةٍ، مضغوطةٍ، كقطعةٍ من بلّور... خلْقٌ حُرٌّ، ليسَ لهُ مِن ضرورةٍ غيرَ رغبةِ المُؤلّفِ في البناءِ، خارجًا عن كلِّ تحديدٍ، وشيءٌ مضطربٌ، إيحاءاتُهُ لا نهائيّة»(3). ولقد أضافتْ سوزان برنار في كتابها المرجع: "قصيدة النثر من شارل بودلير وحتى الآن"، خصائصَ عدّةً لقصيدةِ النّثرِ، وقد وظّفتْ شاعرتُنا آمال تلكَ الخصائصِ وهي: 

الإيجاز: وتعني الكثافةَ في استخدامِ اّللفظِ سِياقيًّا وتركيبيًّا .

التّوهُّج: وتعني الإشراقَ، أي يكونُ الّلفظُ في استخدامِهِ مُتألّقًا في سِياقِهِ، كأنّهُ مصباحٌ مُضاءٌ، إذا استبدلْناهُ بغيرِهِ، ينطفئُ بعضُ البريقِ في الدّلالةِ العامّة، وفي الجَمالِ التّركيبيِّ النّصّيّ.

المجانيّة: وتعني الّلازمنيّة، أي يكونُ الّلفظُ غيرَ مُحدّدٍ بزمنٍ مُعيّنٍ، فالدّلالةُ مُتغيّرةٌ، حسبَ السّياقِ والرّؤيةِ والتّركيب، وتكونُ قصيدةُ النّثرِ ذاتَ دلالةٍ مفتوحةٍ، يمكنُ أن تُفهَمَ على مُستوياتٍ عدّة.

الوحدةُ العضويّة: وتعني أن يكونَ النّصَّ كُلًّا واحدًا، ونترُكَ وحدةَ البيتِ، ويكونَ النّصُّ كلُّهُ وحدةً واحدةً، لا يمكنُ أن يَقرأ بمَعزلٍ عن أيِّ جزءٍ مِن أجزائه.(4).    

قصيدةُ النّثر- كما عندَ شاعرتنا آمال- (هي قصيدةٌ تتميّزُ بواحدةٍ أو أكثرَ مِن خصائصِ الشّعرِ الغنائيّ، غيرَ أنّها تعرضُ في المطبوعاتِ على هيئةِ النّثر، وهي تختلفُ عن الشِّعرِ النّثريّ بقِصَرِها وبما فيها مِن تركيزٍ. وتختلفُ عن الشِّعرِ الحُرِّ بأنّها لا تهتمُّ بنظامِ المُتوالياتِ البيتيّة. وعن فقرةِ النّثرِ، بأنّها ذاتُ إيقاعٍ ومؤثّراتٍ صوتيّةٍ أوضحُ ممّا يَظهرُ في النّثرِ مُصادفةً واتّفاقًا مِن غيْرِ غرضٍ، وهي أغنى بالصّورِ، وأكثرُ عناية بجماليّةِ العبارة، وقد تكونُ القصيدةُ مِن حيثُ الطّول مساويةً للقصيدة الغنائيّة، لكنّها على الأرجح لا تتجاوَزُ ذلك، وإلّا احتُسِبتْ في النّثرِ الشّعريّ(5). وسنرى أنّ تلكَ الخصائصِ توفّرَتْ في ديوان شاعرتِنا الثّاني "سلامي لكَ مطرًا"، وسوفَ ندخلُ عالمَ قصائدِهِ، ونُلقي على بعضِها إضاءاتٍ نقديّةً.

 

 

 

من قصائد الديوان قصيدة: "سلامي لك مطرا"

في دُروبِنا العَتيقَةِ

تُعَتِّقينَ خَواطِري فَرادَةً بِكِ

إلامَ تَطْفو ذِكْراكِ عَلى وَجْهِ النِّسْيانِ؟

بِغاباتِ فَرَحي المَنْذورِ لَكِ

تَتَسَوَّلُكِ أَنْهارُ حُزْني ../ ظِلالَ بَسْمَةٍ تَدْمَعُ بِكِ

لِتَرْسُوَ مَراكِبُ ذُهولي المَحْمومِ

عَلى صَفَحاتِ لَيْلِكِ المائِجِ

أَتُراني أَسْتَجْدي دَمْعَةً عَذْراءَ/ في شِتاءاتِ الخَطايا؟

سَرْبِليني بِمِعْطَفِ عَطْفِكِ الآسِرِ

لأُطفِئَ بَرْدَ الأَوْهامِ

يا مَنْ تَرْتَسِمينَ بَتولاً في أيْقونَةِ الطَّهارَةِ

لَوْحَةً سَماوِيَّةً تُشْرِقينَ/ عَلى تِلالِ ذِكْرَياتي

لأَظَلَّ ضَميرَكِ اليَسْتَتِرُ/ خَلْفَ جِبالِ صَمْتِكِ

عَلى شَواطِئِ العَتْمَةِ

يَدْرُجُ نَوْمُكِ اليَتَّكِئُ / عَلى عُكّازِ صَحْوَتي

وَفي إغْماءَةٍ شَهِيَّةٍ

يَشُدُّني حُنُوًّا/ إلى صَدْرِ غَفْوَةٍ سِحْرِيَّةٍ

أنا مَنْ أَثْمَلَني السَّهَرُ

ظَنَنْتُني كَفَفْتُ عَنِ المَشْيِ/ في تُؤْدَةِ أُسْطورَتِكِ

لكِنّي.. أَصْحو

لأَضْبِطَ خَيْطَ فَجْرِكِ/ يَتَلَصَّصُ في امْتِدادِهِ

يَتَمَطّى مُتَثائِبًا/ في ذاكِرَةٍ مَحْشُوَّةٍ بِضَبابِكِ

عَلى مَوائِدي التَزْدَحِمُ

بِرَقائِقِ بَسْمَتِكِ الشَّقِيَّةِ/ بِفَطائِرِ حُبِّكِ المَعْسولَةِ

أَأَقْتَرِعُ... عَلى

كِ سْ رَ ةٍ/ مِنْ خُبْزِ نُعاسِكِ؟

أَأُقامِرُ على/ نَ غْ مَ ةٍ

مِنْ ماءِ هَذَيانِكِ؟

أَتُبَعْثِريني بِـ/ حَ فْ نَ ةٍ

مِنْ خَميرَةِ أشْعارِكِ؟

مَعْصِيَتي النَّقِيَّة!

مَذاقُ الدَّهْشَةِ كافِرٌ

يُعَرْبِدُ فارِعًا بِكِ/ فارِغًا إِلاّ مِنْكِ

يُعاكِسُ خُطى صَمْتِكِ/ في مَرايا غُموضِكِ

أَيَّتُها الغابَةُ التَتْرَعينَ بِوَحْشِيَّةِ الجَمالِ

إلامَ يَظَلُّ يَفْتَرِسُني ضِياؤُكِ الشّرِسُ؟

إلامَ تَظَلُّ تُلَوِّنُني رائِحَةُ عَتْمَتِكِ الوَضّاءَةِ؟

يا مَنْ/ عَلى عَتَباتِ خافِقي المَهْجورِ

تَنْبُتينَ أَشْجارَ زينَةٍ/ تَفوحُ بِزَهْرِ صَوْتِكِ

يَزْدانُ بِكِ فِرْدَوْسُ نِداءاتي

أَتَقولينَ: سَلامي لَكَ َمطَرًا!؟

سَلامُكِ!/ تَصْدَحُ بِهِ حورِيّاتُ النُّجومِ/ في سُهولِ لَيْلي

لِتَحْتَفِيَ بِأَعْراسِ حُزْني

سَلامُكِ!/ يَبُثُّ احْتِراقَ عُيوني/ بِعُذوبَةٍ مُتَوَحِّشَةٍ

بِلُغَةٍ خُرافِيَّةٍ/ تُضيئينَ تَثاؤُبَ وَهْمي/

بِنورِ غُيومِكِ/ يُثَرْثِرُ قُزَحُ نَبْضي

وَبِفِرْشايَةِ أنْغامِكِ أَذوبُ موسيقى

تَتَلَوَّنُ في مَفاتيحِ البَوْحِ

تُمْطِرينَ سَلامَكِ/ فَيْضَ روحٍ عَلى روحي

وَسَلامي ظامِئٌ/ يَرْتَشِفُ طَلَّ فَجْرِكِ

يَتَرَدَّدُ صَدى مَلَكوتِكِ/ وَلَهًا.. حَنانًا..

وتخشعَ سَمائي مَزْهُوَّةً

بِتَسابيح نَوافيرِ أنْفاسِكِ! 

ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ:

السّلامُ هو التّحيّةُ في جميع الأديانِ السّماويّةِ، والسّلامُ هو المنشودُ الّذي تَنشدُهُ وتتمنّاهُ البّشريّةُ والإنسانيّة، والـمطرُ هو الخيرُ والبَرَكةُ والخصْبُ والازدهارُ والحُبُّ والطمأنينة. وعنوانُ الكتابِ مأخوذٌ مِن إحدى قصائدِ الكتابِ نفسِه.(6).

والعنوانُ مُكوّنٌ مِن جُملةٍ اسميّةٍ؛ سلامي: المبتدأ، وهو مضاف، وياء المتكلم في محلّ جرّ مضاف إليه، و"لك" شبه الجملةِ في محلّ رفع خبر للمبتدأ، و"مطرًا": تمييز منصوب. 

ولْنُدقّقْ في العنوانِ مرّةً أخرى، بعدَ أن نستجليَ معاني السّلام، و"السَّلَام: اسمٌ مِن أَسمائِهِ تعالَى، والسَّلَام التّسليم، والسَّلَام التّحِيَّة عند المسلمين. والسَّلَام السّلامةُ والبراءةُ مِن العيوبِ، والسَّلَام الأَمان، والسَّلَام الصُّلْحُ، والسَّلَام النّشيدُ الوطنيُّ الرّسميّ. والسَّلَام ضربٌ مِن الشّجر. ودارُ السَّلامِ: الجنّة. ومنهُ في التّنزيلِ العزيز:  (لَهُمْ دارُ السَّلَامِ) الأنعام آية 127،  والسَّلَام بَغْدَاد.(7)  

والمعنى الّذي تومِئُ إليهِ الشّاعرةُ يتمثّلُ في السَّلام والأَمانِ والصُّلْحُ بينَ بَني البَشر، وليسَ الحربُ والقتلُ والتّدميرُ كما في شريعةِ الغاب، واختزلَتِ الشّاعرةُ فيما تريدُهُ في ثلاثِ كلماتٍ، راعَها القتلُ والتّدميرُ والتّخريبُ والتّنكيلُ فيما يَجري حولَها وفي العالَمِ، هالَها احتلالُ وطنٍ والتّنكيلُ بأهلِهِ، راعَها القسوةُ بينَ بني البَشر، أفجعَها تدميرُ بلدانِ كما العراق، وإرجاعِهِ للعصرِ الحجَريّ...

وفي العنوانِ يتجلّى السّؤالُ: لمَنِ السّلام؟

فالسّلامُ مُوجّهٌ إليكَ يا أخي في الإنسانيّةِ، ليسَ لأخِ الشّاعرةِ ولا لبنيها ولا لأبناءِ وطنِها فقط، بل للعالمِ بأسرِهِ، وهنا مَكمَنُ الإيجازِ، ونعني به: الكثافةُ في استخدامِ الّلفظِ سياقيًّا وتركيبيًّا، وهذا ما تَحقّقَ عندَ شاعرتِنا.

تقولُ: في دُروبِنا العَتيقَةِ/ تُعَتِّقينَ خَواطِري فَرادَةً بِكِ/ إلامَ تَطْفو ذِكْراكِ عَلى وَجْهِ النِّسْيانِ؟/ بِغاباتِ فَرَحي المَنْذورِ لَكِ: صورةُ الشّاعرةِ وهي تتذكّرُ ما في خواطرِها، السّلامَ في بلدِها وما حولَها، سلامًا يحملُ في طيّاتهِ النّجابةَ والكرَمَ وسُمُوّ الرّوحِ والعتقِ، لكنّ ذاكرتَها لا تَلمَحُ ولا تتذكّرُ يومًا تنعمُ فيهِ بالأمنِ والسّلام، فهيَ بنتُ النّكبة.

وتتزاحمُ الاستعاراتُ، تتعتّقُ الخواطرُ، ولها ذاكرةٌ تطفو كما الشّيءِ فوقَ الماءِ، والنّسيانُ تُصوّرُهُ الشّاعرةُ برَجُلٍ لهُ وجهٌ، وللفرحِ غاباتٌ تُقدّمُها الشّاعرةُ للعالمِ عندما يَحلُّ السّلام.

تستخدمُ أسلوبَ النّداءِ، فهي تُنادي خواطرَها، وحرفُ النّداءِ محذوفٌ، والنّداءُ يُفيدُ التّعجّبَ مِن بُعدِ تحقيقِ السّلام، أو التّمنّي بحصولِ السّلام، لكن هيهات أنْ يَحُلَّ، كلُّهُ صاغتْهُ بعاطفةٍ صادقةٍ، واتّحدَ الشّكلُ معَ المضمونِ، فتقولُ: تَتَسَوَّلُكِ أَنْهارُ حُزْني ../ ظِلالَ بَسْمَةٍ تَدْمَعُ بِكِ/ لِتَرْسُوَ مَراكِبُ ذُهولي المَحْمومِ/ عَلى/ صَفَحاتِ لَيْلِكِ المائِجِ

لكلمةِ "تسوُّل" معنيان: معنى مُعجميٍّ يُفيدُ الاسترخاءَ، فنقولُ: تَسوّلَ البطنُ: أي؛ استرخى، لكنّ هذا المعنى تطوّرتْ دلالتُهُ ليُصبحَ بمعنى: سأَلَ واستعطى.

وهذهِ السّطورُ تتزاحمُ بالاستعاراتِ والكناياتِ، وهو ما يُعرَفُ بالانزياح والتّوسُّعِ الّلغويّ، فأنهارُ أحزانِ الشّاعرةِ تتوسّلُ وتستجدي ليسَ بسمةً، بل ظلّها، أو إن شئتَ قلتَ رائحةَ البسمةِ، وتريدُ الشّاعرةُ أن ترى إطلالةَ السّلام؛ لتتوقّفَ مَراكبُ الشّاعرةِ المَذهولةِ، مِن وقْعِ ما تُحدثُهُ الحروبُ والويلاتُ، مِن مآسٍ، وفواجعَ، وغيابٍ للسّلمِ والسّلام.

فللأحزانِ أنهارٌ تتوسّلُ، وللبسمةِ ظِلالٌ كما الشّجر، وللبسمةِ دموعُ الفرحِ ترحيبًا بالسّلامِ البَعيدِ المنشودِ، وللذُّهولِ مَراكبُ، وللّيلِ صفحاتٌ كما الكتابُ: كنايةً عن الدّمارِ والخراب، فهو مائجٌ كما البحر.

 وإذا كانَ حجازي قد ركّزَ على الذّاتِ، فإنّهُ لم يُهمِلْ دوْرَ الّلغةِ في عمليّةِ التّحويل، لأنّ الشِّعرَ عندَهُ عملٌ فنّيٌّ يتميّزُ بلغةٍ تتّفقُ في جوانبَ معَ لغةِ الحياةِ اليوميّةِ، لكنّها تختلفُ عنها بأبنيتِها، وإيقاعِها، وما تَحملُهُ مِن رموزٍ وإشاراتٍ، وهي تكشِفُ رؤيةً داخليّةً لا يُمكنُ تَصوُّرَها خارجَ العملِ الفنّيِّ ذاتِهِ.(8).

وتَختتمُ الشاعرةُ هذا المقطعَ بالانتقالِ للأسلوبِ الإنشائيّ فتقولُ: أَتُراني أَسْتَجْدي دَمْعَةً عَذْراءَ/ في شِتاءاتِ الخَطايا؟/ سَرْبِليني بِمِعْطَفِ عَطْفِكِ الآسِرِ/ لأُطفِئَ بَرْدَ الأَوْهامِ.

ففي السّطرِ الأوّلِ خرجَ النّداءُ عن معناهُ الحقيقيُّ؛ ليُفيدَ التّمنّي بتحقيقِ السّلام، وفي السّطرِ الثالثِ استخدَمَتِ الأمْرَ؛ ليُفيدَ التّمنّي، ليَتحقّقَ السّلامُ وتنزاحُ الأوهامُ.

وفي السّطرِ الثّالثِ تَجانُسٌ في الحُروفِ؛ لتَحقيقِ الإيقاعِ الصّوتيّ كما في لفظتَيْ: مِعْطَفِ عَطْفِكِ.

(أَتُراني أَسْتَجْدي دَمْعَةً عَذْراءَ): كنايةً عن إلحاحِ الشّاعرةِ ليَحُلَّ السّلامُ.

(في شِتاءاتِ الخَطايا؟): كنايةً عن الذّبحِ والتّدميرِ الّذي يَحصلُ في العالم؛ نتيجةَ غيابِ الأمنِ والسّلامِ، فشاعرتُنا تَستجدي باكيةً بدموعِها البريئةِ أن يَعُمَّ السّلامُ في بلادِ الله؛ في حومةِ انتشارِ التّدميرِ والتّخريبِ.

وتستخدمُ الشّاعرةُ أسلوبَ النّداءِ الّذي يُفيدُ الأسى والتّحسُّر، وتنتقلُ لأسلوبِ الأمْر، "سَربليني"؛ لتُجَسِّمَ وقْعَ هوْلِ المأساة.

يا مَنْ تَرْتَسِمينَ بَتولاً في أيْقونَةِ الطَّهارَةِ/ لَوْحَةً سَماوِيَّةً تُشْرِقينَ/ عَلى/ تِلالِ ذِكْرَياتي/ لأَظَلَّ ضَميرَكِ اليَسْتَتِرُ/ خَلْفَ جِبالِ صَمْتِكِ.

وتُنادي الشّاعرةُ مُناجيةً دموعَها وأحزانَها الطّاهرةَ البتولَ مريم، مُتمنّيةً تحقيقَ السّلام، وتلجأ الشّاعرةُ للانزياحِ، باستخدامِها الاستعاراتِ والكنايات والتّجسيم والتّشخيص: فالدّمعةُ كما المرأة البتول، ترتَسِمُ كما اللوحة السّماويّة المُشرقة، وللذّكرياتِ تلالٌ، وللصّمتِ جبالٌ، وهنا مواءَمةٌ بين لفظتَيْ: "تلال" وَ "جبال" وتقولُ: عَلى/ شَواطِئِ العَتْمَةِ/ يَدْرُجُ نَوْمُكِ اليَتَّكِئُ/ عَلى/ عُكّازِ صَحْوَتي/ وَفي إغْماءَةٍ شَهِيَّةٍ/ يَشُدُّني حُنُوًّا/ إلى صَدْرِ غَفْوَةٍ سِحْرِيَّةٍ

وما شدّني في هذا المَقطعِ والمَقطعِ السّابقِ كلمتَيْ: "اليَسْتَتِرُ" وَ "اليَتَّكِئُ"، ففيهِما اختراقٌ تركيبيٌّ عن طريقِ الحذفِ، وتقديرُ كلّ: الّذي يَستَتِرُ، والّذي يتّكئُ.

والشِّعرُ لهُ لغتُهُ الخاصّةُ به، وإنّ الحُكمَ على لغةِ الشِّعرِ ينبغي أن يَنبثقَ مِن إدراكٍ لطبيعةِ هذه الّلغة، دونما تحكيمٍ لمعاييرِ لغةِ الكلامِ العاديّ، لأنّ مثلَ هذا الحُكمِ يؤدّي إلى أن تفقدَ الّلغةُ الشِّعريّةُ كثيرًا مِن سماتِها(9).

تقولُ الشّاعرةُ: "شواطئ العتمة"؛ كلمتانِ قصيرتانِ ومعناهُما كبيرٌ جدًّا، فهذهِ هي الكثافةُ الشِّعريّةُ والتّوهُّجُ العاطفيُّ، الّتي لا يُتقنُهُما إلّا الشّاعرُ الّذي مَلَكَ ناصيةَ الشِّعرِ، ففي العبارةِ كنايةً عن غيابِ الأمنِ والسِّلمِ العالميّ، وللعتمةِ شواطئُ كما البحر، والبحرُ ذو لجّةٍ وصعبٌ ركوبُهُ، عباراتٌ موحِيةٌ، والإيحاءُ فيهِ التّلميحُ، وهو أبلغُ مِنَ التّصريحِ، ووقْعُهُ في النّفسِ أعمقُ على طريقةِ الرّمزيّينَ. 

والنّومُ يتكئُ على عكّازة الشّاعرة، والشّاعرةُ مُغمًى عليها، هروبًا مِنَ الواقع وتشتهي ذلك؛ لهَوْلِ ما ترى مِن كوارثَ، ولا تَستطيعُ الوقوفَ على قدمَيْها، تستعينُ بعكّازتِها مِن هوْلِ ما ترى، ومِن فواجع ما تسمَعُ.

تَشعرُ بحلاوةِ الغفوةِ، كما تشعرُ بشهوةِ الإغماءِ، فلم تَعُدْ قادرةً على أنْ تعيشَ الواقعَ المُرَّ، واقعَ شريعةِ الغابِ، يا لَها مِن شاعرة! ويا لحلاوةِ ألفاظِها! روعةٌ في التّعبيرِ، وجَمالٌ في التّصوير، ودَفْقُ عواطفَ تَخلِبُ الألبابَ وتأسرُ العقولَ، فالنّومُ يتّكئُ على عكّازةِ الصّحوة، وللإغماءِ شهوةٌ، وللغفلةِ صدرٌ وسِحرٌ.

أنا مَنْ أَثْمَلَني السَّهَرُ/ ظَنَنْتُني كَفَفْتُ عَنِ المَشْيِ/ في تُؤْدَةِ أُسْطورَتِكِ/ لكِنّي.. أَصْحو/ لأَضْبِطَ خَيْطَ فَجْرِكِ/ يَتَلَصَّصُ في امْتِدادِهِ/ يَتَمَطّى مُتَثائِبًا/ في ذاكِرَةٍ مَحْشُوَّةٍ بِضَبابِكِ.

وتُتابعُ شاعرتُنا نصَّها بالأسلوبِ الخبَريِّ، تقديرًا وحُبًّا في إحلالِ السّلامِ والسِّلمِ العالميّ، فلقدْ أحبّ السّهرُ شاعرتَنا ومالَ إليها، لكثرةِ سهرِها وهي تترقّبُ مجيءَ السّلامِ في أرضِ السّلامِ، وهي لن تكُفَّ عن مَطلبِها، وهي ليستْ في عجلةٍ مِن أمرِها ولن تجزعَ، تترقّبُ أن يَبزُغَ فجرُ السّلامِ، وتُريدُ ممّنْ يتفوّهُ بالسّلام أنْ يُحقّقَ السّلام، وألّا يَسلُكَ مَسالِكَ ضبابيّةٍ. والنّصُّ حافلٌ بالكِناياتِ والاستعاراتِ، ومِن أساليبِ الانزياحِ ممّا يُحقّقُ الجَمالَ الشِّعريّ: 

"ظَنَنْتُني كَفَفْتُ عَنِ المَشْيِ": كنايةً عن إصرارِ الشّاعرةِ بمُطالبتِها بتحقيقِ السِّلم والسّلام.

"في تُؤْدَةِ أُسْطورَتِكِ: كنايةً عن صبْرِها، وهي تنتظرُ السّلامَ.

لأَضْبِطَ خَيْطَ فَجْرِكِ: شبّهَتِ الفجرَ بنسيجٍ أو بثوبٍ لهُ خطوطٌ، والفجرُ: كنايةً عن إطلالةِ السّلام.

"يَتَلَصَّصُ في امْتِدادِهِ": كنايةً عنْ وجودِ إشاراتٍ خفيّةٍ بتحقيقِ السّلامِ. "يَتَمَطّى مُتَثائِبًا": شبّهَتِ الفجرَ بإنسانٍ يَتثاءَبُ ويتمطّى، وكلمَتَيْ (يتمطّى وَيتلصّصُ) جاءتا على نفسِ الوزنِ، لخلْقِ إيقاعٍ جميلٍ، وفيهِما إيحاءٌ يُلمِّحُ على أنّ السّلامَ بعيدُ المَنالِ، ولا يَجدُ مَنْ يَدعو لتحقيقِهِ فِعلًا، مِن أصحابِ المَصالحِ المُتنَفِّذينَ بالقوّة، والمُتسلِّحينَ برأسِ المالِ.

"في ذاكِرَةٍ مَحْشُوَّةٍ بِضَبابِكِ": كنايةً عنْ ضبابيّةٍ في إحلالِ السِّلمِ والسّلامِ العالميِّ.  فلُغةُ الكَلامِ اليوميِّ تَهدفُ فيما تَهدفُ إليهِ، الإفهامَ والتّوصيلَ، ولا تَستخدِمُ مِن عناصرِ النّظامِ الّلغويّ إلّا القدْرَ الضّروريّ الّذي يُحقّقُ لها هدفَها، في حين أنّ الّلغةَ في الأدبِ تتجاوزُ تلكَ المُهمّةِ، إلى تحقيقِ مُواصفاتٍ جَماليّةٍ(10).  

عَلى/ مَوائِدي التَزْدَحِمُ/ بِرَقائِقِ بَسْمَتِكِ الشَّقِيَّةِ/ بِفَطائِرِ حُبِّكِ المَعْسولَةِ/ أَأَقْتَرِعُ.. عَلى/ كِ سْ رَ ةٍ/ مِنْ خُبْزِ نُعاسِكِ؟/ أَأُقامِرُ على/ نَ غْ مَ ةٍ/ مِنْ ماءِ هَذَيانِكِ؟/ أَتُبَعْثِريني بِـ/ حَ فْ نَ ةٍ/ مِنْ خَميرَةِ أشْعارِكِ؟

المُنتصِرونَ على الإنسانيّةِ المُعذّبةِ: وتتساءَلُ الشّاعرةُ مُخاطِبةً طُغاةَ العالَمِ، والّذينَ يَستوْلونَ على ثرواتِ الشّعوبِ المَغلوبةِ على أمْرِها: أيُرضيني فتاتُ مائدتِكَ المَجبولةِ بعرَقِ إهانتي واستهتارِكَ، وماكينةُ إعلامِكَ المُزيّفةُ أيّها المُتغطرسُ بقوّتِكَ؟ فكلامُكَ غيرُ أفعالِكَ.

"أأقامِرُ على نغمَةٍ مِنْ مَاءِ هذَيانِكِ"، وَ "أَتُبَعْثِرينَني بِـ/ حَ فْ نَ ةٍ/ مِنْ خَميرَةِ أشْعارِكِ؟": كنايةً  في كلٍّ، عن رفْضِ الشّاعرةِ تصديقَ ادّعاءاتِ طغاةِ العالَمِ بتَشدُّقِهم بالسّلام. والاستفهامُ يُفيدُ النّفيَ والاستنكارَ.

مَعْصِيَتي النَّقِيَّة!/ مَذاقُ الدَّهْشَةِ كافِرٌ/ يُعَرْبِدُ فارِعًا بِكِ/ فارِغًا إِلّا مِنْكِ/ يُعاكِسُ خُطى صَمْتِكِ/ في مَرايا غُموضِكِ. 

مُشكلةُ المُعذَّبينَ في الأرضِ، أنّ أقوالَ ووعودَ طُغاةِ العالَمِ بمساعدَتِهم للضّعفاءِ تنطلي عليهِم ويُصدّقونَها، لنقاءِ نفوسِهِم، ولغةُ طغاةِ العالمِ تَحتمِلُ المعنى وضِدّهُ، هي المُراوَغةُ بعيْنِها. 

وكلمتا: "فارِعًا" وَ "فارِغًا"، فيهِما جناسٌ غيرُ تامٍّ، يُولّدُ إيقاعًا"، وهُما مِن صيغةٍ واحدةٍ؛ "اسمُ فاعل" وعلى وزنٍ واحدٍ، وكذلكَ التّقفيةُ في كلمَتَيْ: "صَمْتِكِ" وَ "غُموضِكِ": انتهَتْ في كِلا الّلفظتَيْنِ بصوْتِ الكافِ، "إلّا أنّ هذا يجبُ أنْ لا يُوهِمَ بوصْفِ الإيقاعِ على أنّهُ مُجرّدُ وسيلةِ إطرابٍ، أو استجابةٍ لحاجةٍ نفسيّةٍ صرف، فهو "ذو قيمةٍ خاصّةٍ مِن حيثُ المعاني الّتي يُوحَى بها. وإذا كانَ الفنُّ تعبيرًا إيحائيًّا عن معانٍ تَفوقُ المعنى الظّاهرِ، فالإيقاعُ وسيلةٌ هامّةٌ مِن وسائلِ هذا التّعبيرِ، لأنّهُ لغةُ التّواترِ والانفعالِ"(11). 

إنّ النّصَّ الشِّعريَّ ما هو إلّا "جملةً طويلةً مُركّبةً، والّذي يُميّزُها عن الكلامِ العاديّ هو كيفيّةُ تنظيمِ وحداتِها الّلغويّة"(12). هذا التّمييزُ يَتِمُّ بواسطةِ التّركيبِ، فلا "يَخفى على أحدٍ مِنَ المَعنِيّينَ بقضايا الشِّعرِ، أنّ روحَهُ الفنّيّةَ كامنةٌ في تَركيبِهِ الّلغويّ"(13). 

أَيَّتُها الغابَةُ التَتْرَعينَ بِوَحْشِيَّةِ الجَمالِ/ إلامَ يَظَلُّ يَفْتَرِسُني ضِياؤُكِ الشّرِسُ؟/ إلامَ تَظَلُّ تُلَوِّنُني رائِحَةُ عَتْمَتِكِ الوَضّاءَةِ؟

الّلغةُ الشِّعريّةُ أحيانًا "لا تَستجيبُ– في كلِّ حينٍ– لمَعاييرِ القياسِ الّلغويّ، الموصوفِ في كُتبِ الّلغةِ والنّحوِ المَضبوطةِ والمَوزونةِ بالقواعدِ الصّرفيّةِ والنّحويّةِ المَعروفة، وتعملُ الّلغةُ ضمنَ الاستخدامِ الكَلاميِّ العاديّ، على تأكيدِ طبيعتِها المُنتظَمةِ، في حينٍ يَقومُ الاستخدامُ الشِّعريُ على كسْرِ ذلكَ الانتظامَ، فلا يُصبحُ لِلُّغةِ في النّصِّ الشّعريِّ أيّةَ علاقةٍ ثابتةٍ تَحفظُ وجودَها المُنتظَمَ، على الرّغمِ مِن أنّ النّصَّ الشِّعريَّ "في حالةِ تَشَكُّلِهِ، يَخضعُ لقوانينِ الّلغةِ العاديّةِ.. يُشكِّلُ في ذاتِهِ لغةً جديدةً، بقدْرِ ما يَخلقُ أشياءَ يُقيمُ بينَها علاقاتٍ معيَنةً"(15).

يا مَنْ/ عَلى/ عَتَباتِ خافِقي المَهْجورِ/ تَنْبُتينَ أَشْجارَ زينَةٍ/ تَفوحُ بِزَهْرِ صَوْتِكِ/ يَزْدانُ بِكِ فِرْدَوْسُ نِداءاتي/ أَتَقولينَ:/ سَلامي لَكَ َمطَرًا!؟ 

 وخاتمةُ هذا المَقطعِ "سَلامي لَكَ مطَرًا!"، هو البُنيةُ الأساسيّةُ للنّصِّ،" والاستفهامُ في "أتَقولينَ" يُفيدُ التّعجُّبَ مِن بُعدِنا عن السّلامِ وتَحقيقِهِ، بيْدَ أنَّ النّصَّ الشِّعريَّ يُمكنُ أنْ يَصهَرَ في بوْتقتِهِ أكثرَ مِنْ تَقنِيّةٍ فنّيّةٍ تنتمي إلى أجناسٍ أدبيّةٍ أخرى، ومنها التّقنيّةُ السّرديّةُ عامّةً، أو أحَدُ أدواتِها الفنّيّةِ، وأعني بهِ الحوارَ حيثُ يُطوِّعُهُ الشّاعرُ، وحسبَ السِّياقِ الشِّعريِّ للنّصِّ- ويُفيدُ مِنْ إمكاناتِهِ وآليّاتِهِ، ويُوَجِّهُهُ الوجهةَ الّتي مِن شأنِها أنْ تنعكسَ على معمارِ القصيدةِ، وتَهَبَها القدرةَ على التّشويقِ والنّفاذِ إلى قلبِ المُتلقّي وفِكرهِ.

وعندَ شاعرتِنا، فإنّ "الشِّعرَ الحقيقيَّ ما كانَ نتيجةً لِتَجربةٍ شعوريَّةٍ صادِقةٍ، مُنبثقةٍ عن تَوَتُّرٍ نفسيٍّ مُتَأجِّجٍ، تُحرِّكُهُ خلجاتُ النّفسِ وانفعالُها بِمَشهدٍ معُيّنٍ، ولَعَلَّ هذا التَّوَتُّرَ النّفسيَّ أضحى في زمانِنا أكثرَ وهجًا، وأعظمَ تأجُّجًا، فالشّاعرُ الرِّساليُّ المُعاصِرُ، يُؤلِمُهُ ما يرى عليهِ مُجتمعُهُ مِن سُلُوكاتٍ وأخلاقٍ، تَتَنَافَى معَ عقيدتِهِ ومبادئِهِ، فتراهُ غيرَ راضٍ ولا مُطمئنٍّ، تَحُزُّ في نفسِهِ هذهِ المَشاهدُ المُؤْلِمةُ، وتُؤْرّقُهُ هذهِ المَظاهرُ السَّقيمةُ، حتّى "أصبحَ فريسةَ ضغوطٍ هائلةٍ لا تُطَاقُ، تَنْصَبُّ عليهِ مِن كُلِّ مكانٍ"[16].

سَلامُكِ!/ تَصْدَحُ بِهِ حورِيّاتُ النُّجومِ/ في سُهولِ لَيْلي/ لِتَحْتَفِيَ بِأَعْراسِ حُزْني/ سَلامُكِ!/ يَبُثُّ احْتِراقَ عُيوني/ بِعُذوبَةٍ مُتَوَحِّشَةٍ/ بِلُغَةٍ خُرافِيَّةٍ/ تُضيئينَ تَثاؤُبَ وَهْمي/ بِنورِ غُيومِكِ/ يُثَرْثِرُ قُزَحُ نَبْضي/ وَبِفِرْشايَةِ أنْغامِكِ أَذوبُ موسيقا/ تَتَلَوَّنُ في مَفاتيحِ البَوْحِ.

وتبدأ الشّاعرةُ هذا المَقطعَ والمَقطعَ الّذي سبَقَهُ بقوْلِها: "سلامُكِ"، وهو مُنادى يُفيدُ التّعجُّبَ، وحرْفُ النّداءِ محذوفٌ، وتُبيِّنُ الشّاعرةُ مُتعجِّبةً، مِن  أنَّ السّلامَ الّذي يُنادي بهِ طغاةُ العالَمِ، والّذي تَصدَحُ بهِ حوريّاتُ النّجومِ ما هو إلّا وهْمٌ وخِداعٌ يَختفي في سهولِ ليلِ الشّاعرةِ، ويَبُثُّ الحُرقةَ بوحشيّةٍ في عينيْها، والتّكرارُ جاءَ لتوليدِ الإيقاعِ، ولتأكيدِ معنًى يُفيدُ مُراوَغةَ طغاةِ العالمِ في إحلالِهم للسّلام، ومَقاطعُ القصيدةِ حافلةٌ بالصُّوَرِ الفنّيّةِ، والاستعاراتِ، والكناياتِ، والمَجازِ، وهو يَندرجُ كلُّهُ في مَصبِّ التّحوّلِ، والانزياحِ، وخلْقِ حالةٍ جَماليّةٍ في النّصّ: فللنُّجومِ حوريّاتٌ تصْدَحُ كما للبحرِ، وفي العذوبةِ تَوحُّشٌ، وللخرافةِ لغةٌ، وللغيومِ نورٌ، وللأنغامِ فرشاةٌ، وللموسيقى مفاتيحُ تتلوّنُ.

تُمْطِرينَ سَلامَكِ/ فَيْضَ روحٍ/ عَلى/ روحي/ وَسَلامي ظامِئٌ/ يَرْتَشِفُ طَلَّ فَجْرِكِ/ يَتَرَدَّدُ صَدى مَلَكوتِكِ/ وَلَهًا.. حَنانًا../ وتخشعُ سَمائي مَزْهُوَّةً/ بِتَسابيح نَوافيرِ أنْفاسِكِ: والشّاعرةُ توّاقةٌ للسّلامِ، تُريدُهُ مطرًا وخيرًا يُشفي غليلَ روحِها، واستخدَمتْ أفعالَ المضارعةِ في هذا المَقطع، لبَثِّ الحيويّةِ، والنّشاطِ، وخلْقِ حالةٍ مِنَ الاستمراريّةِ. "فالشِّعرُ" لغةُ النّفسِ بكلِّ ما في النّفسِ مِن تَوتُّرٍ وانفعالٍ، في حينٍ أنّ لغةَ النّثرِ أقربُ إلى برودِ العقل".(17).

 وإنّ الشِّعرَ على حدِّ تعبيرِ – بول فاليري – (لغةٌ داخلَ لغةٍ)(18). ولقدْ أجادتْ شاعرتُنا في نصِّها هذا، مُلِحَّةً على طلبِ السّلمِ والسّلامِ ومُنادِيَةً بهِ، فهيَ مؤمنةٌ بما جاءتْ بهِ الدّياناتُ السّماويّةُ الّتي جاءتْ مِنْ أجلِ خيْرِ البّشريّةِ وأمْنِها وسلامتِها، "فلفْظُ السّلام" في القرآنِ الكريمِ: ورَدَ في أربعٍ وأربعينَ آيةً.

قالَ اللهُ تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمِ}.

وإنجيلُ المسيحِ هو رسالةُ سَلامٍ مِنَ اللهِ للإنسانِ. (لوقا 2: 14)، فهوُ "الكلمةُ الّتي أرسَلَها.. يُبشِّرُ بالسّلامِ بيسوعَ المَسيحِ. هذا هو ربُّ الكُلِّ" (أع 10: 36). وقد صارَ "لنا سلامٌ معَ اللهِ بربِّنا يسوعَ المَسيح". (رو 5: 1). ومَن يُنادونَ بالإنجيلِ إنّما يُبَشِّرونَ بالسّلامِ وبالخيراتِ (رو 10: 15).

وشاعرتُنا آمال عوّاد رضوان إنسانيّةٌ في فِكرِها وطرْحِها، فهيَ تَنطلِقُ في إبداعِها مِنْ منظورٍ إنسانيٍّ رحْبٍ، مَنبعُهُ قِيمُها العليا، ومِن مبادئِها المُثلى، ومِن منظومتِها الأخلاقيّةِ السّاميةِ، المُتمثّلةِ في الحقِّ، والخيْرِ، والجَمالِ، والعدالةِ، والحُرّيّةِ، مُنَفِّرَةً مِنَ القهرِ والظّلمِ الّذي اكتوَتْ بهِما روحُها، مُعبِّرةً عن أحاسيسِها برموزٍ فنّيّةٍ وإبداعاتٍ شِعريّةٍ. فهي لا تُريدُ السّلامَ فقط لنفسِها، ولا لعشيرتِها، ولا لوطنِها فقط، بل تريدُهُ للعالمِ أجمع بغضِّ النّظرِ عن العِرْقِ، أو الجنسِ، أو الدّين، أو الّلونِ، وهذا شِعرٌ إنسانيٌّ خالدٌ جديرٌ بالبقاء.

الهوامش:  

  1. جريدة السفير 9/6/2006، أحمد يزن.

 2.المصدر نفسه، السفير 9/6/2006 محمّد بنّيس

  1. سوزان برنار: ( جماليّة قصيدة النّثر، قصيدة النّثر من بودلير إلى أيّامنا)، ترجمة د. زهير مجيد مغامس، مطبعة الفنون، بغداد، ص 16.‏
  2. قصيدةُ النّثرِ المفهوم والجَماليّات- مقال دكتور مصطفى عطيّة جمعة،

http://dvd4arab.maktoob.com/f20/1504189.html

  1. انظر: رشيد يحياوي: قصيدة النثر ومغالطات التعريف، علامات، م8، حـ32، أيّار 1999، ص56.
  2. ديوان سلامي لك مطرا، آمال عوّاد رضوان، من ص 35 - ص 41، دار الزاهرة للنشر والتوزيع، المركز الثقافي الفلسطينيّ- بيت الشّعر، رام الله – فلسطين 2007.
  3. المعجم الوسيط، إبراهيم أنيس ورفاقه، ص471، ط2، القاهرة

وانظر مختار الصحاح، الرازي311، دار الفكر العربي، بيروت 1973

  1. حديث الثلاثاء: أحمد عبد المعطي حجازي (ج2) دار المريخ للنشر والتوزيع دار الرياض 1988.
  2. ينظر: الّلغة المعياريّة والّلغة الشّعريّة/ يان موكاروفسكي، ترجمة: ألفت كمال الروبي، فصول، ع1، مج5، ص 45، 1984 .
  3. نظرية اللغة في النقد الأدبي /عبد الحكيم راضي: 28، مكتبة الخانجي، مصر، د.ت.
  4. روز غريب، تمهيد في النقد الأدبيّ: 110، دار المكشوف، ط1، 1871، بيروت.
  5. أثر الّلسانيّات في النّقدِ الأدبيّ/ توفيق الزيدي: 73.
  6. الضرورة الشّعريّة: 17 ومفهوم الانزياح/ أحمد محمّد ويس، ص، التراث العربيّ، ع68، 1997.
  7. الّلغةُ الشّعريّة، دراسة في شعر حميد سعيد/ محمّد كتوني: 25 .
  8. صحيفة 26 سبتمبر، ص6، الاثنين 11/3/2013
  9. الضرورة الشعريّة ومفهوم الانزياح/ أحمد محمّد ويس، التراث العربيّ، ع68، 1997: ص117
  10. بنية الّلغة الشّعريّة، جان كوهن ص، 129 ترجمة: محمّد الوالي ومحمّد العمري، دار توبقال للنشر، ط1، 1986م .

 

 

 

 

 

مظاهرُ الحَداثةِ في شِعر آمال رضوان مِن خِلالِ دراسةِ قصيدتِها "نَدًى مَغْموسٌ بِغَماماتِ سُهدٍ"

عَلى ضِفافِ القَصائِدِ/ تَتَناثَرُ مَحاراتُ الهَوى
وَمِنْ ذاكِرَةِ الهُرُوبِ / تَتَسَلَّلُ أَسْرارُ الجَوى
فَلا نُمْسِكُ بِالمَحارِ / وَلا نَلْحَقُ بِالأَثَرْ
وَهَيْهاتَ يُسْعِفُنا الوَتَرْ
تَتَناءَى أَخادِيْدُ العَناوينِ/ تَتَهاوى سُدودُ الطُّمَأْنينَةِ
تَهدُّها فَيَضاناتُ الغِيابِ
أَتُراهُ البَوْحَ الوَلِهَ الطَّافِحَ بِها/ المَغْمورُ بِحُضورِها
لَيْسَ إلّا/ جَمالَ حُبٍّ يَخْتالُ عَلى شَرْخِ شَبابٍ؟
حُلُمَ عُمْرٍ يَتَجَسَّمُ حَقيْقَةً في غَيْرِ أَوانْ؟
يَبْسطُ اليَأْسُ كَفَّهُ/ وَتَشِحُّ يَدُ الزَّمان
تَتَثاءَبُ زَغارِيدُ مُرْتاعَةً
وَتَضيعُ الماسَةُ بَيْنَ أَكْوامِ النُّعاسِ وَالهَذَيانْ
تَتَماهَى مَوْجاتُ نِداءاتِ هُيامٍ/ تَنْدَهُ :
مَاسَتِي المَفْقُوْدَةَ/ أَيَّتُها النَّدِيَّةُ المَغْموسَةُ بِغَماماتِ سُهْدي
مَرْصودٌ أَنا لِنَدَى كَفَّيْكِ الحانِيَتَيْن
لِراحَتَيْكِ تُبلِّلانِ وَجْهِيَ بِعِطْرِ الأَقاحِيِّ
اِرْوي أَطْلالِيَ الظَّمْأى
وَشِّحِي آفاقَ عَشِيَّتِي بِقَوْسِكِ القُزَحِيِّ
شاغِليني .../ سائِليني .../ سامِريني بِوَميضِ عَيْنَيْكِ
أَيَّتُها القَصِيَّةُ عَن سِراجَيْ لَحْظي :
مَحْفوفٌ أَنا بِبَريقِ صَوْتِكِ - الكَوْكَب
يتْبعُهُ مَجوسُ الشَّغَفِ إِلى مَغارَةِ النَّجْوى
أَسْدِلي شالَكِ اللَّيْلِيَّ حِبْرًا باسِمًا عَلى بَياضِ القَلْبِ
لأُولِمَ مَوائِدَ شِعْرِي بِأَطْباقِ اللَّوْعَةِ
وَتُلَمْلِميني نُجومًا/ تُرَصِّعُ ضَفائِرَ أَشْعارِكِ
أَنْفاسُ اللَّيْلِ ما أَثْقَلَها/ تَرْحَلُ/ وَيَرْحَلُ لَيْلي العاثِرُ
يَحْمِلُ عَلى كاهِلِهِ غِيابَكَ الثَّقِيل
أَنْفاسُ غِيابِكَ/ تَتَساقَطُ مِنْ جَيْبِ اللَّيْلِ المُهْتَرِئِ
حَصاةً تَتْلوها حَصاةٌ/ نَجْمَةً تَحْدوها نَجْمَةٌ
تَتَوَهَّجُ سَرابَ دَرْبٍ خَفِيٍّ إِلَيْكَ
أَتَتَبَّعُ آثارَ خَفَقاتِها الشَّفيفَةِ
تُقَلِّبُني صَفَحاتُ اللَّيْلِ/ تَتَقَصَّفُ سَنابِلُ المَواعيدِ مُلْتاعَةً
وَتَشْلَحُني هَمَساتُ الأَطْيافِ/ عَلى سَواحِلِ الفَجْرِ
كَمْ مُوحِشَةٌ عَقارِبُ اللِّقَاءِ
تَتَعانَقُ وَحْدَها/ وَتَتَكَسَّرُ عَلى إِيقاعِ صَمْتِنا النَّحيلِ
في فُسْحَةِ اللَّوْعَةِ
تَتَلأَلأُ بِلَّوْراتُ غِبْطَةٍ عَلى حَدَقاتِ قَلْبي
تَجْدِلُ يَرَقاتُ العَتْمَةِ البَيْضاءِ أَهْدابَ جَداوِل وَجْدِي
وَما أَنْ يَعْدُوَ دَرْبي إِلَيْكَ/ مُتَضَوِّرًا حُلُمًا
في أَرْوِقَةِ هذا الزَّمانِ المُشَظَّى/ وَعَلى هَوامِشِ حُضورِكَ
حَتَّى تَصْبِغ قَوافِلُ الغُموضِ بَياضَ لَيْلي بِحِنَّاءِ اخْتِفائِكَ
تُشاكِسُني العَبَراتُ
لِتَغْفُوَ/ رَذاذَ خَوْفٍ عَلى سَريرِ شَفَتَيَّ
وَيَطْبَعَ السُّهْدُ عَلى جَبينِ اللَّهْفَةِ/ قُبْلَةً/ مَحْفوفَةً بِشَوْكِ الشَّوْقِ
في خِدْرِ الصَّمْتِ/ تَتَجَمَّرُ لأْلاَءً فِيْ مَحاجِرِ قَلْبي
تُقَبِّلُنِي/ تَشْتَعِلُ حُروفُ اسْمِكَ الأَخْضَرِ في مَوْقِدِ فَمي
تُمَثِّلُني بِدِفْءِ ضَوْئِكَ حَنينًا دائِمَ الاخْضِرار
تَتَقافَزُ بَراعِمُ العِناقِ/ تُزَقْزِقُ فِراخُ القُبَلِ
تُفَرْفِرُ .../ تَتَطايَرُ .../ يَفيضُ لِسانِي بِنورِ اسْمِكَ
يَغْسِلُ شِفاهِيَ مِنْ عَتْمَةِ الحِرْمان.

ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ: هذهِ القصيدةُ الثّانيةُ  للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، مِن كِتابِها الشِّعريِّ الثّاني "سَلامي لكَ مطرًا" الّتي نقومُ بدراستِها: وأول ما يطالعنا عنوان القصيدة "نَدًى مَغْموسٌ بِغَماماتِ سُهدٍ"(1). ويتكوّنُ مِن مبتدأ "ندى"، وهو نكرةٌ خُصِّصتْ بالوصفِ "مغموس"، والنّكرةُ تُفيدُ العمومَ والشّمولَ، لكنّها خُصِّصت، فأصبحتْ ما بينَ النّكرةِ والمَعرفةِ، ومِن جارٍ ومجرورٍ "بغَمامات"، في مَحلِّ رفع خبَر للمبتدأ، وقد أُضيفَ الاسمُ المَجرورُ إلى كلمةِ "سُهد"، هذا مِن حيثُ البنية التركيبيّة، أمّا مِن حيثُ المعنى:

فكلمة "ندى" تعني: الجودَ والكَرَمَ، كما تَعني المطرَ والبَلل(2). و"مغموسٌ" اسمُ مفعولٍ، و"الغَمْسُ إِرْسابُ الشّيءِ في الشّيءِ السَّيَّالِ، أَو النَّدَى، أَو في ماءٍ، أَو صِبْغٍ، حتّى اللّقمة في الحَلِّ غَمَسَه يَغْمِسُه غَمْسًا؛ أَي مَقَلَهُ فيهِ، وقدِ انْغَمَسَ فيهِ واغْتَمَسَ، والمُغَامَسَةُ المُمَاقَلَة.. وقالَ ابنُ مسعود: أَعظمُ الكبائرِ اليمينُ الغَمُوسُ، وهو أَنْ يَحلِفَ الرّجُلُ، وهو يَعلَمُ أَنّهُ كاذبٌ؛ ليَقتطِعَ بها مالَ أَخيهِ.

وفي الحديث: "اليمينُ الغَمُوسُ تَذَرُ الدِّيارَ بَلاقِعَ، هي اليمينُ الكاذبةُ الفاجر(3). ورجُلٌ سُهُدٌ: قليلُ النّوم؛ قالَ أَبو كبير الهذلي: فَأَتَتْ به حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّنًا/ سُهُدًا، إِذا ما نامَ ليلُ الهَوْجَلِ(4). فلقدْ أرادتِ الشّاعرةُ بمعنى العنوان: أنّ للشّاعرةِ أهلًا وأحِبّةً ووطنًا مُتشتِّتًا في الضّفّةِ والقطاعِ بفِعلِ الاحتلالِ، لكنّ الاحتلالَ فرَّقَ بينَهم، فالتّواصُلُ بينَ الكُلِّ هو الجودُ والخيرُ، لكنّ ذلكَ غائمٌ وغارقٌ في ضبابيّةِ القلقِ، والوجعِ الّذي يَدعو الشّاعرةَ للسّهرِ وقِلّةِ النّوم؛ بسببِ الفُرقةِ والانقطاعِ فيما بين الكُلّ، فالحواجزُ العسكريّةُ والقوانينُ الجائرةُ، وحُكْمُ القويُّ للضّعيفِ قسَّمَ الجسدَ الواحد.

 فتقول: نَدًى مَغْموسٌ بِغَماماتِ سُهدٍ/ عَلى ضِفافِ القَصائِدِ/ تَتَناثَرُ محاراتُ الهَوى/ وَمِنْ ذاكِرَةِ الهرُوبِ/ تَتَسَلَّلُ أَسْرارُ الجَوى/ فَلا نُمْسِكُ بِالمَحارِ/ وَلا نَلْحَقُ بِالأَثَرْ/ وَهَيْهات.. يُسْعِفُنا الوَتَرْ: صورةُ تَناثُرِ محاراتِ الهَوى والأصدافِ الّتي تحوي الجواهرَ حولَ قصائدِ الشّاعرةِ، هي كالنّهرِ بضِفّتيْهِ، والشّاعرةُ تَعشقُها، وتُحاولُ الوصولَ إليها، لكنّها عاجزةٌ، فتهربُ وتتشتّتُ أفكارُها تَشتُّتَ المَحاراتِ، ولا تتمكّنُ مِنَ الوصولِ إليها، وتستبعِدُ الشّاعرةُ أنَّ شدْوَها الحزينَ قدْ يُسعِفُها بنِسيانِ جواهرِها أو وُصولِها، فتَوحُّدُ الوطنِ بعيدٌ بُعْدَ حرّيّتِهِ. وبهذهِ الصُّوَرِ المُركّبةِ عبَّرَتِ الشّاعرةُ عن مكنوناتِ نفسِها، فقدِ اندمَغَ الشّكلُ بالمضمونِ، وانجبَلتِ العاطفةُ الصّادقةُ في الّلغةِ، واندمجَتِ العناصرُ كلُّها في بعض، و "أصبحتِ الصّورةُ- في شِعر الحداثةِ- هي الفِكرة، ولا انفصالَ بينَهما. ومِن جهةٍ أخرى، فقدْ تغيّرتِ العلاقةُ بينَ عناصرِ الصّورةِ، بشكلٍ أصبحتْ فيهِ هذهِ العلاقةُ تقومُ على صَهرِ العناصرِ، لا على تَجاوُزِها وتَقابُلِها، أي تمَّ الانتقالُ "مِن الثنويّة البلاغيّةِ إلى الشِّعريّةِ الصّاهرة"(5).

هذا مَظهرٌ مِن مَظاهرِ شِعرِ الحَداثة. وبالقدْرِ الّذي يَمنحُهُ هذا الاستخدامُ التّقفويّ– للشّاعرة- مِن حُرّيّةٍ في توزيعِ القوافي على مساحةِ القصيدة، دونَ إلزامِها بنِظامٍ مُحدّدٍ، فإنّهُ في الوقتِ عينِهِ، يَفرضُ عليها مُهِمّةَ تَحقيقِ التّوافقِ والانسجامِ والانتظامِ الموسيقيِّ داخلَ كيانِ القصيدةِ، وهذهِ مُهمّةٌ ليستْ سهلةً معَ غيابِ ضابطٍ موسيقيٍّ خارجيٍّ، كانَ يَسمحُ للشّاعرِ دائمًا بالالتجاءِ إليهِ؛ لتحقيقِ ذلكَ الانسجامِ المطلوب، وعلى الرّغمِ مِن أنّ هذهِ التّقفيةَ الّتي تتنوّعُ تنوُّعًا كبيرًا في القصيدةِ الواحدة، تنتقلُ بالقصيدةِ– على مستوى البناء- إلى مرحلةٍ أكثرَ تعقيدًا، إلّا أنّ الشّعراءَ المُحْدِثينَ الباحثينَ عن كلِّ ما يَجعلُ القصيدةَ تتقدّمُ إلى مرحلةٍ أكثرَ تطوُّرًا، يُمعِنونَ في تكريسِ هذا النّمطِ البنائيِّ، لا بل يتفنّنونَ في استخدامِهِ، لذلك كانَ النّوعُ الأكثرُ "دوَرانًا" في الشّعرِ الحُرّ.

إنّ هذا التّغييرَ الحُرَّ الّذي تتميّزُ بهِ هذهِ التّقفيةُ، يَمنحُ الشّاعرةَ قدرةً أكبرَ على استثمارِ الوظيفةِ الدّلاليّةِ للقافية، بنحوٍ أفضلَ ممّا تَمنحُهُ الأنواعُ الأخرى، لأنّها غيرُ مضطرّةٍ لاستخدامِ تقفيةٍ مُعيّنةٍ، ما لمْ تُؤَدِّ وظيفةً دلاليّةً، زائد وظيفتها الإيقاعيّة.(6). وللنّظرِ لقافيةِ الرّاءِ في السّطورِ الثّلاثةِ الأخيرة، في الكلمات: بالمحار، بالأثر، الوتر، فهيَ متجانسةٌ لخلقِ إيقاعٍ موسيقيٍّ يَسري في ثنايا المقطوعة، وكذلكَ الألف المقصورة في كلٍّ مِن كلمَتَيْ "الهوى" وَ"الجوى"، حيثُ القافية الموحّدة، ونفس الوزن، وما فيهما من جناسٍ غيرِ تامّ، بالإضافةِ لتكرارِ حرفِ الجَرّ (الباء) في كلٍّ مِن: بالمَحار وبالأثر. كلُّ ذلك أثرى القصيدةَ بإيقاعٍ عذبٍ.

تَتَناءى أَخاديدُ العَناوينِ / تَتَهاوى سُدودُ الطُّمَأْنينَةِ/ تَهُدُّها فَيَضاناتُ الغِيابِ: مِن مَظاهرِ شِعرِ الحداثةِ- كما هو الحالُ في شِعرِ القصيدةِ النّثريّةِ عندَ شاعرتِنا آمال- حُرّيّةُ القافيةِ، والتّخلُّصُ مِنَ الرّتابةِ الّتي تُقيِّدُ الشّاعرَ، وتَحُدُّ مِن حرَكتِهِ الإبداعيّة، لكنّها تُركِّزُ على عناصرَ مُهمّةٍ، لخلْقِ إيقاعٍ يَسري في مفاصلِ القصيدة، ومِنَ اندماجِ الصّورة في الشّكل، وكلُّ سطرٍ في هذا المَقطعِ مبدوءٌ بصوتِ "التّاء"، الّذي تَكرَّرَ خمسَ مرّاتٍ في ثلاثِ كلماتٍ. إنّ وعيَ الشّاعرةِ كانَ وراءَ هذا التّكرار، وكأنّها تتعمّدُهُ مِن أجل أن تصِلَ إلى غرَضِها، فهي مِن خلالِ تِكرارِها للحرفِ، فإنّها تدَعُ إيقاعًا موسيقيًّا داخليًّا، وهذا الإيقاعُ الموسيقيُّ الدّاخليُّ يُدلّلُ– على الأقلّ- على النّغمةِ الانفعاليّةِ الّتي تقصدُها الشّاعرة، (وهي بلا شَكٍّ نغمةٌ حزينة).. وعلى الرّغم مِن ذلكَ، فإنّ تِكرارَ الصّوتِ يُسهِمُ في تهيئةِ السّامعِ للدّخولِ في أعماقِ الكلمةِ الشّعريّة(7).

و"التّاءُ" صوتٌ انفجاريٌّ مهموسٌ، وتِكرارُ اﻷﺻﻮاتِ اﻻﻧﻔﺠﺎرﻳّﺔِ ﺗﺪلُّ ﻋﻠﻰ ﺣﺮﻛﺔِ اﻟﻐﻠﯿﺎنِ اﻟﻨّﻔﺴﻲِّ، واﻟﺘّﻮﺗُّﺮ اﻟﻤُﺴﺘﻤﺮ اﻟّﺬي تُعايشُهُ الشّاعرةُ ﻣﻊَ وﺟﻮدِ ﺛﻮرةٍ داخليّةٍ نفسيّةٍ مُكتنزةٍ، فاﻟﻤُﺮﻛَّﺐ اﻟﻨّﻔﺴﻲّ ﻟﻠﺸّﺎﻋﺮةِ في تلكَ الّلحظةِ الشّعوريّةِ ﻘﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻐﻠﯿﺎنِ واﻟﺜّﻮرةِ اﻟﻨّﻔﺴﯿّﺔِ، فوجدَتِ الشّاعرةُ مُتنفَّسًا لها في هذهِ الأصواتِ الانفجاريّةِ، وھﺬا ﺟﺰءٌ ﻣِﻦ اﻟﺘّﻔﺎﻋﻞ الكيميائيِّ ﺑﯿﻦ اﻟﺼّﻮتِ واﻟﻤُﺮﻛّﺐ اﻟﻨّﻔﺴﻲّ ﻓﻲ المَقطع. ومِن ذلكَ، فإنّ النويهي يَذهبُ إلى أنّ "البَحرَ العربيّ المأثورَ ذو موسيقى حادّةٍ بارزةٍ، شديدةِ الجهْرِ، عنيفةِ الوقْعِ على طبلةِ الأذن، عظيمةِ الدّرجةِ مِنَ التّكرارِ والرّتوب. وهذهِ طبيعةٌ يَنفرُ منها ذوقُنا الحديثُ، ولمْ تَعُدْ آذانُنا تَحتملُها، وأصبحْنا نراها شيئًا بدائيًّا، لا يَعجَبُ بها إلّا ذوو الأذواقِ الفجّةِ الّتي لمْ تنضجْ"(8). كما استهلّتْ شاعرتُنا كلَّ سطرٍ في هذا المَقطعِ بأفعالِ المضارعة: تتناءى، تتهاوى، تهدّها، والفعلُ المضارعُ هنا يُفيدُ الاستمراريّةِ، استمراريّة تقطيع أجزاءِ الوطنِ الواحد، ولجَأتْ للفِعل المضارع؛ لبثِّ الحيويّةِ، والنّشاطِ، وتوليدِ الحرَكةِ، ولتِبيانِ استمراريّةِ المأساة. والأفعالُ الثّلاثةُ أفعالٌ توحي بالتّناثرِ والتّباعُدِ، وبالأخصِّ الفعلُ "هَدَّ"، كلمةٌ قليلةُ الحروفِ، موحيةٌ وموجزةٌ، ومعناها ليسَ الهدم، بل المبالغة في الهدْم والكسْر.

وتقولُ: البَوْحُ الوَلِهُ المُفْعَمُ بِها/ مَغْمورٌ بِحُضورِها/ أَتُراهُ.. لَيْسَ إلّا/ جَمالَ حُبٍّ يَخْتالُ عَلى شَرْخِ شَبابٍ؟/ حُلُمَ عُمْرٍ تَجَلَّدَ بَحْرُهُ في غَيْرِ أَوانْ؟: صورةُ الشّاعرةِ بحُزنِها الشّديدِ لانفصامِ الوطنِ الواحد، وتقطّعتْ سبُلُ الوصولِ إليهِ، وتَحلمُ بهِ، كما يختالُ مُحِبٌّ شابٌّ بحُبِّهِ، لكنّ هذا الحُلمَ يبدو أنّهُ في غيرِ أوانِه. فـ "الولهُ"، كلمةٌ موحِيَة موجزةٌ، ومعناها: الحزنُ الشّديدُ يُذهِبُ بعقلِ صاحبِهِ، ويحتارُ، فالوَلهُ مغمورٌ، وللحُضورِ غمرةٌ كمَن يَنزلُ في الماءِ، وجَمالُ الحُبِّ يَختالُ، وللشّبابِ شرْخٌ، والحُلمُ يَتجلّدُ ويصبرُ، وله بحْرٌ....

إنّها انزياحاتٌ جَماليّةٌ تُثري الموضوعَ رونقًا، وتُكسِبُهُ بهاءً، وقد أجادتْ شاعرتُنا آمال في وصْفِ تراكيبِها وصُوَرِها الفنّيّةِ، ففي شِعرِ الحداثةِ (تغيّرتْ علائِقُ الإدراكِ الحسِّيِّ المُعاصِرِ لتَغييرِ طبيعةِ الإدراكِ ذاتِها، فقدْ أصبحَتِ العلاقاتُ مُنبثِقةً مِن بُنيةِ الصّورةِ الشّعريّةِ، فالصّورةُ الشِّعريّةُ لا نَجِدُ مُطابِقًا لها في الواقعِ، لأنّها تَسعى إلى إدراكِ حقائقِ الأشياءِ وجوْهرِها، والسّبيلُ الصّحيحُ إلى إدراكِ الصّورةِ الشّعريَّةِ، يَتطلّبُ فهْمًا عميقًا للرّؤيةِ الفنّيّةِ المُرَكَّبَةِ عندَ الشّاعرِ، الّتي تختلفُ فيها رؤيةُ الشّاعرِ عن رؤيةِ النّاسِ العاديّينَ(9).

وتقولُ: يَبْسُطُ العِتابُ كَفَّهُ وَتَشِحُّ يَدُ الزَّمانِ/ تَتَثاءَبُ الزَّغاريدُ مُرْتاعَةً/ وَتَضيعُ الماسَةُ/ بَيْنَ أَكْوامِ النُّعاسِ وَالهَذَيانْ: هذا المَقطعُ ألفاظُهُ تتوشّحُ بوشاحِ الحُزنِ والأسى، كما في نحو: العتاب، تتثاءب، تضيع، النعاس، الهذيان، مرتاعة.. وهذهِ سِمةٌ مِن سِماتِ شِعرِ الحداثةِ أجادَتْها شاعرتُنا آمال، ولقدْ تأثّرَ الشِّعرُ العربيُّ الحديثُ بالواقعِ السّياسيّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ الجديد، وهو مُنفتحٌ على آفاقٍ معرفيّةٍ مُتنوّعةٍ، كما شكّلتْ هزيمةُ 1967 مفاجأةً مُذهِلةً للوجدانِ العربيّ، وأحدَثتْ زلزالًا عنيفًا هزَّ مَشاعرَهُ، وأطاحَ بهِ في دوّامةِ التّيهِ والشّكِّ والرّيبةِ، فاستقرَّ الشّكُّ والقلقُ في قلبِهِ، ومِنَ النّتائجِ المُباشرةِ لذلك، ضعْفُ سُلطةِ الوجودِ العربيِّ التّقليديّ، وانهيارُ الواقعِ العربيّ الّذي زرَعَ الشّكَّ والقلقَ والضّياعَ في نفوسِ المُثقّفينِ والمُبدِعينَ، كما كانَ للاحتكاكِ بالثّقافةِ الغربيّةِ الدَّوْرُ الكبيرُ في انفتاحِ هذا الشِّعر، على كلِّ ما هوَ مُستحْدَثٌ في الخارج؛ لتجديدِ آليّاتِ الكتابةِ والتّعبيرِ، فقدْ تَسلَّحَ بمجموعةٍ مِنَ المَعارفِ الفلسفيّةِ والاتّجاهاتِ النّقديّةِ الغربيّة، فشاعتْ بينَهم أشعارُ (إليوت)، والسّيرةُ العربيّةُ التّاريخيّةُ، كَسِيرةِ عنترة، وأبي زيد الهلالي. "إنّ كلَّ مَذهَبٍ سياسيٍّ وفلسفيٍّ وأدبيٍّ يَظهرُ في أوروبّا، يَنعكسُ بطريقةٍ مُباشرةٍ أو غيرِ مُباشرةٍ على الواقع، (المقصود: الواقع العربيّ المُعاصر)، حتّى نرى تأثيرَهُ في الكتابةِ شِعرًا ونثرًا، وفي طُرقِ التّفكيرِ والسّلوك"10". في هذا المَقطعِ نجدُ أفعالَهُ كلَّها مُضارعة؛ لتُفيدَ استمراريّةً في المأساةِ؛ مأساةِ شعبٍ قُطِّعتْ أوصالُهُ منذُ أكثرَ ما يزيدُ عن ستّةِ عقودٍ ونصف.

ومِنَ الانزياحاتِ (يدُ الزّمان)، مَجاز مرسل علاقته السببيّة أو الجزئيّة، وهو تعبيرٌ مُوحٍ يَدلُّ على سطوةِ الزّمانِ وقوّتِهِ الضّاربة. (تَتَثاءَبُ الزَّغاريدُ مُرْتاعَةً): كنايةً عنِ انعدامِ الفرَح. و(يَبْسُطُ العِتابُ كَفَّهُ وَتَشِحُّ يَدُ الزَّمانِ): فلقدْ شبّهتْ شاعرتُنا العتابَ بإنسانٍ لهُ كفٌّ، وهذهِ العِبارةُ كنايةً عنْ جُورِ الزّمانِ. (وَتَضيعُ الماسَةُ/ بَيْنَ أَكْوامِ النُّعاسِ وَالهَذَيانْ): كنايةً عن فقدانِ الأمل. 

(تَتَماهى مَوْجاتُ نِداءاتِ هُيامٍ/ تَنْدَهُ:/ ماسَتي المَفْقودَةَ/ أَيَّتُها النَّدِيَّةُ المَغْموسَةُ بِغَماماتِ سُهْدي/ مَرْصودٌ أَنا لِنَدى كَفَّيْكِ الحانِيَتَيْنِ/ لِراحَتَيْكِ تُبَلِّلانِ وَجْهِيَ بِعِطْرِ الأَقاحيِّ/ اِرْوي أَطْلالِيَ الظَّمْأى/ وَشِّحي آفاقَ عَشِيَّتي بِقَوْسِكِ القُزَحِيِّ/ شاغِليني/ سائِليني/ سامِريني بِوَميضِ عَيْنَيْكِ): وفي هذا المَقطعِ تنتقلُ الشّاعرةُ إلى الأسلوبِ الإنشائيّ، فالنّداء في:" أَيَّتُها النَّدِيَّةُ المَغْموسَةُ بِغَماماتِ سُهْدي": تُفيدُ الأسى والحزنَ وفقْدَ الأمل، والمَقطعُ تَكثرُ فيهِ أفعالُ الأمر: اِرْوي، شاغِليني، سامِريني، سائِليني، وَشِّحي، وكلُّها تُفيدُ التّمنّي، تتمنّى الشّاعرةُ أنْ تنزاحَ الغمّة، ويَرجعَ الوطنُ مُتكامِلًا غيرَ مُجزّأ، تَعلوهُ راياتُ الحرّيّة. والمَقطعُ حافلٌ بالألفاظِ الدّالّةِ على الفقْدِ والحزنِ والضّياعِ، واليأسِ، والغربةُ في الوطن تعني إحساسَ الشّاعرِ الحديثِ بالوحدةِ والعُزلةِ، الشّيء الّذي جعلَهُ يَرسمُ للكوْنِ صورةً قاتمةً، مُثقَلةً بالظّلمةِ والإحساسِ بالعبثِ، الشّيء الّذي يَجعلُهُ كذلك يَميلُ إلى الشّكِّ في الحقائق.

أَيَّتُها القَصِيَّةُ عَنْ سِراجَيْ لَحْظي:/ مَحْفوفٌ أَنا بِبَريقِ صَوْتِكِ- الكَوْكَب/ يَتَتَبَّعُهُ مَجوسُ الشَّغَفِ إِلى مَغارَةِ النَّجْوى/ أَسْدِلي شالَكِ اللَّيْلِيَّ حِبْرًا باسِمًا/ عَلى/ بَياضِ القَلْبِ: ويَزخرُ هذا المَقطعُ بالصّورِ الفنّيّةِ، والكناياتِ، والتّشبيهاتِ الّتي هي عمادُ التّوسّعِ والانزياح:  (أَيَّتُها القَصِيَّةُ عَنْ سِراجَيْ لَحْظي): كنايةً عنْ بُعدِ الشّاعرةِ عن كلِّ مِنَ الضّفّةِ والقطاع، والبُعدِ عن تحقيقِ الانسجامِ ما بينَ الجَسدِ الفلسطينيّ الواحد. (مَحْفوفٌ أَنا بِبَريقِ صَوْتِكِ– الكَوْكَب): كنايةً عن حُلمِ الشّاعرةِ بالتّواصُلِ الجغرافيّ معَ أهلِها في الضّفّةِ والقطاع.  (يَتَتَبَّعُهُ مَجوسُ الشَّغَفِ إِلى مَغارَةِ النَّجْوى): كنايةً عن لهفةِ الشّاعرةِ بتحقيقِ التّواصُلِ الجغرافيّ الفِعليّ معَ أهلِها في الضّفّةِ والقطاع. (أَسْدِلي شالَكِ اللَّيْلِيَّ حِبْرًا باسِمًا): فعلُ الأمرِ هنا يُفيدُ التّمنّي. وبشكلٍ عامّ، فإنّ ثمّةَ تغيُّرًا ما قد طرَأ على الطّبيعةِ النّفسيّةِ والذّوقيّةِ العربيّة. وهو ما جعلَها تنفرُ مِن كلِّ ما يَتنافى معها، على صعيدِ الشّكلِ الشِّعريِّ المَوروث، وعلى أصعدةٍ أخرى مختلفة أيضًا. ومِن ذلكَ، فإنّ المَيْلَ إلى إنجازِ التّحديثِ الشّعريّ هو، في أساسِهِ، تعبيرٌ عنِ الاختلافِ في تلكَ الطّبيعةِ. أي أنّ شِعرَ الحداثةِ هو الشِّعرُ الأوحدُ الّذي يُمثّلُ النّفسيّةَ والذّوقَ المُعاصِرَيْنِ، في حينٍ أنّ الشّكلَ القديمَ لمْ يَعُدْ "يَصلُحُ للنّهوضِ بحاجاتِنا الشّعريّةِ المُعاصِرة"(11).‏ 

لأُولِمَ مَوائِدَ شِعْري بِأَطْباقِ اللَّوْعَةِ/ وَتُلَمْلِميني نُجومًا/ تُرَصِّعُ ضَفائِرَ أَشْعارِكِ/ أَنْفاسُ اللَّيْلِ ما أَثْقَلَها/ تَرْحَلُ.. وَيَرْحَلُ لَيْلِيَ العاثِرُ/ يَحْمِلُ/ عَلى/ كاهِلِهِ غِيابَكَ الثَّقيلَ: وتنتقلُ الشّاعرةُ إلى الأسلوبِ الخبّريّ؛ لإظهارِها التّشاؤمَ والحزنَ والأسى، ويَغلبُ هذا الأسلوبُ في أغلبِ مَقاطعِ القصيدةِ، تأكيدًا على ذلك، واستخدَمَتْ ألفاظَها مِن مُعجمٍ تعتري عباراتُهُ ألفاظَ الحزنِ، والأسى، وفقْدِ الأمل، كما في أغلبِ مَقاطعِ النّصّ، في: "أَنْفاسُ اللَّيْلِ ما أَثْقَلَها"، ترحلُ، يَرحلُ، ليلي العاثر. "يَحْمِلُ عَلى كاهِلِهِ"، "ِغيابَكَ الثَّقيلَ"، "نَفائِسُ غِيابِكَ". و"تَتَساقَطُ" مِنْ جَيْبِ اللَّيْلِ المُهْتَرِئِ/ حَصاةً/ تَتْلوها حَصاةٌ/ نَجْمَةً تَحْدوها نَجْمَةٌ/ تَتَوَهَّجُ سَرابَ دَرْبٍ خَفِيٍّ إِلَيْكَ/ تَتَتَبَّعُني آثارُ خَفَقاتِها الشَّفِيفَةِ/ تُقَلِّبُني صَفَحاتُ اللَّيْلِ/ تَتَقَصَّفُ سَنابِلُ المَواعيدِ مُلْتاعَةً/ وَتَشْلَحُني هَمَساتُ الأَطْيافِ/ عَلى/ سَواحِلِ الفَجْرِ: تعابيرُ الشّاعرةِ مُوحِيةٌ مُعبِّرةٌ بجلاءٍ، فالقطيعةُ بينَ كلٍّ مِن أهلِ فلسطين عامَ 1948، وبينَ إخوانِهِم في الضّفّةِ والقطاعِ مُستمرّة؛ ولقدِ استخدَمَتِ الشّاعرةُ بمَهارةٍ أفعالَ المضارعةِ المُوحِيةِ بتتابُعِ المأساة، فاستخدَمَتْ أفعالًا دالّةً على التّتابُعِ والتّوالي والاستمراريّة: تتلوها، تحدوها، تتتبَّعُني، تتقصّفُ، تتشلّحُ، تقبلني، تتوهّجُ. صوتُ "التّاء" في هذه الأفعالِ يَتكرّرُ اثنتا عشرة مرّة، وهو صوتٌ انفجاريٌّ، يُعبِّرُ عن غضبِ الشّاعرةِ وثوْرتِها النّفسيّةِ العارمةِ على هذا الواقعِ المُهين، ولهُ وظيفتُهُ الإيقاعيّة. الكثيرُ مِن هذهِ الأفعالِ تَحوي تاءَيْنِ أو أكثر، وعندَ نُطْق صوْتِ "التاء" الأولى، يَعترضُ نُطقَها حاجزٌ في مجرى الهواء، فيتوقّفُ اندفاعُ الهواء قليلًا، وبَعدَها يَتتابَعُ، وهذا التوقُّفُ الصّوْتيُّ شبيهٌ بتوَقُّفِ الشّاعرةِ أمامَ الحواجزِ العسكريّةِ المُحيطةِ بكانتوناتِ الوطن، حقًّا؛ تعابيرُ دالّةٌ وموجَزةٌ ومُوحِيةٌ، وهذا مَظهرٌ مِن مَظاهرِ شِعرِ الحداثة. فالّليلُ مُهترئٌ ولهُ جَيبٌ، وللنّجمةِ حصاةٌ، كما لها خفقاتٌ شفيفةٌ، وللمواعيدِ سنابلُ خيرٍ تتقصّفُ، وللّيلِ صفحاتٌ تُقلِّبُ، وللطّيفِ همساتٌ تُشلِّحُ، وللفجْرِ سواحلُ كما البحر، وقد اتّكأتِ الشّاعرةُ على أسلوبِ التّقابُلِ والانحراف: فالّليلُ يَصلُحُ للسّمَر، لكنّهُ أصبحَ مُهترِئًا هنا، والنُّجومُ عادةً تتلألأُ ضياءً ورِفعةً، لكن هنا تَوهُّجُها خبَا واندثرَ وصارَ سرابًا، وفي السّنابلِ خيرٌ، لكنّها تتقصّفُ، كلُّ ذلكَ بسببِ تقطُّعِ عُرى الوطن، إنّها تَعابيرٌ دالّةٌ عذبةٌ، وصُوَرٌ ناطقةٌ تتحدّثُ عن نفسِها بنفسِها، وعواطفُ صادقةٌ استمدّتْها الشّاعرةُ مِن واقعِ التّجربة.

موحِشَةٌ عَقارِبُ اللِّقاءِ/ تَتَعانَقُ وَحْدَها/ وَ تَ تَ كَ سَّ رُ/عَلى/ إيقاعِ صَمْتِنا النَّحيلِ: فقدْ شبّهَتِ الشّاعرةُ الّلقاءَ بساعةٍ لها عقاربُ تتعانَقُ، واستخدَمَتِ الكناياتِ: "تتكسّرُ على إيقاعِ صَمْتِنا النَّحيلِ": كنايةً عن فقدانِ الأمَلِ والضّعفِ الّذي يَعترينا. وكلُّ زيادةٍ في بناءِ الفِعلِ يَتلوها زيادةٌ في المعنى، فالزّيادةُ في الفِعل: "تتعانق" تُفيدُ المشاركةَ، والزّيادةُ في الفِعل "تتكسّرُ" تُفيدُ التّدرُّجَ. وَ"لعلَّ خيْرُ بدايةٍ ننطلِقُ منها للحديثِ عن تقنيّاِت الصّورةِ المُفرَدة، أن نتذكّرَ أمرَيْنِ يَخصَّانِ القصيدةَ المعاصرة.

أوّلُهما: أنّها ألغتْ ثُنائيّةَ التّعبيرِ المعروفة: فكرة + صورة، وجعلَتِ التّعبيرَ عنِ الفكرةِ يَتمُّ مِن خلالِ الصّورةِ أو بالصّورة. وثانيهُما: أنّها رأتْ في الصّورةِ أداةَ الخلْقِ، أو التّعبيرِ الوحيدةِ عنِ التّجربةِ الشّعوريّةِ بأبعادِها كُلِّها ومَضامينِها وخصائصِها؛ أي جعلَتْ مِنَ الصّورةِ المُكِّونَ الرّئيسَ لها"(12). بمعنى؛ أنّ ما جاءَ بهِ شِعرُ الحداثةِ على صعيدِ الصّورة، يَنسجمُ والمَقولة المعروفة الّتي أطلقها بيلنسكي، في تعريفِهِ للفنّ، وهي "الفنُّ تفكيرٌ في صُور"(13).

في فُسْحَةِ اللَّوْعَةِ/ تَتَلأْلأُ بِلَّوْراتُ غِبْطَةٍ عَلى حَدَقاتِ قَلْبي/ تَجْدِلُ يَرَقاتُ العَتْمَةِ البَيْضاءِ/ أَهْدابَ جَداوِل وَجْدي/ في أَرْوِقَةِ هذا الزَّمانِ المُشَظَّى/ عَلى/ هَوامِشِ حُضورِكَ/ ما أَنْ يَعْدُوَ دَرْبي إِلَيْكَ يَتَضَوَّرُ حُلُمًا/ حَتّى تَصْبِغ قَوافِلُ الغُموضِ بَياضَ لَيْلي/ بِحِنّاءِ اخْتِفائِكَ.  ولقدِ اهتمّتْ شاعرتُنا بتوظيفِ عناصر الحركة والّلون والصّوْت. فالعناصرُ الدّالّةُ على الحركة: الجداول، الحضور، قوافل، والتّلألُؤ. والعناصرُ الدّالّةُ على الّلوْن: العتمة، البيضاء، الّليل. والعنصرُ الدّالُّ على الصّوْت: يَتَضَوَّرُ؛ أي يتوجّعُ ويَصيحُ ألمًا. والشّاعرةُ تموتُ أحلامُها، فزمانُها مُتشَظٍّ، وطريقُها للوصولِ إلى أحبّتِها مسدودةٌ، وبياضُ ليلِها قاتمٌ مُختَفٍ، يَكتنفُهُ الغموضُ والضّبابيّة، والأهلُ والأحبّاءُ صعبٌ الوصولُ إليهم والالتقاءُ بهم.

تُشاكِسُني العَبَراتُ/ لِتَغْفُوَ رَذاذَ خَوْفٍ/ عَلى/ سَريرِ شَفَتَيَّ/ وَيَطْبَعَ السُّهْدُ/ عَلى/ جَبينِ اللَّهْفَةِ قُبْلَةً مَحْفوفَةً بِشَوْكِ الشَّوْقِ: وهذا المَقطعُ كغيْرِهِ مِن مَقاطِعِ النّصّ، يَزخَرُ بالانزياح، لِما لَهُ مِن قيمةٍ جَماليّةٍ، وما فيهِ مِن صُوَرٍ فنّيّةٍ مُبتكَرةٍ، يُكسِبُ العملَ الأدبيَّ رونقًا وبهاءً، فالعبراتُ تُشاكسُ وتغفو، وللخوفِ رذاذٌ، ولشَفَتَي الشّاعرةِ سريرٌ، وللّهفةِ جبينٌ، والسُّهدُ يُطبَعُ كما القُبلة، وللشّوقِ أشواك.

في خِدْرِ الصَّمْتِ/ تَتَجَمَّرُ لأْلاءً في مَحاجِرِ قَلْبي/ تُقَبِّلُني/ تَشْتَعِلُ حُروفُ اسْمِكَ الأَخْضَرَ/ في مَواقِدِ فَمي/ تُمَثِّلُنِي بِدِفْءِ ضَوْئِكَ/ حَنينًا دائِمَ الاخْضِرارِ/ تَتَقافَزُ بَراعِمُ العِناقِ/ تُزَقْزِقُ فِراخُ القُبَلِ/ تُفَرْفِرُ/ تَتَطايَرُ/ لِيَفيضَ لِساني بِنورِ اسْمِكَ/ ويَغْسِلَ شِفاهِيَ مِنْ عَتْمَةِ الحِرْمان! النّدى هو المطرُ الصّيفيّ، وهو خيرٌ للأرضِ والفلّاحين، فكيفَ لهذا النّدى أن نَغمِسَهُ بالغمام؛ غمامِ الصّيفِ غيرِ الماطر؟ النّصُّ حافلٌ بأفعالِ المضارعة الّتي تَعني استمرارَ الشّاعرةِ في مأساتِها، ولِبَثِّ الحيويّةِ والنّشاطِ في عروق المقطوعةِ وثناياها، كما في نحو: تَتَجَمَّرُ ،تُقَبِّلُني، تَشْتَعِلُ، تُمَثِّلُنِي، تَتَقافَزُ، تُزَقْزِقُ، تُفَرْفِرُ، تَتَطايَرُ، لِيَفيضَ، ويَغْسِل. ويتكرّرُ صوْتُ التّاء كثيرًا، وهو انعكاسٌ عنِ الحالةِ النّفسيّةِ للشّاعرة، وموجاتِها المُتدفّقةِ الّتي يَعتريها الهَمُّ والغمُّ والقلق، ولها وظيفةٌ أخرى أجادَتْها الشّاعرةُ بحنكةٍ، ألَا وهي الحركة الإيقاعيّة الحزينة. وحرفُ النّصب "الّلام"، دَخلَ على الفِعلِ المضارع "يَفيضُ"، ليُبيّنَ السّببَ. والنّصُّ يَزخرُ بالكِناياتِ والصُّوَرِ الفنّيّة، وكلُّها تَحويلٌ وانزياحٌ وظّفتْها الشّاعرةُ بحِنكةٍ ودراية. ولقدْ أبدعَتْ شاعرتُنا في نصوصِها الشّعريّةِ الّتي راعَتْ فيها كلَّ مُتطلّباتِ الحداثة، وترجَمَتْها بقلمِها مِن نبْضِ روحِها، بعاطفةٍ صادقةٍ التحمَتْ فيها كلُّ عناصرِ العملِ الأدبيّ، واهتمّتْ بوحدةِ الموضوع والوحدةِ العضويّة، وتَوفَّرَ في شِعرِها الصّدقُ الفنّيُّ، والالتزامُ بخدمةِ قضايا وطنِها بصِدق. ولقد تحدّثتِ الشّاعرةُ بضميرِ المُفرَدِ المُتكلّم، وهو يَعني جماعةَ المُتكلّمينَ. و(أمّا الصّفاتُ الّتي تتّصِفُ بها الصّورةُ الحداثيّة، أو المُعاصِرة، بحسب تعبيرِ اليافي، فيمكنُ إجمالُها بالأمورِ التّالية:‏

أـ تُعَدُّ الصّورةُ الفنّيّةُ أحدَ مُكَوِّنَيْنِ اثنَيْنِ في القصيدةِ المُعاصِرة، وقد عبّرَتْ عن تجاربِ الشّعراءِ رؤيةً وبناءً، أمّا المُكَوِّنُ الثّاني فهو الإيقاعُ.‏

ب. إنّ أساسَ الصّورةِ الفنّيّةِ يَكمُنُ في الخلْقِ، لا في المُحاكاةِ، كما كانَ سائدًا في الشِّعرِ العربيّ، ومِن ذلكَ، فقدْ تخلّتِ الصّورةُ المُعاصِرةُ عن وظائفِ الصّورةِ التّقليديّةِ في الشّرحِ والتّزيين.‏

ج. أضْحَتِ الصّورةُ، في الشِّعرِ المُعاصِر، وسيلةَ الخلْقِ، والكشفِ، والرّؤيا، وأداةِ التّعبيرِ الوحيدةَ، عنِ العلاقةِ المُتشابكةِ المُعقّدةِ ما بينَ الأناـ الآخر. الدّاخل. الخارج.‏

د. تلاحَمَتِ الصّورةُ بشكلٍ أوضحَ وأقوى معَ أنساقِها الخارجيّ والدّاخليّ.‏

هـ. مِنَ الصّعوبةِ الحديثُ عن بُنيةٍ عامّةٍ ثابتةٍ للصّورة، في القصيدةِ المُعاصِرة(14).‏

ولقد وظّفَتْ شاعرتُنا آمال باقتدارٍ وكفاءةٍ مُتطلّباتِ قصيدةِ شِعرِ النّثر، وخاصّةً مُتطلّباتِ الصّورةِ الشِّعريّةِ الحداثيّة.

 

الهوامش:

  1. اُنظر: (ديوان سلامي لك مطرا)، آمال رضوان ص57-63، دار الزاهرة للنشر والتوزيع، المركز الثقافيّ الفلسطينيّ- بيت الشعر، رام الله– فلسطين 2007.
  2. اُنظر: مختار الصّحّاح، الرّازي، ص 653، دار الفكر، بيروت، 1973.
  3. لسان العرب، ابن منظور ص675 ج6، دار الحديث، القاهرة، 2002. 4. المصدر نفسه 726، ج4.
  4. وعي الحـداثـة (دراسات جماليّة في الحداثة الشعرية)- د. ســعد الـدّين كـليب، دراسة ص33- من منشورات اتّحاد الكُتّاب العرب– 1997.
  5. اُنظر: القصيدة العربيّة الحديثة بين البُنية الدّلاليّة والبُنية الإيقاعيّة، حساسيّة الانبثاقة الشّعريّة الأولى- جيل الرّوّاد والسّتّينات. أ. د. محمّد صابر عبيد، ص 143 من منشورات اتّحاد الكُتّاب العرب، دمشق- 2001.
  6. قراءة أسلوبيّة في الشّعر الجاهليّ، د. موسى ربابعة، ص20-23 دار جرير عمان، 2010.
  7. الفيتوري، محمّد: ديوانه، م:2. دار العودة، بيروت، 1979. ص: 130.
  8. ﺍﻟﺼّﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺸﻌﺭ ﺃﺒﻲ ﺘﻤّﺎﻡ، ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﺍﻟﺭّﺒﺎﻋﻲ، ﺠﺎﻤﻌﺔ ﺍﻟﻴﺭﻤﻭﻙ ﺍﻷﺭﺩﻥ 1980، ﺹ29.
  9. الاتّجاهات الجديدة في الشّعر العربيّ المُعاصِر، د.عبد الحميد جيدة، ص: 112، مؤسّسة نوفل، بيروت، 1980.
  10. قضيّة الشّعر الجديد، د. محمّد النويهي. دار الفكر، ط:2، 1971. ص:98.‏
  11. الصّورة في القصيدة العربيّة المُعاصِرة، اليافي، ص: 26. مجلّة "الموقف الأدبيّ"، العدد: 255/256. دمشق، 1992.
  12. نصوص مختارة، بيلنسكي، تر: يوسف حلّاق، وزارة الثقافة، دمشق، 1980، ص:83.
  13. وعي الحداثة (دراسات جماليّة في الحداثة الشعريّة)، د. ســعد الـدّين كـليب ص 12- 13، من منشورات اتّحاد الكُتّاب العرب- 1997.

الانزياحُ الدّلاليُّ في قصيدة

"في مَلاجئ البَراءَة"

نحْنُ مَنْ تَلاشَيْنا

مُنْذُ أَنْ هَبَطْنا/ مِنْ جَنَّتِنا

أَقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى

إلى غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟

أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!

أَوْ/ كَأَنَّما ظِلالنا بَعْدُ

ما تدَرَّبَتْ عَلى المَشْيِ حافِيَة ً/ عَلى مَساكِبِ الأَشْواكِ؟

أَما عَرَفَتْ عَثَراتُنا

كَيْفَ تَنْهَلُ الأَلَمَ مِنْ مَنابِعِهِ؟

أما اسْتَطاعَتْ أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ/ بِالوَجَع ِ.. بِالأَحْزانِ؟

نَمْضي حَزانى في عَياء ِ العَزاءِ

حُروفٌ مَجْروحَةٌ تتشَدَّقُ بعَذْبِ العَذابِ

وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ

يَرْمَحُ/ عابِثًا برِماح ِ وَجْهِهِ الأَهْوَجَ

صَوْبَ مَرْقَصِ المَوْتِ!

يَ/ سْ/ تَ/ رْ/ سِ/ لُ/ في وَحْشِيَّةِ رَقْصَتِهِ الشَّهِيَّةِ!

أَيَرْقُصُ نَدْبًا/ عَلى آلام ِ الأَحْياء ِ المَوْتى؟

أَمْ يَطيبُ لَهُ العَزْفُ/ عَلى/ ناياتِ العَذارى؟

عَلى/ هاماتِ اليَتامى والثَّكالى؟

أما حَنَّ الحَديدُ بَعْدُ؟

بلْ وَتبْرَعُ/ تتلهَّى!/ تَتَفَنَّنُ بِبَتْرِ أَعْناقِ القُلوبِ

لِنَنْزِفَنا/ عَلى طُرُقاتِ الهَوامِشِ

تَغْسِلُنا بِمُنْحَدَراتِها القاحِلَةِ

وَفي عُرْيِ العَراءِ المَكْسُوِّ بِدِمائِنا

تُ/ دَ/ حْ/ رِ/ جُ/ نَ/ ا

مِنْ عَلى هاوِياتٍ مَرْهونةٍ/ أَشْلاءَ بَشَر!

أَهُوَ الهَباءُ؟!

تجْمَعُنا المُفارَقاتُ/ تَطْرَحُنا الضَّرَباتُ

لِتقاسِمَنا رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن!

يوصِدُ الأَسى أَقْفالَهُ/ في مَلاجِئِ عُيونِ البَراءَةِ

يَشيبُ الصُّراخُ الأبْكَمُ

عَلى أَفْواهِ طُفولَةٍ شابَها الهَلَعُ

وَسائِدُ الضَّحايا تَتَشَرَّبُ العَويلَ الأبْكَمَ

تُعانِقُ أرْواحَ أَحْلامٍ هارِبَةٍ

مِنْ نَواقيسَ فِرارٍ/ إلى... كَوابيسَ اسْتِقْرار؟

أُمَّااااااااااهُ

جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ/ يَتَهافَتُ

 عَلى سَحْقي... عَلى تَمْزيقي...

لِمَ نَوافِذُ الرَّهْبَةِ مُشَرَّعَةٌ في مَنافِذِ الصُّمودِ؟

أَتَمُرُّ بِيَ رياحُ الرُّعْبِ

مِنْ آتِ وَحْشٍ/ يُدَنِّسُ جَسَدي الطَّاهِرَ

يَعْصِفُني.. يَخْتَرِقُني.. / بِفَوْضى الأبالِسَةِ؟!

العَتْمَة ُ/ تَ نْ ثَ ا لُ/ جَريحَةً.. ثَقيلَةً..

عَلى/ أَشْباحِ المَساكين بِالرُّوحِ/ عَلى/ جُثَثِ الأحْياء!

أيا فَجْريَ السَّليبَ/ آآآآآآآآآآآآآآهٍ/ ما أَثْقَلَهُ الحُزْنَ!

دُروبُ المَوْتى تَتَعَثَّرُ بِقَناديلِ الظُّلْم ِالمُظْلِمَةِ

تَحْنو عَلَيْها.. بِقَسْوَتِها الرَّقيقةِ

تَقْتَنِصُ الأجْسادَ الضَّالَّةَ في غَياهِبِ الرُّعْبِ

بِكُتَلٍ مِنْ وَمْضٍ يَسْعُلُ

تُغْمَدُ في صَفْوَةِ صَفائِها سُيوفُ رَحْمَةٍ

اسْتَلَّتْها مِنْ غِمْدِ المَوْتِ/ لِتَنوسَ ذُبالَةُ فَوانيسِ الارْتِياح!

ارْتِياح!؟ بَلْ راحَةٌ أَبَدِيَّةٌ!

الرُّوحُ/ تَتَبَعْثَرُ/ عَلى مُنْحَنى بَشَرِيَّةٍ

غ ا صَ تْ/ بِأَعْماقِ مُحيطِ اللّاشُعور

اسْتِغاثاتٌ تَضِجُّ في مَفارِقِ الحَياةِ والمَوْتِ

حَناجِرُ طُفولَةٍ تُمَزِّقُها سَلاسِلُ مَسْلولَة

وَفي رَنينِ القَوافِلِ اللاّهِثةِ

تتَلَهَّفُ قَبائِلُ القَلَقِ السَّاهِمَةِ/ أَنْ تُوارِيَ أَجْسادَ المَنْهوكينَ

في الهَرَبِ/ في لحْدِ النّوْمِ المُؤَقَّتِ

لِتَبُلَّ ظَمَأَ الجُفونِ المُعَذَّبَةِ بِـ/ قَ طَ رَ ا تٍ/ مِنْ نوْمٍ أَصَمَّ

لا يَسْمَعُ أزيزَ المَوْتِ الكَفيفِ!

أَتَنْهارُ سُدودُ الحَقيقَةِ

لِتنْقَلِبَ الأحْلامُ الخَضْراءُ مَرْتَعَ شِراكٍ؟

أَتُغْتالُ ظِباءُ المَنامِ؟

أَتَفْقِدُ رَحْمًا تَتَناسَلُ فيهِ أَجِنَّةُ الرَّحْمَةِ؟

لوْحَةٌ دَمَويَّةٌ تَجْري وَجَلا

تَصُبُّ/ شَلاّلاتِ المَآسي في مَنابِع  الغُرْبَةِ

وَعَلى.. ضِفافِ المَوْتِ

وحينَ يَجِنُّ اللَّيْلُ/ تَتَجَنّى الصُّوَرُ في مُجونِ الجُنون!

 ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ: عنوانُ القصيدةِ: "في مَلاجئِ البَراءَة"(1). القصيدةُ مِن ديوانِ شاعرتِنا آمال "سلامي لك مطرًا"، ويتكوّنُ العنوانُ مِن شِبهِ الجُملةِ؛ الجار والمجرور "في مَلاجئ"، وهو في مَحَلّ رفع خبَر مُقدّم، وقدْ تَقدّمَ على المبتدأ "نَحْنُ" في السطر الشعري التالي، فتقدم ما حقه التأخير وهو الخبر على ما حقه التقديم وهو المبتدأ "نحن"، حيثُ اختلفَ التّرتيبُ المَألوفُ في الجُملة، وهذا ما يُسمّى بالتّحويلِ التّركيبيّ، وهذا مُشوِّقٌ للمُتلقّي ووجدانِهِ، ويُغلّفُ المعنى والفكرةَ بعضُ الغموضِ، وهنا تكمُنُ الّلذةُ العقليّةُ في الاستكشافِ، وهدفُ التّقديم هو إبرازُ أهمّيّةِ الخبَرِ ولفْتِ الانتباه.

في العنوانِ شِعريّةٌ وجَمال، وفي عبارة" في مَلاجئ البَراءَة" يتفاجأ المُتلقّي مِن حصولِ الّلامتوقَّعِ مِن خلالِ المُتوقَّع؛ أي أن يَتوقّعَ المُتلقّي مضافًا إليه يتلاءمُ والمُضاف. فهو يتوقّعُ بَعدَ كلمةِ "مَلاجئ" وجودَ كلمةِ "الأيتام"، لكنّه يَنبهرُ لوجود المضافِ إليه "البراءة"، ويُصبحُ عندَ شاعرتِنا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريٌّ خالصٌ، والوظيفةُ الرّئيسةُ للانزياحِ ماثِلةٌ فيما يُحْدِثُهُ مِن مفاجأةٍ، تُؤدّي بالمُتلقّي إلى الغِبطةِ والإمتاعِ، والإحساسِ بالأشياءِ إحساسًا مُتجدِّدًا.. وموضوعُ النّصِّ يَتمثّلُ في مشوارِ الفِلسطينيّ الطّويلِ، والمُكلَّلِ بأكاليلِ الشّقاءِ والغربةِ والضّياع، منذُ النّكبةِ إلى اليوم، وخاصّةً في المخيّماتِ والمَطاراتِ بلا أرض ولا وطنٍ، والوطنُ يَشتاقُ إليه، لكنّهُ مُحرَّمٌ عليه. ولقد نظَمَتْها شاعرتُنا إثْرَ حربِ عام 2006م. وتُعَدُّ ظاهرةُ الانزياحِ مِنَ الظّواهرِ المُهمّةِ، وبخاصّةٍ في الدّراساتِ الأسلوبيّةِ الحديثة، الّتي تُدَرِّسُ النّصَّ الشّعريّ، على أنّهُ لغةٌ مُخالِفةٌ للمألوفِ العاديّ(2).  

تقولُ شاعرتُنا: في مَلاجئ البَراءَة/ نحْنُ مَنْ تَلاشَيْنا/ مُنْذُ أَنْ/ هَبَطْنا/ مِنْ جَنَّتِنا/ أَقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى/ إلى غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟/ أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!/ أَوْ/ كَأَنَّما ظِلالَنا بَعْدُ/ "ما تدَرَّبَتْ عَلى المَشْيِ حافِيَةً": كنايةً عن أنّ الفلسطينيَّ لم يَشهَدْ نكبةً كهذهِ النّكبة، ولا مذلّةً كتلكَ الّتي يُواجهُها في مخيّماتِ التّيهِ والغربةِ والضّياعِ والّلجوء. ً

(عَلى/ مَساكِبِ الأَشْواكِ؟): كنايةً عن معاناةِ الفلسطينيّ. 

"نحْنُ مَنْ تَلاشَيْنا": كنايةً عن فقْدِ الفلسطينيّ لأرضِهِ، وتَشتُّتِهِ في بقاعِ الأرض.

"مُنْذُ أَنْ/ هَبَطْنا/ مِنْ جَنَّتِنا": كنايةً عن النّكبةِ الّتي حلّت بالفلسطينيّين عام 1948.

(ما تدَرَّبَتْ عَلى المَشْيِ حافِيَةً): كنايةً عن أنّ الفلسطينيَّ كانَ مُعزَّزًا مُكرَّمًا في وطنِهِ قبلَ النّكبة، ولمْ يتعوّدْ حياةَ المَذلّة.

(أَقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى/ إلى غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟): الاستفهامُ يُفيدُ التّحسُّرَ والتّوجُّعَ وإظهارَ الأسى والُحزن، وفي عبارة: (غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ): يتفاجأ المُتلقّي مِن حصولِ الّلامتوقَّع مِن خلال المتوقّع؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي بَعدَ كلمةِ "مُلوّثةٍ" وجودَ كلمة: "بالجراثيمِ" مثلًا، لكنّهُ يَنبهِرُ بوجودِ كلمة "بالحرب"، ويُصبحُ عندَ شاعرتِنا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريٌّ خالِصٌ.

(أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!): والاستفهامُ يُفيدُ التّقريرَ، وقدْ تقدّمَ المَفعولُ بهِ (النّا)، وهو ما حقّه التّأخير على الفاعل (المعرفة)، كوْنُهُ ضميرًا، وفي الجملةِ انزياحٌ، فالمُتلقّي يتهيّأ بَعدَ سماعِهِ لكلمةِ (عصينا)، أنْ يَتلوها (الله)، لكنّهُ ينبهِرُ؛ ليجدَ كلمة (المعرفة)، وهذهِ الّلفظةُ مُوحِيةٌ، لقد فقدْنا الوطنَ بسببِ جهلِنا وعجْزِنا عن معرفةِ ما يدورُ حولَنا، وبسببِ عدمِ تَسلُّحِنا بسلاحِ العِلم. وفي أربعينيّات القرن المُنصرِم، كانَ خصومُنا يتسلّحونَ بكلِّ أسلحةِ المَعرفةِ والتّطوّر الّتي نحنُ افتقدْناها منذُ زمن. 

(أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!): أَوْ لعلّ شاعرتَنا تقصدُ بالمعرفة، كما جاءَ في الفصل الثّاني مِن "سفر التّكوين" من التوراة: "وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ، ووَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْن لَيَعْلَمَهَا وَيَحْفَظَهَا. وَأَوْصَى الرَّبُّ الإلهُ آدَمَ قَائِلاً: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ آكْلًا. وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا. لاِنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ". وجاءَ في الفصلِ الثّالثِ مِنَ التّوراة: "وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ. فَاخْتَبَأَ آدَمُ وامرأتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسْطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ. فَقَالَ: سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَخَشِيتُ لأنّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأَتُ. فَقَالَ: مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ. هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا. فَقَالَ آدَمُ: الْمَرَأَةُ الَّتي جَعَلْتَها مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ". وهذا انزياحٌ في توظيفِ التّراثِ الدّينيّ.

(كَأَنَّما ظِلالنا بَعْدُ): ومِن أساليبِ الانزياحِ توظيفُ أدواتِ الرّبطِ، هذه التّقنيّةُ الأسلوبيّةُ ظهرتْ بشكلٍ جَليٍّ في الشّعرِ العربيّ الحديث، وأصبحتْ تشكيلًا أسلوبيًّا فنّيًّا، كما في هذا التّعبير، ويُحقّقُ هذا الأسلوبُ مستوًى جماليًّا فريدًا، وهو ما كان يُعرَفُ في كُتبِ التّراثِ بالوَصْلِ والفَصْلِ، بمعنى؛ أنّ الوَصْلَ هو عطفُ جُملةٍ على أخرى. وعكْسُهُ الفَصلُ، وهذا مألوفٌ ومُتّبَعٌ في الجملةِ النّثريّةِ الإيصاليّة. وأمّا على مستوى الشّعر فيُصبحُ الأمرُ مُختلِفًا، إذ يكتفي الشّاعرُ بربْطِ جزئيّاتِ السّطرِ الشّعريّ، فربَطتْ شاعرتُنا بمهارةٍ بينَ كلٍّ من: (أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!) وبين (كَأَنَّما ظِلالنا بَعْدُ) بحرفِ العطفِ "أو". وفي تعبيرها: (مُنْذُ أَنْ/ هَبَطْنا/ مِنْ جَنَّتِنا)، وظّفتْ الموروثَ الدّينيَّ في نصِّها، وهذا يُذكِّرُنا بهبوطِ آدمَ وحوّاءَ مِنَ الجنّة، بقولِهِ تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى، فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُم يَحْزَنُونَ) البقرة 38.

وهذا تحويلٌ وانزياحٌ في النّصّ، وهو تناصٌّ دينيٌّ (واستخدامُ الشّخصيّاتِ التّراثيّةِ الدّينيّةِ، هي كمُعادِل موضوع للتّجاربِ الذّاتيّةِ للشّعراء العرب المُعاصِرين، مثل الشّاعر عبد الوهاب البيّاتي، حيثُ كان يتّخذُ الشّخصيّاتِ التّراثيّةِ والدّينيّة قناعًا، يبُثُّ مِن خلالِهِ خواطرَهُ وأفكارَهُ(3). والقناعُ كما يقولُ البياتي: "هو الاسمُ الّذي يتحدّثُ مِن خلالِهِ الشّاعرُ نفسُهُ، مُتجَرِّدًا مِن ذاتيّتِهِ"(4). فقدْ تعمّدَتْ شاعرتُنا آمال إلى خلْقِ وجودٍ مُستقلٍّ عن ذاتِها، لتبتعِدَ عن حدودِ الغنائيّةِ والرّومانسيّةِ الّتي سَقطَ أكثرُ الشّعرِ العربيّ فيها. فالانفعالاتُ الأولى لم تَعُدْ هي شكلُ القصيدةِ ومضمونِها، بل هي الوسيلةُ إلى الخلقِ والإبداعِ الفنّيِّ المُستقِلّ.  

أَما عَرَفَتْ عَثَراتُنا/ كَيْفَ تَنْهَلُ الأَلَمَ مِنْ مَنابِعِهِ/ أما اسْتَطاعَتْ أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ/ بِالوَجَع ِ.. بِالأَحْزانِ؟/ أَقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى/ إلى غابَةٍ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟/ أَكَأنَّما نَحِنُّ لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ نَمْضي حَزانى في عَياء ِ العَزاءِ/ حُروفٌ مَجْروحَةٌ تتشَدَّقُ بالعَذابِ/ وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ/ يَرْمَحُ/ عابِثًا برِماح ِ وَجْهِهِ الأَهْوَجَ/ في وَحْشِيَّةِ رَقْصَتِهِ الشَّهِيَّةِ! لقدِ استهلّتْ شاعرتُنا قصيدتَها بأسلوبٍ خبَريٍّ، لتأكيدِ الذّاتِ، وتِبيانِ صبْرِها على المِحَنِ وجُورِ الزّمانِ رغمَ كلِّ الشّدائدِ. ثمّ انتقلتْ للأسلوبِ الإنشائيّ في: (أَما عَرَفَتْ عَثَراتُنا/ كَيْفَ تَنْهَلُ الأَلَمَ مِنْ مَنابِعِهِ) و (أما اسْتَطاعَتْ أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ/ بِالوَجَع.. بِالأَحْزانِ؟): فالاستفهامُ في كلٍّ يُفيدُ إظهارَ الأسى والتّحسّر. الشّاعرةُ مُتوتّرةٌ تُسيطِرُ عليها نوباتُ الغضبِ والحزن، وهنا لجأتِ الشّاعرةُ إلى الانزياح بالحذفِ: (أما اسْتَطاعَتْ أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ)، وتقديرُ المحذوف= (أما اسْتَطاعَتْ عثراتُنا أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ)، وقدْ تمَّ هذا الحذفُ لأسبابٍ فنّيّةٍ عنَتْها الشّاعرة، فهي تقصدُ حُبَّ المُباغَتةِ والمُفاجَأةِ للمُتلقّي، فهي لا تريدُ أن تُعطِيَهُ فرصةً لمعرفةِ ما تذهبُ إليهِ مباشرة.

(ويُعلِّلُ باحثٌ آخرُ، بأنّ ما يُسيطرُ على أصحاب النّزعةِ الرّومانسيّةِ مِن قلقٍ نفسيّ، وما يُصاحبُهُ مِن عوارضَ أخرى، مَردُّهُ إلى "عدمِ تَوازنِ القوى النّفسيّةِ عندَ هؤلاءِ الشّعراءِ، الّذين طغى الشّعورُ عليهم بذاتِ أنفسِهم طغيانًا، دفعَهُم إلى النّقمةِ على كلِّ ما هو موجودٌ، والتّطلُّعِ إلى ما لا يَستطيعونَ تحديدَهُ، خاصّةً في عالَمِ السّياسةِ والخلْقِ والأدب"، (كما يرى د. محمّد غنيمي هلال). ومِنَ الانزياحاتِ في السّطورِ السّابقةِ، أنّ العَثراتِ تَعرفُ وتَنهَلُ الألمَ، وتستطيعُ أن تُلوِّنَ المَنافيَ، فلقد شبّهَتِ الشّاعرةُ العثراتِ بإنسانٍ يَعرفُ ويَنهَلُ ويُلوِّنُ، وشبّهتِ الألمَ بنهرٍ يَجري ولهُ مَنابعُ، إنّها انزياحاتٌ مُتتابعةٌ وظّفتْها الشّاعرةُ عن طريقِ المَجازِ والاستعاراتِ.

(حُروفٌ مَجْروحَةٌ تتشَدَّقُ بالعَذابِ): كنايةً عن التّوجُّعِ، توجُّعِ الفلسطينيّ مِن جرّاءِ ما يُكابدُهُ في غربتِهِ، والحروفُ مجازٌ مُرسل، فذكرتِ الشّاعرةُ الحروفَ "الجزء"، وأرادت بها الكلماتِ "الكُلّ"، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة..

تتوالى الانزياحاتُ، لتُوَلِّدَ في ذِهن المُتلقّي المُفاجآت، والّتي تَحملُ في طيّاتِها الجَمالَ الفنّيّ في خلْقِ صُوَرٍ شِعريّةٍ ذاتِ طابعٍ جَماليّ. (وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ/ يَرْمَحُ): الوقتُ لا يَعدو، بل شبّهتْهُ الشّاعرةُ بإنسانٍ مُسرِعٍ، عَدْوُهُ يُشبهُ عَدْوَ ورَكْض عدُوِّ في السّرعة".

وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ": وتتلاعبُ الشّاعرةُ بالألفاظِ، لخلْقِ الجناسِ وما يُحدِثُهُ مِن إيقاعٍ موسيقيّ، يَشدُّ مِن أزرِهِ تِكرارُ حرفِ الواو في هذا السطرِ خمسَ مرّاتٍ، وتكرارُ الحرفِ انزياحٌ، فقد تَكرَّرَ أربعَ مرّاتٍ، فجاءَ صوْتًا صامتًا، ومرّةً واحدةً جاءَ صوتًا صائتًا في كلمةِ "يعدو"، وفي هذا السّطرِ انزياحٌ تَركيبيٌّ أيضًا، فقد قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملةِ "إلينا"، على المفعولِ المُطلَق "عدْو"، وللمفعولِ المُطلَقِ وظيفةٌ تأكيديّة. وشبّهتِ الوقتَ بلاعبٍ يَمرحُ، وجاءَ الفِعلانِ "يَعدو" وَ "يَمرحُ" على نفس الوزنِ، لتَوليدِ إيقاعٍ مُناسبٍ. وهناكَ تَرادفٌ بينَ الفِعليْنِ.

أَيَرْقُصُ نَدْبًا/ عَلى آلام ِ الأَحْياء ِ المَوْتى؟/ أَمْ يَطيبُ لَهُ العَزْفُ/ عَلى/ ناياتِ العَذارى؟/ عَلى/ هاماتِ اليَتامى والثَّكالى؟/ أما حَنَّ الحَديدُ بَعْدُ؟/ بلْ وَتبْرَعُ/ تتلهَّى!/ تَتَفَنَّنُ بِبَتْرِ أَعْناقِ القُلوبِ/ لِنَنْزِفَنا/ عَلى/ طُرُقاتِ الهَوامِشِ/ تَغْسِلُنا بِمُنْحَدَراتِها القاحِلَةِ.  

فهي تقول: (أَيَرْقُصُ نَدْبًا)، والتقديرُ: (أَيَرْقُصُ الوقتُ نَدْبًا)، فهنا انزياحٌ بالحذف.

(عَلى آلام ِ الأَحْياء ِ المَوْتى): وقدْ طابقَتِ الشّاعرةُ بينَ كلٍّ مِن "الأحياءِ" و"الموتى".

(أَمْ يَطيبُ لَهُ العَزْفُ): وهنا تقديمُ ما حقُّه التّأخير، وهو الجار والمجرور "له"، على الفاعل "العزفُ" الّذي حقُّه التّقديم. واختارتِ الشّاعرةُ ألفاظَ مقطوعتِها مِن مُعجَمٍ يوحي بالأسى والحزن والتّوجُّع، ولْنَرْصُدْ كلماتِ هذا المَقطعِ الدّالّةِ على ذلك:

نَدْبًا، آلامِ، المَوْتى، اليَتامى، الثَّكالى، حَنَّ، بَتْرِ، نَنْزِفَ، الهَوامِشِ، مُنْحَدَراتِ، القاحِلَةِ. و"يتحوّلُ الإحساسُ بالغربةِ والضّياعِ في المدينةِ عندَ الشّاعر، إلى شعورٍ بضياعٍ وجوديٍّ أعَمَّ، وأعمَقَ مِن ذلكَ الّذي يَنبُعُ مِنَ العجْزِ عنْ مُواجهةِ الحياةِ والنّاسِ في المدينة،  فهو قلَقُ النّفسِ الرّومانتيكيّةِ المَشدودةِ بينَ أحلامٍ غائمةٍ لا تَدري كُنهَها، ولا  تُدرِكُ مَداها، وهو تَمرُّدٌ على الحياةِ النّمطيّةِ الرّتيبةِ الّتي تَقتُلُ في النّفسِ الانطلاقَ والتّجدُّدَ"(5). 

(أَيَرْقُصُ نَدْبًا/ عَلى آلام ِ الأَحْياء ِ المَوْتى؟): رقَصَ: رَقْصًا: تَنقّلَ وحَرّكَ جسمَهُ على إِيقاعِ موسيقى أَو على الغناء. ويتحوّلُ الطّربُ والرّقصُ والفرحُ في فلسطينَ إلى بكاءٍ وندبٍ وعزاء، والمُتلقّي بَعدما يقرأ كلمة "أيرقصُ؟"، يتوقَعُ أن يتلوَها كلمة "فرحًا"، غيرَ أنّهُ يَتفاجَأ بوجودِ كلمةٍ مُغايِرةٍ تمامًا وهي"ندبًا"، وهنا سِرُّ الانزياحِ وجَمالِهِ ومُتعتِهِ العقليّة.

(طُرُقاتِ الهَوامِشِ): وفيها تحويلٌ إضافيٌّ، والمُتلقّي بعدَما يَقرأ كلمةَ "طرقات"، يتوقّعُ أنْ يَتلوَها كلمةُ (محسوسةً)، غيرَ أنّه يتفاجأ بوجودِ كلمةٍ مَعنويّةٍ، وهي "الهوامش"، فكأنّ للهامشِ طريق.

(وَفي عُرْيِ العَراءِ المَكْسُوِّ بِدِمائِنا): كنايةً عنِ المآسي والفواجِعِ في فلسطين، والكنايةُ انزياحٌ واختراق. وتتوالى الأفعالُ المُضارعة: يرقصُ، يَطيبُ، تبرَعُ، تتلهّى، تتفنّنُ، تغسلُ، تتدحرجُ، وهذه الأفعالُ تدلُّ على استمراريّةِ المأساة، مأساةِ الفلسطينيّ في غربتِهِ وفي المخيّماتِ، وقد تكرّرَ صوتُ التّاءِ ستَّ مرّاتٍ، ليَكشفَ عن الحالةِ النّفسيّةِ للشّاعرةِ وانفعالاتِها، وتوتُّراتِ الغضبِ الّتي تجتاحُها، وفي التّكرارِ بالحرفِ انزياحٌ.

أَهُوَ الهَباءُ؟/ تجْمَعُنا المُفارَقاتُ/ تَطْرَحُنا الضَّرَباتُ/ لِتقاسِمَنا رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن!  (أَهُوَ الهَباءُ؟!): الاستفهامُ يُفيدُ التّعجُّبَ.

(تجْمَعُنا المُفارَقاتُ): شبّهَتِ الشّاعرةُ المُفارقاتِ بشيْءٍ يَجمَعُ، والمُفارقاتُ كلمةٌ مُوحِيةٌ توحي بالتّشتُّتِ، وكأنّي بها تُشيرُ إلى النّكبةِ عام 1948.

(تَطْرَحُنا الضَّرَباتُ): كنايةً عنِ المآسي التي تَحلُّ بالشّعبِ الفلسطينيّ في الشّتاتِ، وما أصابَهُم مِن ذُلٍّ وقتلٍ وخاصّة في عام 1967، وما تلاهُ، خاصّة عام 1982 في حرب لبنان الأولى..

(رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن): كنايةً عنِ الحَدِّ الأدنى مِنْ أُسُسِ العيش، وهنا حُذِفتْ جُملةٌ كاملةٌ في سطر (تجْمَعُنا المُفارَقاتُ) والتقديرُ: (تجْمَعُنا المُفارَقاتُ/ لِتقاسِمَنا رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن!)  وَ (تَطْرَحُنا الضَّرَباتُ/ لِتقاسِمَنا رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن!). فإنّ هذا النّوعَ مِنَ الانزياحِ يَتّسِمُ ببعضِ السِّماتِ المُصاحِبةِ له، كالابتكارِ، والجدّة، والنّضارة، والإثارة.

يوصِدُ الأَسى أَقْفالَهُ/ في مَلاجِئِ عُيونِ البَراءَةِ/ يَشيبُ الصُّراخُ الأبْكَمُ/ عَلى أَفْواهِ طُفولَةٍ شابَها الهَلَعُ/ وَسائِدُ الضَّحايا تَتَشَرَّبُ العَويلَ الأبْكَمَ/ تُعانِقُ أرْواحَ أَحْلامٍ هارِبَةٍ/ مِنْ نَواقيسَ فِرارٍ/ إلى..كَوابيسَ اسْتِقْرار؟/ وَفي عُرْيِ العَراءِ المَكْسُوِّ بِدِمائِنا.

(في مَلاجِئِ عُيونِ البَراءَةِ): شبّهتِ الشّاعرةُ البراءةَ بإنسانٍ لهُ عيونٌ، وهذهِ استعارةٌ، والاستعارةُ انزياحٌ. (يَشيبُ الصُّراخُ الأبْكَمُ): وهنا الانزياحُ في صِفةِ المَوصوفِ، ويُسمّى بالانزياحِ التّركيبيّ، فالمُتلقّي عندما يَقرأ كلمةَ "الصراخ"، يتوقّعُ أن تكونَ صفتُهُ "العالي" أو "الحزين"، لكنّهُ يتفاجَأ بكلمةِ "الأبكم".

هذا الابتكارُ الّذي صنَعتْهُ الشّاعرةُ كانَ غايةً في الرّوعةِ والجَمال، بحيثُ زاوَجَتْ بينَ كلٍّ مِن "يَشيبُ" و"الصّراخ" مِن جهة، ومِن جهةٍ أخرى زاوَجَتْ بينَ كلٍّ مِن "الصّراخ" و"الأبكم"، وحرّكتْ على نحوٍ ما المَجالَ التّقريريّ، ساعِيةً إلى دائرةِ الشّعر، رغمَ كوْنِهما لا يتّفقانِ "إضافة" في بينَهُما، فـ"يشيبُ" شيءٌ و"الصّراخُ" شيءٌ، كما أنّ "الصّراخَ" شيءٌ و"الأبكم" شيءٌ آخرُ. وفي المُحصّلةِ، فقد جعَلتْ مِن هذا التّزاوُجِ المُتتالي قيمةً شعريّةً وفنّيّةً مميّزةً، وهذا الابتكارُ الّذي صنعَتْهُ الشّاعرةُ كانَ غايةً في الرّوعةِ والجَمال. 

ومثلُ ذلك قولُ شاعرتِنا: (وَسائِدُ الضَّحايا تَتَشَرَّبُ العَويلَ الأبْكَمَ): ثلاثةُ انزياحاتٍ إضافيّةٍ متتابعة، فالمُتلقّي عندما يَقرأ أو يَسمعُ كلمةَ "وسائد"، يتوقّعُ أن تكونَ مُضافةً إلى كلمةِ "النّائمين" مثلًا، لكنّهُ يَتفاجأ بكلمةِ "الضحايا"، وعندما يَقرأ أو يَسمعُ كلمةَ "تتشرَّبُّ"، يتوقّعُ أن تكونَ مُضافةً إلى كلمة "الماء" مثلًا، لكنّه يتفاجأ بكلمةِ "العويل"، وعندما يقرأ أو يَسمعُ كلمة "العويل"، يتوقّعُ أن تكونَ مُضافةً إلى كلمة "المُحزن" مثلًا، لكنّهُ يتفاجأ بكلمةِ "الأبكم".

أُمَّااااااهُ/ جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ/ يَتَهافَتُ/ عَلى سَحْقي../ عَلى تَمْزيقي: تقولُ: "أمّاه"، وهنا اختراقٌ، أو تحويلٌ، أو انزياحٌ بالحذف، وهو حذفُ حرفِ النّداء، وتقديرُه يا أمّاه، ويَليهِ اختراقٌ بحذْفِ جُمَلٍ كاملة، والتّقدير: يا أُمَّااااااااااهُ/ جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ/ يَتَهافَتُ/ جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ يَتَهافَتُ عَلى سَحْقي../ جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ يَتَهافَتُ عَلى تَمْزيقي..

وتقول: لِمَ نَوافِذُ الرَّهْبَةِ مُشَرَّعَةٌ في مَنافِذِ الصُّمودِ؟/ أَتَمُرُّ بِيَ رياحُ الرُّعْبِ/ مِنْ آتِ وَحْشٍ/ يُدَنِّسُ جَسَدي الطَّاهِرَ/ يَعْصِفُني.. وتقول: (لمِ نَوافِذُ الرَّهْبَةِ مُشَرَّعَةٌ في مَنافِذِ الصُّمودِ؟)، وَ (أَتَمُرُّ بِيَ رياحُ الرُّعْبِ)، ففي هذيْنِ السّطريْنِ يَتكرّرُ الانزياحُ الإضافيُّ ثلاثَ مرّاتٍ، وفيهِ تحويلٌ إضافيٌّ، والمُتلقّي بَعدما يَقرأ كلمةَ "نوافذ"، يتوقّعُ أن يَتلُوَها كلمةٌ محسوسةٌ "البيت" مثلًا، غيرَ أنّه يتفاجأ بوجودِ كلمةٍ مَعنويّةٍ، وهي"الرّهبة"، وعندما يَسمعُ كلمةَ "مَنافذَ"، يتوقّعُ أن يَتلُوَها كلمةٌ محسوسةٌ، "المدينة" مثلًا، غيرَ أنّه يَتفاجأ بوجودِ كلمةٍ معنويّةٍ، وهي"الصمود"، وعندما يَقرأ كلمةُ "رياح"، يتوقّعُ أنْ يَتلُوَها كلمةُ "الشتاء" مثلًا، غيرَ أنّهُ يَتفاجأ بوجودِ كلمةٍ مَعنويّةٍ، وهي"الرّعب". وهناكَ انزياحٌ جَماليٌّ رابعٌ، يتمثّلُ في التّقديمِ والتّأخيرِ في سطر: (أَتَمُرُّ بِيَ رياحُ الرُّعْبِ)، حيثُ تَقدّمَ الجارُّ والمجرور "بي"، وحقُّهُ التّأخيرُ على الفاعلِ "رياح الرّعب"، والّذي حقُّهُ التّقديم. وفي أسلوبِ الاستفهامِ "لِم.......؟" انزياحٌ خامسٌ يتمثّلُ في الحذف "لماذا........؟". وهناكَ انزياحاتٌ كثيرةٌ في نصِّ شاعرتِنا آمال، والمجالُ لا يتّسِعُ هنا لتوضيحِها كلّها، لكنْ سأقفُ عندَ بعضِها.

أيا فَجْريَ السَّليبَ/ آآآآآآآآآآآآآآهٍ/ ما أَثْقَلَهُ الحُزْنَ!/ دُروبُ المَوْتى تَتَعَثَّرُ بِقَناديلِ الظُّلْم ِالمُظْلِمَةِ/ تَحْنو عَلَيْها.. بِقَسْوَتِها الرَّقيقةِ/ تَقْتَنِصُ الأجْسادَ الضَّالَّةَ في غَياهِبِ الرُّعْبِ/ بِكُتَلٍ مِنْ وَمْضٍ يَسْعُلُ/ تُغْمَدُ في صَفْوَةِ صَفائِها سُيوفُ رَحْمَةٍ/ اسْتَلَّتْها مِنْ غِمْدِ المَوْتِ/ لِتَنوسَ ذُبالَةُ فَوانيسِ الارْتِياح!/ ارْتِياح!؟/ بَلْ راحَةٌ أَبَدِيَّةٌ! 

تقولُ: (أيا فَجْريَ السَّليبَ): يتفاجأ المُتلقّي مِن حصولِ الّلامتوقّع مِن خلال المُتوقَّع؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليهِ يتلاءَمُ والمضاف. فهو يتوقّعُ بَعدَ كلمةِ "فجري" وجودَ كلمةِ "المضيء"، لكنّهُ يَنبهِرُ لوجودِ صفةٍ، وهي كلمة "السّليب"، ويُصبحُ عندَ شاعرتِنا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريٌّ خالِصٌ، ومثلُ ذلكَ كثيرٌ، كما في قولِها: تَحْنو عَلَيْها.. بِقَسْوَتِها الرَّقيقةِ، وفي قولها: تَقْتَنِصُ الأجْسادَ الضَّالَّةَ في غَياهِبِ الرُّعْبِ / بِكُتَلٍ مِنْ وَمْضٍ يَسْعُلُ/ تُغْمَدُ في صَفْوَةِ صَفائِها سُيوفُ رَحْمَةٍ/ اسْتَلَّتْها مِنْ غِمْدِ المَوْتِ.

الوظيفةُ الرّئيسةُ للانزياحِ ماثلةٌ فيما يُحدِثُهُ مِنْ مُفاجأةٍ، تُؤدّي بالمُتلقّي إلى الغِبطةِ الذّهنيّةِ، والإمتاعِ الوجدانيّ، والإحساسِ العذب بالأشياءِ إحساسًا مُتجدّدًا. والغايةُ مِن لجوءِ شاعرتِنا لأسلوبِ الانزياح، أنّها ارتأتْ في عصْرِنا الحاليِّ، أنّ الشِّعرَ لمْ يَعُدْ وسيلةً رئيسةً في حِفظِ الموروثِ القبَليِّ والدّينيّ والاجتماعيّ، معَ دخول وسائلَ أخرى وأساليبَ أكثرَ مُرونةً وقبولًا لدى النّاس، فاتّجهَتِ الشّاعرةُ لقضايا أكثرَ حميمةً وقُربًا مِن نبْضِ الشّارعِ وضميرِ الأمّة، كالقضايا الإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ والسّياسيّة، إضافةً لتأثُّرِ شاعرتِنا الجبرانيّةِ الكبير بالطّبيعة، ومُحاولتِها خرْق سُننِها العاديّةِ، والتّحليق في فضائِها الرّحب، وكلُّ هذا يَحتاجُ لفنونٍ أخرى غيرِ الدّارجةِ والمُتعارَفِ عليها، فاعتمدَتْ أساليبَ الانزياحاتِ؛ لتُلبّي رَغبتَها، وتُشبعَ روحَها وغريزتَها، بابتكارِ لغةٍ شِعريّةٍ عذبة المَذاق.

اسْتِغاثاتٌ تَضِجُّ في مَفارِقِ الحَياةِ والمَوْتِ/ حَناجِرُ طُفولَةٍ تُمَزِّقُها سَلاسِلُ مَسْلولَة/ وَفي رَنينِ القَوافِلِ اللاّهِثةِ/ تتَلَهَّفُ قَبائِلُ القَلَقِ السَّاهِمَةِ/ أَنْ تُوارِيَ أَجْسادَ المَنْهوكينَ/ في الهَرَبِ/ في لحْدِ النّوْمِ المُؤَقَّتِ/ لِتَبُلَّ ظَمَأَ الجُفونِ لمُعَذَّبَةِ بِـــ/ قَ/ طَ/ رَ/ ا/ تٍ/ مِنْ نوْمٍ أَصَمَّ. ففي قولِها: (اسْتِغاثاتٌ تَضِجُّ في مَفارِقِ الحَياةِ والمَوْتِ/ حَناجِرُ طُفولَةٍ تُمَزِّقُها سَلاسِلُ مَسْلولَة): وهنا يبدو الانزياحُ التّركيبيُّ، وهو مَخالَفةُ التّراتبيّةِ المألوفةِ في النّظام الجُمَليّ. مِن خلالِ بعضِ الانزياحاتِ المسموح بها في الإطارِ الّلغويّ، كالتّقديمِ والتّأخيرِ في بعضِ بُنى النّصّ، فقدْ تقدّمَ الجارُّ والمجرور "في مَفارِقِ الحَياةِ والمَوْتِ"، وهو ما حقُّهُ التّأخير، على الفاعلِ الّذي حقُّه التّقديم؛ "حَناجِرُ طُفولَةٍ". وفي قولِها (مِنْ نوْمٍ أَصَمَّ) انزياحٌ إضافيّ، فالمُتلقّي عندما يَسمعُ كلمةَ "نوم"، يتوقّعُ بأن تكونَ صفتُهُ "هادئ" مثلًا، لكنّهُ يَتفاجأ بوجودِ كلمةِ "أصمّ". إنّ البكاءَ شعورٌ إنسانيٌّ وووجدانيّ يقعُ في نفس الشّاعر، فيَعتلِجُ لسانُهُ بالقوْلِ وينطلِقُ بمكنونِ صدرِهِ، فيُعبِّرُ عن ذلك بما اصْطُلِحَ عليهِ (فنُّ الرّثاء). فالرّثاءُ ليسَ صورةً أدبيّةً لعصرٍ ما فحسْب، بلْ وثيقةٌ تاريخيّةٌ واجتماعيّةٌ وفكريّةٌ، فوقَ ما هو نابعٌ مِنَ الرّوحِ والذّات. لهذا لم يَكُنِ الرّثاءُ مُنغلِقًا في دائرةِ البُكاءِ والأحزانِ والتّهويلِ والوعيدِ، أو في دائرةِ تَعدُّدِ الصّفاتِ على اشتهارِ الجاهليّينَ بهذا؛ وإنّما كانَ تجربةً حيّةً كاملةَ الأبعادِ للحياةِ والموتِ والبحث عن المصير(6).  

لا يَسْمَعُ أزيزَ المَوْتِ الكَفيفِ!/ أَتَنْهارُ سُدودُ الحَقيقَةِ/ لِتنْقَلِبَ الأحْلامُ الخَضْراءُ مَرْتَعَ شِراكٍ؟/ أَتُغْتالُ ظِباءُ المَنامِ؟/ أَتَفْقِدُ رَحْمًا تَتَناسَلُ فيهِ أَجِنَّةُ الرَّحْمَةِ؟/ لوْحَةٌ دَمَويَّةٌ تَجْري وَجَلا/ تَصُبُّ/ شَلاّلاتِ المَآسي في مَنابِعِ الغُرْبَةِ/ وَعَلى/ ضِفافِ المَوْتِ/ وحينَ يَجِنُّ اللَّيْلُ/ تَتَجَنّى الصُّوَرُ في مُجونِ الجُنون!

لقد قامتْ شاعرتُنا بالانزياحِ التّركيبيّ، فقدّمَتْ كُلًّا مِن شِبهِ الجُملةِ الجارّ والمجرور؛ "وعلى ضِفافِ المَوْتِ"، وكذلك شِبه الجملة الظّرفيّة؛ "وحينَ يَجِنُّ اللَّيْلُ"، وهُما ما حقُّهُما التّأخير، على الفِعل والفاعل "تَتَجَنّى الصُّوَرُ في مُجونِ الجُنون!" وهو ما حقُّهُ التّقديم. هذهِ جَماليّةٌ في الأسلوبِ، وهذا لمْ يَرِدْ عندَ شاعرتِنا اعتباطًا، بلْ لهُ جُملةٌ مِنَ المَقاصدِ، بلْ أرادَتْ أنْ تُؤكِّدَ على المآسي وتُلقي عليها الضّوءَ؛ ليتِمَّ الوقوفُ عليها والاهتمامُ بها، ولفت الانتباه، فالتّقديمُ والتّأخيرُ ظاهرةٌ لا تَكسِرُ قوانينَ الّلغةِ المِعياريّةِ، لتبحثَ عن قوانينَ بديلةٍ، لكنّها تَخرقُ القانونَ بعنايةٍ فائقةٍ، بما يُعَدُّ استثناءً نادرًا. وفكرةُ الانحرافِ deflection تُعتبَرُ خرقًا مُنظَّمًا لشِفرةِ الّلغة، يُحاولُ بناءَ نمَطٍ شُعوريٍّ آخرَ بنظامٍ جديد، وجُملةُ الأمرِ، أنَّ تَجاوُزَ نمَطِيّةِ الّلغةِ أصبحَ مِن أهمِّ المُرتكَزاتِ الأساسيّة المُحدَثة في الخطابِ الشّعريّ المُعاصِر، الّذي يتغيَّا استحداثَ لغةٍ شِعريّةٍ جديدة، تتمرّدُ على القوالبِ الجامدةِ.

الألفاظُ هي أوّلُ ما يَلقانا في نصوصِ الشّعر، لكنْ يجبُ أنْ نأخذَ في الاعتبار، أنّ "الّلغةَ إنّما تحدّدتْ ألفاظُها بالقياسِ إلى عالمِ الأشياءِ الحِسِّيّ، أمّا عالَمُ النّفِس المَعنويّ، فلا تزالُ ألفاظُ الّلغةِ قاصرةً عن أنْ تُحدِّدَ معانيهِ، ولا تزالُ تضربُ في تيهٍ من ماهيّاتِهِ، وهي ماهيّاتٌ غيرُ مُتناهيةٍ، وما لا تَناهٍ لهُ لا يُدرَكُ إدراكًا دقيقًا، بحيثُ يُوضَعُ لفظٌ مُحدَّدٌ بإزائه"(7).

لقد اتّسمَتِ المقطوعةُ بالوحدةِ العضويّةِ والوحدةِ الموضوعيّة، وتوفّرَ فيها الصِّدقُ الفنّيّ، وجَمالُ الصّورِ الفنّيّة.

 

الهوامش:

  1. اُنظر: ديوان "سلامي لكَ مطرًا"، آمال عوّاد رضوان ص97- 105، دار الزاهرة للنشر والتوزيع، المركز الثقافيّ الفلسطينيّ- بيت الشعر، رام الله– فلسطين 2007.
  2. ظاهرة الانزياح الأسلوبيّ، صالح شتيوي ص83، مجلّة جامعة دمشق، المجلد 21، العدد (3+4) 2005.
  3. استدعاء الشّخصيّات التراثيّة في الشّعر العربيّ المعاصر، عشري زايد، علي؛ ص 20 ، 21.دار غريب للطباعة والنشر، 2006 .
  4. تجربتي الشّعريّة، عبد الوهاب البياتي، ص35، دار العودة، بيروت، 1971.
  5. الاتّجاه الوجدانيّ في الشّعر العربيّ المعاصر، د. عبد القادر القط، ص 466.  
  6. اُنظر: الرّثاء في الجاهليّة والإسلام، حسين جمعة ص 19، دار العلم 1991م، ط 1  دمشق.
  7. في النقد الأدبيّ، شوقي ضيف، دار المعارف، (ص: 129).‏

 

 

 

 

 

 

الأسطورةُ في قصيدةِ "مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الْأَزْرَق(1)"

عَلَى عَنَانِ بُشْرَى جَائِعَةٍ/ تَ مَ ا وَ جْ تَ..

وَبليْلٍ لاَئِلٍ/ اقْتَفَيْتَ فَيْضَ ظِلِّي الْمُبَلَّلِ

بِضَوْضَاءِ أَصْفَادِي/ أَرْخَيْتَ مَنَادِيلَ عَتَبٍ مُطَرَّزٍ بتَعَبٍ

تَسْتَدْرِجُ بِشْرِيَ الْمُسْتَحِيل/ وفِي تَمَامِ امْتِثَالِي الْمُتَمَرِّدِ تَوَرَّدْتَ!

بِوَمْضِ عِطْرِكَ الْعَابِثِ

مَـضَـيْـتَ تَـتَـخَـفَّـى/ تَـقْـتَـرِفُ تَقْوَى إِشَاعَةٍ بَشُوشَةٍ

وَأَنَا فِي سَكْرَةِ أَعْمَاقِي

أَثْمَلُ بِمَوْجِ مُسْتَحِيلٍ/ لاَ يُذْبِلُ نُوَاحَهُ جُنُونُكَ!

أَنَامِلُكَ.. / مَا فَتِئَتْ تَتَنَدَّى اشْتِعَالاً دَامِسًا

تُ قَ شِّ رُ/ سَحَابَ وَقْتِي الْمَوْشُومِ بِالنُّعَاسِ!

وَلَمَّا تَزَلْ تخَلَعُ أَسْمَالَ تَثَاؤُبٍ/ كَم تَيَمَّنَ بِالأَزَلْ!

وَلَمَّا تَزَلْ:/ فِي سَدِيمِ الصَّمْتِ الْمَثْقُوبِ

تَمْتَطِي تَرَاتِيلَ كَوْنِي الْغَافِي!

أَسْرَابُ وَهَنِكَ الْمِغْنَاجِ/ ا نْ سَ لَّ تْ/

تُرَاقِصُ نِيرَانَ أَحْلاَمٍ/ مَا غَابَ طَعْمُهَا عَنِ لِسَانِي!

طُيُوفُ جِرَاحي طَاعِنَةٌ في سَرْمَدِيَّتِهَا

أَسَهْوًا تَشَدَّقَهَا سُهْدٌ أُسْطُورِيُّ الْمَلاَمِحِ؟

أَشَابَهَا خَدرُ نَقْشِكَ الْخَشْخَاشِ

أَمْ عَلَّقْتَ حَدْسِيَ الْكَفِيفَ/ عَلَى مِقْبَضِ مَوْجِكَ الْفِرْدَوْسِيِّ؟

زَفَرَاتُ نُجُومِي/ جَرَفَتْهَا سُيُولُ تَمَرُّغِكَ/ حِينَمَا غَرَّهَا بَسْطُكَ الْمُهْتَرِئُ

وَ.. / عَلَى مَقَامِكَ الْمَرْكُونِ/ مُنْصَاعَةً

تَ كَ سْ سَ رَ تْ/ وَرَصَّعَتْنِي بِانْكِسَاري!

بِجَنَاحَيْ جُنُونِكَ انْبَثَقْتَ عَائِمًا تُرَفْرِفُ

اضْطَرَبْتَ هَائِجًا تُهَفْهِفُ

تَسْتَبِيحُ رُفُوفَ انْشِطَارٍ/ لَكَمْ صَفَّدْتَهُ بِضَيَاعِي الْمُنَمْنَمِ

كَيْ تَمْتَشِقَ إِغْوَاءَاتِ احْتِضَارِي!

فَتَائِلُ دَهْشَةٍ/ خَطَفَتْ قُصَاصَاتِ تَوْقِي مَسْحُورَةَ الطَّوْقِ

سَمَّرْتَنِي/ بَيْنَ وُعُودٍ مُؤَجَّلَةٍ/ وَبينَ جُدرَان تَتَهَاوَى!

خُطَى رِيحِكَ الضَّرِيرَةُ وَشَتْ أَجْنِحَتَكَ

شَبَّ لَهِيبُهَا فِي اقْتِفَاءِ أَثَرِي

تَنَيْرَنْتَ!/ تَبَغْدَدْتَ!

وفِي مَحَافِلِ التَّرَقُّبِ

احْتَرَفْتَ تَضْمِيدَ حُرُوقِ حُرُوفِي!

ألْسِنَةُ بَوْحِي النَّارِيِّ/

طَلَيْتَهَا بِوَشْوَشَةٍ انْبَجَسَتْ تَسْتَجِيرُ:

سَرَابُ حُورِيَّةٍ أنَا؛/ إِلَى مَسَارِبِ الْوَهْمِ أَغْوَانِي

بِثَوْبِ السَّبَانِي.. سَبَانِي

بَعْثَرَ وَجْهِيَ فِي ذَاكِرَةِ الْحُجُبِ/ وَابْتَلَعَ ذَيْلِيَ الذَّهَبِيَّ!

يَا رُفَقَاءَ الأَسْمَى

بَوَّابَةُ سَمَائِي مَحْفُوفَةٌ بِهَيَاكِلَ مَجْدٍ

سَاحَ ضَوْؤُهَا زَرْكَشَةً تَتَجَنَّحُ/ ومَا انْفَكَّتْ بِأَهْدَابِ الذُّهُولِ تَتَمَوَّجُ

اسْتَنِيرُوا بِي!

لَدُنِي الْمُقَدَّسُ كَمِ ازْدَانَ بِأرْيَاشِ الشَّمْسِ

وَمُنْتَشِيًا / تَعَنَّقَ نَحْوَ عُشِّ النَّارِ!

بِسُلَيْمَانَ أَغِيثُونِي/ بِأسْرَابِ جِنِّهِ/ تَحْفُرُ قَاعَ بَحْرِي أَفْلاَجًا

تُهْدِينِيهَا فِي لَيْلَةِ عِيدِي

مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ/ لِتَهُزَّ قَلاَئِدُ سَمَائِي غَيْثًا..

يَتَضَوَّعُ حُبًّا.

يَا رُفَقَاءَ الأَسْمَى

مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ/ وَزُفُّوا إِلَيَّ.. ذَيْلِيَ الْوَضَّاءَ!

____________________________

*تنيرتَ/ تشبّهتَ بنيرون *تبغددت/ تشبّهتَ بأهل بغداد/*سَباني الثانية تعود إلى السّبي/ *السّباني نسبة إلى سبن قرية عراقية في نواحي بغداد والسّبنية هو أزر أسود للنساء.

ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ: وقفتُ طويلًا قُبيْلَ تحليلي لهذا النّصِّ الجميلِ وسبْرِ أغوارِهِ. البعضُ حلّلَهُ عن طريقِ الاستسلامِ الكلّيِّ للجسدِ الشّبقيِّ، وفتنتِهِ، وغوايتِهِ القاتلةِ، وحمَّلَ العنوانَ مَلامحَ آيروتيكيّة، وهو نوعٌ مِنَ الغريزةِ الجنسيّةِ الجسَديّةِ، الّتي مَنبَعُها التّوْقُ الجارفُ للتّحرّرِ مِن ثِقلِ المكبوتِ التّاريخيِّ الرازحِ على فِكرِ المرأةِ والرّجُلِ معًا. لكنّ هذا التّأويلَ لمْ يَرُقْ لي، والّذي استسَغْتُهُ هو ما حصَلَ ويَحصُلُ في العراق، ففي النّصّ إشاراتٌ مُوحيةٌ مُكثّفةٌ تُعزِّزُ رأيي، فالحُوريّةُ بابليّة عراقيّةٌ، والثّوبُ السّبّاني نسبةً لقريةٍ عِراقيّةٍ قُربَ بغداد، وتستصرخُ الفلّوجة وتَستغيثُ بسُليمانَ الّذي أغاثَ أهلَها بالأفلاج، عندما نضُبَتْ مياهُهُم وجفّت يَنابيعُهم.

نعودُ لعنوانِ القصيدة: "مَرِّغُوا نَهْدَيَّ  بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ  وللبُنيةِ التركيبيّةِ، ويتكوّنُ مِن جُملةٍ فِعليّةٍ "مرّغوا نهْدَيّ"، مُكوَّنة مِن فِعلٍ أمْرٍ، ومِن فاعلٍ وهو واو الجماعة، ومِن مفعولٍ بهِ "نهْدَيَّ"، ومِن جارّ ومجرور في محَلّ نصب حال.

أمّا بُنيتُهُ الدّلاليّة: "مَرِّغْ" فِعل أمْر، فيَقولون:" أَمْرَغَ؛ أَي سالَ لُعابُه"(2). وَ"المَرْغُ" يَعني الإشباعُ بالدُّهْن(3). لكنّ دلالتَهُ تطوّرتْ، فأصبحَ بمعنى التّطيُّبِ بالعِطر.   والنّهدانِ هما الثّديانِ، وهُما رمزانِ لمعاني الجَمالِ والخصوبةِ والإثارةِ والبناء والنّماء، "والعطرُ الأزرق" رمزٌ للعِطرِ الفوّاح المُثير. نعم، وفي ظاهرِ العنوانِ صرخةٌ آيروتيكيّة، واستسلامٌ للغريزةِ الجنسيّة، وبعبارةٍ أخفُّ وطأةٍ، هو نوعٌ مِنَ التّوْقِ الجارفِ للتّحرّرِ مِن ثِقلِ المكبوتِ التّاريخيِّ الرّازحِ على فِكرِ المرأةِ والرَّجُلِ معًا؟

وتتساءَلُ صاحبةُ النّصِّ في مَقالٍ لها بعنوانٍ: "الأيروتيكيّة مفهومًا- مَبعثًا وتاريخًا" قائلة:" هل الاستسلامُ الكلّيُّ للجسدِ الشّبقيِّ، وفتنتِهِ، وغوايتِهِ القاتلةِ، يُقدّمُ للكاتبِ وللمجتمعِ الدّفءَ، والحنانَ، والاحتماءَ الوجوديَّ، ويُوفّر الأمانَ، والإحساسَ بالحياةِ الحقيقيّةِ الفاضلةِ، ويَصنعُ الحياةَ بشخصيّاتٍ سويّةٍ، تَعي واجباتها وحقوقَها في إعادةِ التّوازن؟"(4).     فالمَعنى الظّاهريُّ والسّطحيُّ يَتمثّلُ في أنّ الشّاعرةَ تَطلُبُ وتدعو للشّبقِ الجنسيِّ والتّلذُّذِ بالجَسدِ، لكن؛ هناكَ معنًى أعمقَ وأشمَلَ وأدَقَّ مِن هذا المعنى السّطحيّ يُستشَفُّ مِن خلالِ النّصّ، فليستِ الشّاعرةُ هي الّتي تدعو للإشباعِ والتّلذُّذِ بالجسدِ، لكن هناكَ مدينةً هي مدينةُ السّلام؛ بغداد العراق، مدينةُ أقدمِ الحضاراتِ، مدينةُ هارونِ الرّشيد الّتي تَنكّرَ لها الأهلُ والخِلّانُ والجارُ وذوو الأرحام، معَ مَن غزاها ممّن جاءَ مِن وراءِ البحار، هي المدينةُ الّتي أُرجِعَتْ للعصرِ الحجريّ، فلمْ تُرحَمْ، هي الّتي تَستصرخُ الدّفءَ والحنانَ والحضنَ والأمانَ، مِنَ الأهلِ الخِلّان والّلئام. فالعراقُ اليومَ خُلُوٌّ مِنْ كلِّ حنانٍ، فما تبقّى مِن روحِ بغدادَ ظمآنٌ للجَسدِ الولهان، فالشّاعرةُ شبّهتِ العراقُ بعدَما دُمِّرَ وفقَدَ كلَّ المَلذّاتِ، بالمرأةِ الشّبقةِ الّتي تتوسّلُ الجسدَ، فهي تتقمّصُ العراق. 

العنوانُ مبدوءٌ بالأسلوبِ الإنشائيّ، وهو الأمْرُ الّذي خرجَ عن مَعناهُ الحقيقيّ؛ ليُفيدَ التّمنّي، فالمُخاطَبُ كما الجماد، قلبُهُ كالحجارةِ أو أشَدَّ قسوةٍ، أو قُلْ: يُفيدُ الأمْرُ الدّعاءَ، فالمُتكلِّمُ في حالةِ ضعفٍ وتدميرٍ، والمُخاطَبُ قويٌّ يَتسلّحُ بكاملِ قوّتِهِ وعجرفتِهِ. وفي عبارة "العطر الأزرق" انزياحٌ، فالشّاعرةُ أسندَتِ الصّفةَ "الأزرق"  للموصوفِ "العطر"، وهي استعارةٌ تنافريّةٌ؛ وهي صورةٌ بلاغيّةٌ، تقومُ على الجمْعِ بينَ مُتنافِرَيْنِ لا علاقةً جامعةً بينَهما؛ لخلْقِ منظومةٍ شعريّةٍ ذاتِ دلالةٍ ومَغزى؛ لِيتحقّقَ التّنافرُ المطلوبُ، فنحنُ نقولُ مثلًا: العِطرُ الفوّاحُ. تقولُ الشّاعرةُ الّتي تقمّصَتِ العراقَ: عَلَى عَنَانِ بُشْرَى جَائِعَةٍ/ تَ مَ ا وَ جْ تَ../ وَبليْلٍ لاَئِلٍ اقْتَفَيْتَ فَيْضَ ظِلِّي الْمُبَلَّلِ.  

تقول:" عَلَى عَنَانِ بُشْرَى جَائِعَةٍ": هذا النّوعُ مِنَ الاستعارةِ يُعرَفُ بـ "الاستعارةِ التّنافريّة"، فالشّاعرةُ أسندَتِ الجوعَ للبُشرى؛ لِيتحقّقَ التّنافرُ المَطلوبُ، وهو ابتداعٌ شِعريٌّ تَخيُّليّ، وهذا انزياحٌ في الشّعر. (عَلَى عَنَانِ بُشْرَى جَائِعَةٍ تَمَاوَجْتَ): وفي هذا انزياحٌ تركيبيٌّ في التّقديمِ والتّأخير، حيثُ تقدّمَتْ شِبهُ الجملةِ "على عنان بشرى"، على كلٍّ مِنَ الفِعل والفاعل "تماوَجْتَ". نعم، لقد وَعدوا العراقَ بالدّيمقراطيّةِ والرّخاءِ والازدهار، وما زالَ القتلُ والفقرُ مُستمرًّا!

(وَبليْلٍ لاَئِلٍ اقْتَفَيْتَ فَيْضَ ظِلِّي الْمُبَلَّلِ): "وليلٌ لاَئِلٌ "مثل: شِعْرٌ شاعرٌ، في التّأكيدِ على الظّلمةِ الّتي اجتاحتْ بغدادَ، والمَصائبِ الّتي حلّتْ بها، وفي هذا السّطرِ الشِّعريِّ اختلفَ التّرتيبُ المألوفُ في الجُملةِ، وهذا ما يُسمّى بالتّحويلِ التّركيبيّ، وهذا مَشُوقٌ للمُتلقّي ووجدانِهِ، ويُغلِّفُ المَعنى والفكرةَ بعضُ الغموضِ، وهنا تكمُنُ الّلذّةُ العقليّةُ في الاستكشاف، وهدفُ التّقديمِ إبرازُ أهمّيّةِ المُقدَّمِ ولفتُ الانتباهِ، فلقد قدّمّتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملةِ "وبليلٍ لائلٍ"، وحقُّها التّأخيرُ على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعلِ والمفعولِ به، وحقُّ كلٍّ التّقديم "اقْتَفَيْتَ فَيْضَ ظِلِّي الْمُبَلَّلِ"؛ لبيانِ وتأكيدِ المَصائبِ الّتي تحلُّ بالعراق.

"اقْتَفَيْتَ فَيْضَ": ولقد تَكرّرَ الصّوتانِ: الفاء والياء؛ لإحداثِ نوعٍ مِنَ الإيقاع. (وَبليْلٍ لاَئِلٍ اقْتَفَيْتَ فَيْضَ ظِلِّي الْمُبَلَّلِ): فالشّاعرةُ أسندَتِ الصّفةَ "المُبلّلِ"  للموصوفِ "ظِلّي"، وهي استعارةٌ تنافريّةٌ؛ ليتحقّقَ التّنافُرُ المَطلوب.

بِضَوْضَاءِ أَصْفَادِي/ أَرْخَيْتَ مَنَادِيلَ عَتَبٍ مُطَرَّزٍ بتَعَبٍ/ تَسْتَدْرِجُ بِشْرِيَ الْمُسْتَحِيل/ وفِي تَمَامِ امْتِثَالِي الْمُتَمَرِّدِ تَوَرَّدْتَ! الصّورةُ المُركّبةُ هنا هيَ صورةُ الشّاعرةِ، أو إنْ شِئتَ العراق، المُكبَّلة يديْها بالأصفادِ الثّقيلة الّتي يُسمَعُ صوتُ  قرقعتِها. وتُرخي الشّاعرةُ مناديلَها المكتوب عليها عباراتِ العتب، وقد صاغتْها بتعبٍ، وهي تئِنُّ مِن ويلِ الحصارِ وقصْفِ المَدافع وأزيزِ الرّصاص، لكنّ الحبيبَ يُغلِقُ عينيْهِ، ويصُمُّ أذنيْهِ، ويَستمِرُّ في مساعدتِهِ للخارجِ في ذبْحِ الشّاعرة.

تقولُ: (بِضَوْضَاءِ أَصْفَادِي/ أَرْخَيْتَ مَنَادِيلَ عَتَبٍ مُطَرَّزٍ بتَعَبٍ): في هذا انزياحٌ تركيبيٌّ، وهذا مَشُوقٌ للمُتلقّي ووجدانِهِ، ويُغلّفُ المعنى والفكرةَ بعضُ الغموضِ، وهنا تكمُنُ الّلذّةُ العقليّةُ والوجدانيّةُ لدى المُتلقّي في الاستكشاف. وهدفُ التّقديمِ إبرازُ أهمّيّةِ المُقدَّم ولفتُ الانتباهِ، فلقدْ قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملة "بِضَوْضَاءِ أَصْفَادِي وحقُّها التّأخيرُ على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعلِ والمفعول به، وحقُّ كلٍّ التّقديم "أَرْخَيْتَ مَنَادِيلَ عَتَبٍ"، لبَيانِ وتأكيدِ ما سيُسجِّلُهُ التّاريخُ على الأهلِ والعرَبِ الّذينَ تآمَروا على العِراق، وعلى حصارِهِ وتكبيلِ يديْهِ بالشّروطِ الجائرة، فللأصفادِ ضوضاءٌ، وللمَناديلِ عتبٌ تُطرَّزُ عباراتُها بتعبٍ، ولقدْ تَلاعبَتِ الشّاعرةُ بالألفاظِ بينَ كلٍّ مِن: "عتبٍ" و"تَعبٍ" جناسٌ غيرُ تامّ، وهذا يُوَلِّدُ جِرسًا إيقاعيًّا مُناسِبًا.

وفي عبارتَيْ: "بِضَوْضَاءِ أَصْفَادِي" وَ "مَنَادِيلَ عَتَبٍ": انزياحٌ إضافيٌّ، يَكمُنُ في  المفاجأةِ الّتي يُنتِجُها حصولُ الّلامُنتظَرِ مِن خلالِ المُنتظَر؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مضافًا إليهِ يتلاءمُ والمُضاف. فالمُتلقّي يَتوقّعُ بَعدَ كلمةِ "ضوضاء"، أن يَسمعَ كلمةَ المُضاف إليه "المزعجة" مثلًا، لكنّهُ يُفاجأ بوجودِ كلمةِ "أصفاد"، والمُتلقّي يتوقّعُ أيضًا بَعدَ كلمةِ "مناديلَ"، أنْ يَسمعَ كلمةَ المُضافِ إليهِ "عُرس" مثلًا، لكنّهُ يُفاجأ بوجودِ كلمةِ "أصفاد"، وهكذا يُصبحُ لدينا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريٌّ بحت.

بِوَمْضِ عِطْرِكَ الْعَابِثِ/ مَـضَـيْـتَ تَـتَـخَـفَّـى/ تَـقْـتَـرِفُ تَقْوَى إِشَاعَةٍ بَشُوشَةٍ/ وَأَنَا فِي سَكْرَةِ أَعْمَاقِي/ أَثْمَلُ بِمَوْجِ مُسْتَحِيلٍ/ لاَ يُذْبِلُ نُوَاحَهُ جُنُونُكَ!: صورةُ الشّاعرةِ (العراق) أذهَلتْ أعماقَها المآسي والفواجعُ، وهي تتلقّى الضّربةَ تِلوَ الأخرى، والحبيبُ بخيَلائِهِ يَمضي مَزهُوًّا بعِطرِهِ، عابثًا بعواطفِها، يَبُثُّ الإشاعاتِ البشوشةَ، لكنّها مُغرِضة، وهذا يُذكِّرُنا بسادةٍ مِنَ العِراقِ، روّجوا للغازي بوجودِ أسلحةِ دمارٍ شاملٍ، ليُوفِّروا لهُ غطاءَ تَدميرِ العراق، وسَلْخِ نسيجِهِ الاجتماعيِّ وتَفكيكِهِ.

"بِوَمْضِ عِطْرِكَ الْعَابِثِ/ مَـضَـيْـتَ تَـتَـخَـفَّـى": وفي هذا انزياحٌ تركيبيٌّ، وهذا مُشّوِّقٌ للمُتلقّي ووجدانِهِ، وهدفُ التّقديمِ إبرازُ أهمّيّةِ المُقدَّم، ولفتُ الانتباهِ، فلقدْ قدّمَت الشّاعرةُ شِبهَ الجُملة "بوميض عطرك وحقُّها التّأخيرِ على كلٍّ مِن الفِعل والفاعل، وحقُّ كلٍّ التّقديم "مَـضَـيْـتَ تَـتَـخَـفَّـى"؛ لبيانِ وتأكيدِ ما سيُسجِّلُهُ التّاريخُ على الأهلِ والعرب، الّذينَ تآمَروا على العراق، ولمْ يُبالوا بما يَحصلُ لهُ. وفي مِثلِ هذا النّوعِ مِنَ التّقديمِ والتّأخيرِ في عبارة: "لاَ يُذْبِلُ نُوَاحَهُ جُنُونُكَ!" حيثُ قدَّمَتِ المَفعولَ بهِ على الفاعل؛ للتّأكيدِ على نُواحِ المَحبوبة.  

إنّ النّاقدَ كمال أبو ديب يُؤمِنُ بأنّ الشّعريّةَ والشِّعرَ، هُما جَوهَرِيًّا نهجٌ في طريقةِ رؤيا العالَمِ، واختراقِ قِشرتِهِ إلى لبابِ التّناقضاتِ الحادّة الّتي تَنسجُ نفسَها في لُحمَتِهِ وسداه، وتمنحُ الوجودَ الإنسانيّ طبيعتَهَ الضّدّيّةَ العميقة: مأساةُ الولادةِ وبهجةُ الموتِ(5). 

وتقول: أَنَامِلُكَ.. مَا فَتِئَتْ تَتَنَدَّى اشْتِعَالاً دَامِسًا/ تُ قَ شِّ رُ/ سَحَابَ وَقْتِي الْمَوْشُومِ بِالنُّعَاسِ!/ وَلَمَّا تَزَلْ تخَلَعُ أَسْمَالَ تَثَاؤُبٍ/ كَم تَيَمَّنَ بِالأَزَلْ!/ وَلَمَّا تَزَلْ:/ فِي سَدِيمِ الصَّمْتِ الْمَثْقُوبِ / تَمْتَطِي تَرَاتِيلَ كَوْنِي الْغَافِي: في هذا المَقطعِ كما في كلِّ مَقاطعِ القصيدة، نرى أنّ الفِعلَ المُضارعَ هو المُهيمِنُ، دلالةً على استمراريّةِ المأساةِ في نحو: تتندّى، تُقشِّرُ، (ولمّا تَزَلْ مكرّرة)، تمتطي.

ولم تكتَفِ الشّاعرةُ باستمرارِ المأساة، بل وأرجَعَتْها للزّمنِ الماضي، فـ "لمّا" حرفُ نفيٍ وجزمٍ وقلْبٍ، ومِن خصائصِها أنّها تَنفي حدوثَ الفِعل مِنَ الزّمنِ الماضي حتّى لحظةَ التّكلُّم، وما زالَ: تُستعمَلُ للدّلالةِ على الاستمرارية، فلمّا + تَزَلْ حَوَّلَتْ زمنَ الفِعلِ المُضارع، وقلَبَتْ زمنَ حُصولِهِ مِنَ الماضي إلى الحاضر، ويُتوقَّعُ استمراريّةُ حُصولِهِ مُستقبَلًا، فالحبيبُ العدُوُّ مُستمِرٌّ في أسمالِ تَثاؤُبِهِ الكسولِ في الماضي وحتّى هذه الّلحظة، ويُتوقَّعُ منهُ الاستمرارُ مُستقبًلًا. وقد صمَتَ على ما يَجري في العراقِ في الماضي وحتّى هذهِ الّلحظة، ومِنَ المُتوقّعِ منهُ أنْ يَستمِرَّ مُستقبَلًا أيضًا، ولقد تَكرّرَتْ جملة "ولمّا تزَلْ" مرّتيْن، وسبَقتِ الثّانية "بالأزل"، فوظيفتُها مُركَّبةٌ، وظيفةٌ مَعنويّةٌ تَدُلُّ على مأساةِ العِراق ليسَ ماضيًا فحسْب، بلْ وحاضرًا ومِنَ المُتوقَّعِ استمرارُها. ووظيفةٌ صوتيّةٌ؛ تتمثّلُ في خلقِ إيقاعٍ موسيقيٍّ يَسري في جَسدِ المَقطوعة.

"أَنَامِلُكَ.. مَا فَتِئَتْ تَتَنَدَّى اشْتِعَالاً دَامِسًا"/ تُ قَ شِّ رُ/ سَحَابَ وَقْتِي الْمَوْشُومِ بِالنُّعَاسِ!": ففي السّطرِ الأوّلِ كنايةٌ عن إيذاءِ المَحبوبِ لمَحبوبتِهِ. و"أنامِلُكَ": ذكَرَت الشّاعرةُ الأناملَ (الجزءَ)، وأرادتْ بهِ الإصبعَ أو اليدَ (الكُلّ)، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة، والمَجازُ انحرافٌ وانزياح كما الكناية، وتقولُ:) اشتعالًا دامِسًا)، وهو انحرافٌ وانزياحٌ، فالمُتلقّي عندما يَسمعُ لفظةَ "اشتعالًا"، يتوقّعُ أن يأتِيَ بَعدَها كلمةُ (مُضيئًا) مثلًا، فيتفاجأ بوجودِ كلمةٍ غيرِ مُتوقّعةٍ وهي (دامِسًا).

وفي عبارةِ (سَحَابَ وَقْتِي): انزياحٌ إضافيٌّ، فالأناملُ تتندّى وتشتعِلُ، والاشتعالُ دامِسٌ، ولِلوقتِ سحابٌ يَتقشّرُ ويُوشَمُ بالنّعاسِ، وللتّثاؤبِ أسمالٌ تُخلَعُ، وللصمتِ سديمٌ مَثقوبٌ، ولكوْنِ الشّاعرةِ تَراتيلُ تُمتَطى، وكلُّها كناياتٌ أو استعاراتٌ تَخضعُ للانزياح.

أَسْرَابُ وَهَنِكَ الْمِغْنَاجِ/ ا نْ سَ لَّ تْ/ تُرَاقِصُ نِيرَانَ أَحْلاَمٍ/ مَا غَابَ طَعْمُهَا عَنِ لِسَانِي!/ طُيُوفُ جِرَاحي طَاعِنَةٌ في سَرْمَدِيَّتِهَا/ أَسَهْوًا تَشَدَّقَهَا سُهْدٌ أُسْطُورِيُّ الْمَلاَمِحِ؟/ أَشَابَهَا خَدرُ نَقْشِكَ الْخَشْخَاشِ/ أَمْ عَلَّقْتَ حَدْسِيَ الْكَفِيفَ/ عَلَى مِقْبَضِ مَوْجِكَ الْفِرْدَوْسِيِّ: وتستهلُّ الشّاعرةُ هذهِ السّطورَ بالأسلوبِ الخبَريّ؛ لإثباتِ ذاتِها، ولتُظهِرَ مدى تَأثُّرِها فتقولُ: وهَنُكَ وضعْفُكَ الغنوج، الّذي لهُ أسرابٌ كما الطّيور، انسلّتْ لتُراقِصَ أحلامي المُتأجِّجة، الّتي لمْ يَغِبْ يومًا طعمُها على لساني، فطيوفُ جراحاتي ليستْ مُحدثة.

وتنتقلُ شاعرتُنا إلى الأسلوبِ الإنشائيّ تتساءلُ مُخاطِبةً حبيبَها الّذي خذلَها، أو قُلِ الّذي دمَّرَ روحَها، وقتَلَ جسَدَها سائلةً إيّاهُ: وهل قِلّةُ نوْمي الأسطوريِّ يَسهو مُتشدِّقًا، أم أصابَها نقْشُ وعودِكَ الكاذبةِ الواهيةِ كما الخشخاش، أم أنّكَ علّقتَ ظنِّيَ العاجزَ على مِقبَضِ موْجِكَ الّذي تَنعَمُ به؟؟

الاستفهامُ خرَجَ عن معناهُ الحقيقيُّ في كلٍّ؛ ليُفيدَ التّعجُّبَ تارةً، وتارةً أخرى إظهارَ الأسى والحزنِ والتّفجُّعِ والتّوجّع، مِن أفعالِ الحبيبِ المُتمثّلِ في العدُوِّ الخارجيِّ والابنِ العاقِّ الدّاخليّ، والجار، والجار الجنب الّذي لمْ يَفِ بحقِّ الجيرةِ ولا القرابة. وهنا جُملةٌ مِنَ الاستعاراتِ والكناياتِ، وكلُّها انزياحاتٌ، فتُشَبّهُ الشّاعرةُ الوَهَنَ بالأسرابِ الغنوجةِ المُتراقصة، وشبّهَتْ نيرانَ الأحلامِ براقصاتٍ تارةً، وتارةً أخرى شبّهَتْها بشيءٍ له مَذاقٌ. ومِنَ الكناياتِ: (مَا غَابَ طَعْمُهَا عَنِ لِسَانِي!): كنايةً عنِ الكوارثِ الّتي حلّتْ بالعراق.

(طُيُوفُ جِرَاحي طَاعِنَةٌ في سَرْمَدِيَّتِهَا): كنايةً على أنّ أطماعَ الآخرين في العراقِ قديمة.

(أَشَابَهَا خَدرُ نَقْشِكَ الْخَشْخَاشِ/ أَمْ عَلَّقْتَ حَدْسِيَ الْكَفِيفَ/ عَلَى مِقْبَضِ مَوْجِكَ الْفِرْدَوْسِيِّ): كنايةً عن أنّ وعودَ الغزاةِ، ومَنْ تَحالَفَ معَهُم، والدّاعينَ بخلْقِ شرقٍ أوسط جديد، ونشر الدّيمقراطيّةِ ما هو إلّا وهْمٌ وكلامٌ واهٍ، كما الخشخاشُ في الضّعفِ والتّخديرِ والاستهلاكِ المَحَلّيّ.

(أَمْ عَلَّقْتَ حَدْسِيَ الْكَفِيفَ): كنايةً عن تصديقِ بعضِ العِراقيّينَ بقُربِ الفرَجِ الّذي وعدَهثم بهِ الغزاة. وفي الشّعر المُعاصِر "لا بدّ للكلمةِ مِن أنْ تعلوَ على ذاتِها، أنْ تزخرَ بأكثر ممّا تعد بهِ، وأنْ تُشيرَ إلى أكثر ممّا نقولُ، فليسَ الكلمة في الشّعرِ تقديمًا دقيقًا، أو عرضًا مُحكمًا لفكرةٍ أو موضوعٍ ما، ولكنّها رحمٌ لخصبٍ جديد"(6).

زَفَراتُ نُجُومي جَرَفَتْها سُيُولُ تَمَرُّغِكَ/ حِينَما غَرَّها بَسْطُكَ الْمُهْتَرِئُ/ وَ../ عَلى مَقامِكَ الْمَرْكُونِ/ مُنْصاعَةً/ تَ كَ سْ سَ رَ تْ/ وَرَصَّعَتْنِي بِانْكِساري!/ بِجَناحَيْ جُنُونِكَ انْبَثَقْتَ عائِمًا تُرَفْرِفُ/ اضْطَرَبْتَ هائِجًا تُهَفْهِفُ/ تَسْتَبِيحُ رُفُوفَ انْشِطارٍ/ لَكَمْ صَفَّدْتَهُ بِضَياعِي الْمُنَمْنَمِ/ كَيْ تَمْتَشِقَ إِغْواءاتِ احْتِضارِي: الشّاعرةُ هنا تُخاطبُ الحبيبَ؛ (الأهلَ، والخِلّان، والصّحبَ، والجيران، والطّامعين الغزاة)، بأسلوبٍ خبَريٍّ، تأكيدًا للذّاتِ ولإظهارِ التّشاؤمِ والحزنِ والأسى قائلةً: زفراتُ نجومي وحضارتي عبْرَ التّاريخ أضاعَتْها، جرَفتْها سيُولُ غطرسَتِكَ، وأطماعِكَ، ومَظاهرِ قوّتِكَ المُتآكلة، وبقوّتِكَ وعنجهيّتِكَ تكسّرْتُ، ونقشتُ على صدري مَعالمَ أعلامِكَ، وجنونُ عظَمَتِكَ تُرفرفُ كما الطّيور، وعندما واجهَتْكَ المُقاومةُ الباسلة، اضطربْتَ كالثّورِ الهائجِ تستبيحُ أرضي ونفطي وحضارتي وتاريخي، وأنتَ تنتظرُ موتي واستسلامي.

(زَفَرَاتُ نُجُومِي): كنايةً عن الحضارةِ الّتي تئِنُّ مِن وقْعِ ضرباتِ المُعتدي.

 (جَرَفَتْهَا سُيُولُ تَمَرُّغِكَ): كنايةً عن تدميرِ الغُزاةِ لحضارةِ بلادِ الرّافدين. 

(غَرَّهَا بَسْطُكَ الْمُهْتَرِئُ): كنايةً عن جنونِ عظمةِ الغازي.

(عَلَى مَقَامِكَ الْمَرْكُونِ): كنايةً عن قوّةِ الغُزاةِ وإمكاناتِهم.

(وَرَصَّعَتْنِي بِانْكِسَاري!) كنايةً عن محاولةِ الغزاة إذلال العراق، وطمْس حضارتِهِ، وتجميل الغزاةِ لقُبحِ أعمالِهم.

(بِجَنَاحَيْ جُنُونِكَ انْبَثَقْتَ عَائِمًا تُرَفْرِفُ): كنايةً عن زهُوّ الغزاةِ بقُوّتِهم، ومَقدرتِهم وإمكانيّاتِهم.

(اضْطَرَبْتَ هائِجًا تُهَفْهِفُ تَسْتَبِيحُ رُفُوفَ انْشِطارٍ): كنايةً عن اضطرابِ الغزاةِ أمامَ المُقاومة، ورَدِّهِم الجنونيّ في التّدميرِ والتّخريب.

(كَيْ تَمْتَشِقَ إِغْوَاءَاتِ احْتِضَارِي!): كنايةً عن إصرارِ الغازي بتدميرِ العِراقِ، وحضارةِ ما بين الرّافدَين. وكلُّها انزياحاتٌ، ولها الأثرُ الجَماليُّ الكبيرُ في نفسِ المُتلقّي. (فنحنُ في الشِّعرِ إذن لسنا إزاءَ ألفاظٍ دقيقة، لها دلالاتٌ دقيقة، وإنّما نحن إزاءَ رموزٍ تُعبِّرُ عمّا تختلجُ بهِ نفوسُ الشعراءِ منِ مَشاعِرَ، وهيَ رموزٌ قاصرةٌ يَستعينونَ على قصورِها بالخيالِ والموسيقى، ولكنّ صُوَرَها لا يُغادِرُها مغادرةً تامّة، بل تَظلُّ تَسبحُ في ضبابٍ قليلٍ أو كثيرٍ، وهذا ما يَجعلُها واسعةَ الدّلالة، حتّى الألفاظ الحسّيّة عندَ الشّعراءِ نُحِسُّ فيها نفسَ الاتّساع، فإذا قالَ شاعرٌ: إنّ لوْنَ البحرِ أزرق، كانتِ الزّرقةُ شيئًا غيرَ محدودٍ، إذِ الزّرقةُ تَختلفُ درجاتُها اختلافاتٍ كثيرةً. وإذا كانَ لا يَستطيعُ أنْ يَجدَ الكلمةَ الدّقيقةَ الّتي يُعبّرُ بها عن المحسوساتِ الّتي يُبصِرُها، فأوْلى أنْ يَضِلَّ الكلمةَ الدقيقةَ للمعنى العاطفيِّ الّذي يَجيشُ بنفسِهِ وفي داخلِهِ(7).

فَتَائِلُ دَهْشَةٍ/ خَطَفَتْ قُصَاصَاتِ تَوْقِي مَسْحُورَةَ الطَّوْقِ/ سَمَّرْتَنِي/ بَيْنَ وُعُودٍ مُؤَجَّلَةٍ وَجُدرَان تَتَهَاوَى!/ خُطَى رِيحِكَ الضَّرِيرَةُ وَشَتْ أَجْنِحَتَكَ/ شَبَّ لَهِيبُهَا فِي اقْتِفَاءِ أَثَرِي/ تَنَيْرَنْتَ!/ تَبَغْدَدْتَ!   

(فَتَائِلُ دَهْشَةٍ): والمُتلقّي بَعدَما يَقرأ كلمةَ "فتائل"، يتوقّعُ أن يتلوَها كلمةُ "سراج" مثلًا، غيرَ أنّهُ يتفاجأ بوجودِ كلمةٍ مُغايِرةٍ تمامًا وهي "دهشة"، وهنا سِرُّ الانزياحِ، وهو انزياحٌ إضافيٌّ، وفيهِ جَمالٌ، وتشويقٌ، ومُتعةٌ عقليّةٌ لدى المُتلقّي.

(مسحورة الطّوْق): وفيها تحويلٌ إضافيٌّ، والمُتلقّي بَعدما يَقرأ كلمةَ "مسحورة"، يتوقّعُ أن يَتلوَها كلمةُ "الّلبّ" مثلًا، غيرَ أنّهُ يَتفاجأ بوجودِ كلمةِ "الطّوْق".

ومِثلُ هذا الانزياحِ كما في: (خَطَفَتْ قُصَاصَاتِ تَوْقِي): فالمُتلقّي عندما يَسمعُ لفظةَ "قصاصاتٍ"، يتوقّعُ أن يَتلوَها كلمةُ "ورق".

(سَمَّرْتَنِي/ بَيْنَ وُعُودٍ مُؤَجَّلَةٍ وَجُدرَان تَتَهَاوَى!): كنايةً في كلٍّ، عن الوعودِ الّذي وعَدَها الغازي بتحويلِ العِراق واحةً للرّخاءِ والدّيمقراطيّة.

(خُطَى رِيحِكَ الضَّرِيرَةُ وَشَتْ أَجْنِحَتَكَ/ شَبَّ لَهِيبُهَا فِي اقْتِفاءِ أَثَري): كنايةً عن الدّمارِ الشّاملِ الّذي ألمّ بالعراق، وجنونِ عظمةِ الغازي.

(تَنَيْرَنْتَ!): تُشبّهُ الشّاعرةُ الغازي في تنكيلِهِ بالعراقيّين بنيرون الّذي أحرقَ روما، والفِعلُ مُشتقٌّ مِن اسْمِ نيرون، وفي الّلفظةِ إيحاءٌ ورمز.

(تَبَغْدَدْتَ(!؛ أي تَشبّهتَ بالبَغداديّينَ في المأكلِ والمَشربِ والمَلبس، وفي هذا الفِعلِ إيحاءٌ للرّاحةِ والسّكينةِ والعيْشِ الفاخر، والفِعلُ مُشتقٌّ مِنَ الاسْمِ بغداد.  

(لقد احتفظَتْ لغةُ الشّعرِ– على مَرّ العصور- بمُقوِّماتٍ فَنّيّةٍ ما زالتْ تنمو بفضلِ عباقرةِ الشّعراءِ والنّقّادِ في مُختلفِ الآداب، وانتهتْ إلى العصرِ الحديث، فأثّرَتْ في أدبِهِ مِن حيثُ صياغته ومعانيه. ولا يَنالُ هذا التّأثُّرُ– في شيء- مِنَ الّلغةِ ألفاظَها وقواعدَها؛ فهذا ما لم يَقُلْ بهِ أَحَدٌ مِنَ المُجدّدينَ الّذينَ يُعْتَدُّ بهم، في أدبنا العربيّ، أو في الآدابِ العالميّةِ الأخرى، ولم يَدُرْ في خلدِ هؤلاءِ المُجدّدينَ أنْ يَنالوا مِن الّلغةِ، أو يُهَوِّنوا مِن شأنِها أو مِن شأنِ المَعرفةِ الدّقيقةِ لأساليبِها ومَعانيها).(8).‏

وفِي مَحَافِلِ التَّرَقُّبِ/ احْتَرَفْتَ تَضْمِيدَ حُرُوقِ حُرُوفِي!/ ألْسِنَةُ بَوْحِي النَّارِيِّ/ طَلَيْتَهَا بِوَشْوَشَةٍ انْبَجَسَتْ تَسْتَجِيرُ:/ سَرَابُ حُورِيَّةٍ أنَا؛/ إِلَى مَسَارِبِ الْوَهْمِ أَغْوَانِي/ بِثَوْبِ السَّبَانِي.. سَبَانِي/ بَعْثَرَ وَجْهِيَ فِي ذَاكِرَةِ الْحُجُبِ/ وَابْتَلَعَ ذَيْلِيَ الذَّهَبِيَّ!   

وقد وظّفَ الشّعراءُ المُحْدِثونَ الأسطورةَ في شِعرهِم لعدّةِ أسباب، منها: ترجمة جبرا إبراهيم جبرا أسطورةَ "أودنيس أو تموز" سنة 1957 م، فوَجدَ فيها السّيّابُ ضالّتَهُ المنشودة؛ للتّعبيرِ عن مُشكِلاتِهِ الذّاتيّةِ ومُشكلاتِ عَصرِهِ.

جاذِبيّةُ الأسطورة أنّها تَصِلُ بينَ الإنسانِ والطّبيعةِ، وتُعينُ على معرفةِ حركةِ التّطوُّرِ في الحياةِ الإنسانيّة، وتأثُّرِ الشّعراء بقصيدة "ت.س.إليوت"، "الأرضُ اليباب"، لأنّها تُثيرُ الإحساسَ بمأساةِ العصر، وذلكَ لتوظيفِ أساطيرِ "أودنيس وَ أوزيريس"، وفي توظيفِ الأسطورةِ مَجموعةٌ مِن الوظائفِ، أهَمُّها الوظيفةُ الجَماليّة: وتتمثّلُ في التّداعياتِ، ولا يُقصَدُ بهِ تَداعي الكلماتِ، بقدْرِ ما نقصدُ بهِ تداعياتِ الإيحاءِ في الصّوَرِ الشّعريّةِ المُتواليةِ. والقيمةُ الجَماليّةُ الثّانيةُ تَكمُنُ في المناجاةِ "المونولوج الدّراميّ"، وهو مُهِمّ، ومُفيدٌ  في المُحاورةِ "الدّيالوج"، كما أنّ لتوظيفِ الأسطورةِ قيمتُها السّياسيّة؛ لذلكَ فقدْ وظّفَتْ شاعرتُنا في نصِّها أسطورةَ الحوريّةِ البابليّة، ومَفادُها أنّ حوريّةً خلعَتْ مَلابسَها لتستحِمَّ في البحر، وقد تركَتْ ذيلَها الذهبيّ على الشّاطئ، فاستغفَلَها بعضُ الّلصوصِ المُغرِضينَ، وسَرقوا ذيلَها الذّهبيّ، فشَعرَتْ بمأساتها، فأخذتْ بمُناشدةِ أهلِها بإغاثتِها وإرجاعِ ثوبها الّذي هو عنوانُ جَمالِها وبهائِها، وهو جزءٌ مِن جسدِها، فهناكَ رابطٌ قريبٌ جدًّا بينَ ما حصَلَ للحوريّةِ، وما يَحصُلُ للعراق الّذي يُقتَّلُ أبناؤُهُ، وتُدَمَّرُ حضارتُهُ، وتُنهَبُ مواردُهُ، ويُفتَّتُ في طوائفَ ونحل وأديان.

و"إنّ الخطابَ الشّعريَّ حين يُوظّفُ الأسطورة، تنفلتُ القصيدةَ مِن أهمِّ مساوئِها التّقريريّةِ، والتّسجيليّة، والأيديولوجيّةِ المباشرة، ويُصبحُ الواقعُ شبكةً مِنَ الرّؤى الرّمزيّةِ المُتعدِّدةِ الأبعاد، والمُوغِلةِ في أعماقِ النّفسِ البّشريّة، وهنا يَمتزجُ الواقعيُّ بالمُتخيّل، والحُلمُ بالحقيقةِ، وتكونُ بذلكَ الأسطورةُ محاوَلةً لتغطيةِ البُعدِ الظّاهريِّ للأشياء، والذّهابِ مُباشرةً إلى جوهَرِها ذي الشّفافيّةِ المُعقّدةِ الدّلالة. لقد كانتِ الأسطورةُ بالنّسبةِ للشّعرِ العربيّ المُعاصِر، أداةً فنّيّةً وفِكريّةً لتكثيفِ دلالةِ القصيدة، وإعطائِها أبعادًا إنسانيّةً وجَماليّة، بالإضافةِ إلى طاقتِها الرّمزيّة، وقُدرتِها على تَجاوُزِ السّياقِ التّاريخيِّ الّذي وضعت فيهِ، لتَخلِقَ بذاتِها سياقًا فكريًّا وجَماليًّا جديدًا، ولكنّ الأسطورةَ أحيانًا تتجاوزُ هذا الدّوْرَ المُتواضعَ، إلى حيثُ تُصبحُ منهجًا أو رؤيةً في إدراكِ الواقع"(9). 

(وفِي مَحافِلِ التَّرَقُّبِ/ احْتَرَفْتَ تَضْميدَ حُرُوقِ حُرُوفي!): وها هو مَن عَملَ على تدميرِ العراقِ يُدمِّرُهُ، ويَدَّعي أنّهُ يُداوي جرحَهُ، ويُخلِّصُهُ مِنَ الدّكتاتوريّة، وذكرَت الشّاعرةُ الحروفَ (الجزء)، وأرادتْ بها الخطابَ "الكلّ" والدعاية، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة. وفي السّطريْنِ السّابقيْنِ تقديمٌ وتأخير، وفي هذا انزياحٌ تركيبيّ، لتشويقِ المُتلقّي، وإبرازِ أهمّيّةِ المُقدَّمِ ولفْتِ الانتباه، فلقد قدّمَتِ الشّاعرةُ شبهَ الجُملة؛ "وفِي مَحَافِلِ التَّرَقُّبِ"، وحقُّها التّأخير على كلٍّ مِنَ الفِعل والفاعل والمفعول به، وحقُّ كلٍّ التّقديم "احْتَرَفْتَ تَضْمِيدَ حُرُوقِ حُرُوفِيٍ"؛ لتأكيد سكوت الغزاة وتأنيهم في تضميد جراح العراق. ويُبَيِّنُ ابْنُ جني حقيقةَ إدراكِ النُّحاةِ العربِ في اختلافِ لغةِ الشِّعرِ عن لغةِ النّثر، لأنّ الضّرورةَ سِمةٌ مِن سِماتِ لغةِ الشِّعر، وإنْ نظرَ إليها كثيرٌ مِنَ الّلغويّينَ على أنّها، "وصمةٌ وصَموا بها الشِّعرَ العربيَّ عن حُسنِ نيّةٍ منهم"(10).

ولقدْ أكّدَ ابْنُ جني أنّ الشّاعرَ لا يَرتكِبُ الضّرورةَ لضعفِهِ وعدمِ مَقدرتِهِ، وإنّما لفيْضِ عِلمِهِ وقُدرتِهِ حينَ قالَ: "فمتى رأيتَ الشّاعرَ قدِ ارتكَبَ مثلَ هذهِ الضّروراتِ على قُبحِها، وانخراقِ الأصول بها، فاعْلَمْ أنّ ذلكَ على ما جشمهُ منه، وإنْ دلَّ، مِن وجْهٍ، على جُورِهِ وتَعسُّفِهِ، فإنّه، مِن وَجْهٍ آخرَ، مُؤذِنٌ بصيالِهِ وتَخمُّطِهِ، وليسَ بقاطعِ دليلٍ على ضعفِ لغتِهِ، ولا قُصورِهِ عن اختيارِ الوجْهِ النّاطِقِ بفصاحتِهِ، بل مَثلُهُ في ذلك عندي، مَثَلُ مَجرى الجُموحِ بلا لِجامٍ، ووارِد الحربِ الضّروسِ حاسرًا مِن غيرِ احتشامٍ، فهوَ، وإنْ كانَ مَلومًا في عُنفِهِ وتَهالُكِهِ، فإنّهُ مشهودٌ لهُ بشجاعتِهِ(11) .

والشِّعرُ عندَ ابْنِ جني: "موضعُ اضطرارٍ ومَوقفُ اعتذارٍ، وكثيرًا ما يُحرَّفُ فيهِ الكلَمُ عن أبنيتِهِ، وتُحالُ فيهِ المُثُلُ عن أوضاعِ صِيَغِها، لأجلِهِ"(12).

(ألْسِنَةُ بَوْحي النَّارِيِّ): كنايةً عن صُراخِ العِراقِ مِن ثِقَلِ ويْلِ النّكَباتِ.

(ألْسِنَةُ بَوْحي النَّارِيِّ طَلَيْتَهَا بِوَشْوَشَةٍ انْبَجَسَتْ تَسْتَجيرُ:/ سَرابُ حُورِيَّةٍ أنا؛) كنايةً عن عدمِ اكتراثِ الغُزاةِ وأعوانِهم لصَرخاتِ العراق، وتُشَبِّهُ الشّاعرةُ صرَخاتِ العِراقيّينَ وعدمِ الاستجابةِ لهم، بصرَخاتِ الحوريّةِ عندما سُرِقَ ذيْلُها الذّهبيُّ، ولمْ يَسمَعْ لصرَخاتِها أحدٌ، فذهبَتْ كالسّرابِ.

يَا رُفَقاءَ الأَسْمَى/ بَوَّابَةُ سَمائِي مَحْفُوفَةٌ بِهَياكِلَ مَجْدٍ/ ساحَ ضَوْؤُهَا زَرْكَشَةً تَتَجَنَّحُ/ وما انْفَكَّتْ بِأَهْدابِ الذُّهُولِ تَتَمَوَّجُ/ اسْتَنيرُوا بِي!/ لَدُنِي الْمُقَدَّسُ كَمِ ازْدانَ بِأرْياشِ الشَّمْسِ/ وَمُنْتَشِيًا/ تَعَنَّقَ نَحْوَ عُشِّ النَّارِ: لقد استهلّتِ الشّاعرةُ السّطرَ الأوّلَ بأسلوبٍ إنشائيّ، وهو النّداءُ للتّحبُّبِ والتّقرُّبِ إلى الأحبّةِ والرّفاقِ، لكنّها تعودُ للأسلوبِ الخبَريّ؛ لتأكيدِ الذّاتِ والفخرِ بحَضارتِها ومَجْدِها التّليدِ، فتوحي بقوّتِها وصمودِها أمامَ الأعاصيرِ، فتقولُ: (بَوَّابَةُ سَمائِي مَحْفُوفَةٌ بِهَياكِلَ مَجْدٍ): كنايةً عنِ الماضي التّليدِ وحضارةِ ما بينَ النّهريْنِ.

(ساحَ ضَوْؤُهَا زَرْكَشَةً تَتَجَنَّحُ): كناية عن حضارة بلاد ما بين النهرين التي شاركت في بناء الحضارة العالمية.

(ومَا انْفَكَّتْ بِأَهْدابِ الذُّهُولِ تَتَمَوَّجُ): كنايةً عنِ استمراريّةِ تأثيرِ حضارةِ بلادِ ما بيْنَ النّهرينِ، في رفْدِ الحَضاراتِ الإنسانيّةِ.

(اسْتَنِيرُوا بِي): تعودُ إلى الأسلوبِ الإنشائيِّ، وهو الأمْر، ويُفيدُ النُّصْحَ والإرشادَ.

(لَدُنِي الْمُقَدَّسُ كَمِ ازْدانَ بِأرْياشِ الشَّمْسِ): أرادَتِ الشّاعرةُ أنْ تَنسِبَ الزّينةَ والبهاءَ إلى نفسِها؛ (حضارةِ ما بيْنَ النّهريْنِ)، فعدَلَتْ عن ذلك، ونَسبَتْهُ إلى ما لهُ اتّصالٌ بها، وهو لَدُنُها (ثوبُها)، كنايةً عن نِسبة.

(وَمُنْتَشِيًا): لقد وظّفتْ شاعرتُنا أداةَ الرّبطِ "الواو"، وهذهِ التّقنيّةُ الأسلوبيّةُ ظهَرتْ بشكلٍ جَليٍّ في الشِّعرِ العربيِّ الحديث، حتّى باتَتْ تُشَكِّل أسلوبًا فنّيًّا، يُمكنُ أن يُفيدَ منهُ النّصّ، ويُحقّقَ لهُ مستوًى جَماليًّا فريدًا، وقديمًا صُنِّفَ هذا النّوعُ مِنَ الأسلوبِ تحتَ مُسمّى (الوصْلِ والفصْل)، بمعنى؛ أنّ الوصْلَ هو عطفُ جملةٍ على أخرى. وعكْسُهُ الفَصْلُ، وهذا مألوفٌ ومُتّبَعٌ في الجُملةِ النّثريّةِ الإيصاليّة. أمّا على مستوى الشِّعرِ، فيُصبحُ الأمرُ مُختلِفًا.

وقدْ (أبرَزَ الشّكليّونَ الرّوسُ الفُروقَ الجوْهريّةَ بيْنَ لغتَي النّثرِ والشِّعر، وأنّ هذهِ الّلغةَ الثّانية– لغةَ الشِّعر- تتَشكَّلُ على السّطحِ الأملسِ المُحايِدِ للُغةِ النّثرِ، وتُمارسُ فوقَهُ تنظيمَ نسيجِها ورُسومِها وخَواصِّها التّعبيريّةِ والتّصويريّةِ المُتميِّزة، ومنذُ أنْ طَرَحَ هؤلاء الشّكليّونَ مفهومَ الانتظامِ، بوَصْفِهِ خَصيصةً أساسيّةً لِلُغَةِ الشِّعر، ثُمّ طوَّرَ "رومان ياكوبسن" مفهومَ الأنساقِ؛ باعتباره؛

أوّلًا: خَصيصةً لِلُغةِ الشِّعرِ. وثانيًا: الآليّة الرّئيسيّة لخلْقِ ما سمّاهُ "ريان موكار وفسكي": التّأريض الأمامي Foregrounding. حاولتْ دراساتٌ مُتعدِّدةٌ اكتِناهَ التّجلّياتِ المُختلفةِ، المُحتملة للأنساق. وقد جَسَّدَ المُحدِثونَ هذهِ المَفاهيمَ والفروقَ الّتي تُمَيِّزُ لغةَ الشِّعرِ، بمُصطلحِ الانحرافِ الّذي يَعني؛ أنّ شِعريّةَ الّلغةِ تقتضي خروجَها الفاضحَ على العُرْفِ النّثريِّ المُعتادِ، وكسْر قواعدِ الأداءِ المَألوفةِ لابتداعِ وسائلِها الخاصّة، في التّعبيرِ عمَّا لا يَستطيعُ النّثرُ تحقيقَهُ مِن قِيمٍ جَماليّةٍ).(13) وهذا ما صالتْ فيهِ عبقريّةُ شاعرتِنا آمال.

بِسُلَيْمانَ أَغيثُونِي/ بِأسْرابِ جِنِّهِ؛ تَحْفُرُ قاعَ بَحْري أَفْلاجًا/ تُهْدينيها في لَيْلَةِ عيدي/ مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ/ لِتَهُزَّ قَلائِدُ سَمائِي غَيْثًا.. يَتَضَوَّعُ حُبًّا./ يا رُفَقاءَ الأَسْمَى/ مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ/ وَزُفُّوا إِلَيَّ.. ذَيْلِيَ الْوَضَّاءَ! 

(بِسُلَيْمانَ أَغيثُونِي/ بِأسْرابِ جِنِّهِ؛ تَحْفُرُ قاعَ بَحْري أَفْلاجًا): وهنا تُوظِّفُ شاعرتُنا الأسطورةَ الّتي مفادُها، أنّ النّبيَّ سُليْمانَ بْنَ داود- عليهِ السّلام- أثناءَ تَحليقِهِ على بِساطِ الرّيح، مَرَّ على مِنطقةِ الفلّوجةِ في العِراق، ونزلَ عندَ أهلِها، فاشتَكَوْا لهُ قِلّةَ الماءِ عندَهُم، فأمَرَ سيّدُنا سُليْمان الجِنَّ والعفاريتَ بالبَحثِ عنِ المياهِ في جوْفِ الأرضِ، فقامتِ الجِنُّ والعفاريتُ بحَفْرِ الأفلاج، وأخرَجَتِ الماءَ إلى سطْحِ الأرضِ، ولهذا سُمِّيَتْ بالأفلاجِ الدّاوديّة، وهذا النّوعُ مِنَ الأفلاجِ ثابتٌ، وما يَمْحَلُ نهائيًّا، ولا يَنقطِعُ الماءُ منها، ولكن قدْ يَخِفُّ مستوى الماءِ الخارجِ منها، ولكنّها لا تَجِفُّ نهائيًّا، لأنّ أمّهاتِها عيونٌ ثابتةٌ، وبقِيتْ هذهِ الأفلاجُ إلى يومِنا هذا، ويُطلَقُ عليْها اسمُ "الدّاوديّ"، نِسبةً لِلنّبيّ سُليْمان بْنِ داود- عليهِ السّلام- وهذا النّوعُ مِنَ الأفلاجِ مُنتشِرٌ وبكثرةٍ في الإماراتِ وعُمانَ واليَمن، ولو وَصَلَ أحدٌ إلى أسفلِها في باطنِ الأرض، سيتعجّبُ كلَّ العَجَبِ مِنَ القُدْرةِ العجيبةِ الّتي شُقّتْ بها في الجبالِ، لو كانَ البَشرُ الّذينَ حفَروها، فكيفَ استطاعوا قطْعَ الصّخورِ بكلّ هذهِ الدّقّة؟ وكيفَ تَحمَّلوا البقاءَ تحت الأرض، وسطَ نُدرةِ الهواءِ، والحرارةِ الشّديدة، والضّغطِ العالي؟ ومِن هنا سنُصدِّقُ إذا قيلَ لنا، إنّ الّذي حَفرَها هُمُ الجِنُّ، رغمَ أنّ مَن حفَرَها بَشَرٌ، وهُمْ آباؤُنا وأجدادُنا الأقدمونَ، وأهلُ هذهِ البلادِ منذُ مِئاتِ السّنينِ.

لكنّ شاعرتَنا يَبلُغُ التّوتُّرُ في نفسِها حُدودَهُ القُصوى، وتَكادُ تَنفجِرُ مِنَ المُفارقاتِ، استغاثتِ الفلّوجةِ بالمَلكِ سُليمانَ فأغاثَها، وتَستغيثُ الفلّوجةُ بالأهلِ والخِلّانِ والصّحْبِ والجيران، عندما حُوصِرَتْ وضُرِبَتْ بالأسلحةِ المُحَرّمةِ والفوسفوريّة، لكن لا مُجيب. ومِنَ الانزياحاتِ في النّصّ: (بِسُلَيْمانَ أَغيثُوني)؛ حيثُ تقدّمَتْ شِبهُ الجُملةِ، وحَقُّها التّأخيرُ "بسُليْمان"، على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعلِ، وحَقُّ كلٍّ التّقديمُ "أَغيثُوني".

"بِأسْرابِ جِنِّهِ؛ تَحْفُرُ قاعَ بَحْري أَفْلاجًا": كنايةً عنْ طلَبِ الغوْثِ والخيْرِ والنّماء.

(مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ): أوضحتُ ذلكَ في حديثي عنِ العنوان، فالعراقُ يتوسّلُ، وهو بحاجةٍ للحضنِ الدّافئِ والحنانِ والرّحمة، وعودةِ الرّوحِ الجّماليّةِ الفتّانةِ لَهُ، بعيدًا عن ضَرْبِهِ واجْتثاثِهِ، وكَرّرتْ السّطرَ لتأكيدِ المَعنى، وتوليدِ إيقاعٍ موسيقيٍّ يَنتشِرُ في سطورِ القصيدة.

(يا رُفَقاءَ الأَسْمَى): وقد تَكرّرَ هذا السّطرُ الشِّعريُّ، لتأكيدِ تَحبُّبِ الشّاعرةِ وتَقرُّبِها للرّفاقِ، فتستعْطِفُهُم، عسى أنْ يَسمَعوا صَرختَها.

(مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ/ وَزُفُّوا إِلَيَّ/ ذَيْلِيَ الْوَضَّاءَ!): كنايةً عن حاجةِ العراقِ لوِحدةِ تُرابِهِ أرضًا وشعبًا، بعيدًا عنِ التّقسيمِ والتّفتيتِ والتّفرقةِ المَذهبيّةِ والدّينيّة. نلاحظُ أنّ الرّمزَ يَلفُّ ويُغلّفُ لغةَ الشاعرة، (ﻭﺍﻟﺭﻤﺯُ ﻤِﻥَ ﺍﻟﻭﺴﺎﺌلِ ﺍﻟﻤُﻬﻤّﺔِ ﻓﻲ ﺍﻟﺸِّﻌﺭ، ﻴَﻌﻤَﺩُ ﺍﻟﺸّﺎﻋﺭُ ﻓﻴﻪِ ﺇﻟﻰ الإيحاءِ ﻭﺍﻟﺘّﻠﻤﻴﺢِ، ﺒﺩلًا ﻤِﻥَ اللّجوءِ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤُﺒﺎﺸﺭﺓِ ﻭﺍﻟﺘّﺼﺭﻴﺢِ. ﻭﻫﻭَ ﻓﻲ ﺃﺒﺴﻁِ ﻤَﻌﺎﻨﻴﻪِ؛ "ﺍﻟﺩّﻻﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻤـﺎ وراء ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻅّﺎﻫﺭ، ﻤﻊ عودة ﺍﻟﻤَﻌﻨﻰ ﺍﻟﻅّﺎﻫﺭِ ﻤﻘﺼﻭﺩًﺍ)(14). ﻭﻴﻌﻨﻲ ﺍﻟﺭّﻤﺯُ اكتشافَ ﺘﺸﺎﺒُﻪٍ ﺒﻴﻥَ ﺸﻴﺌﻴْﻥِ اكتشافًا ﺫﺍﺘﻴّﺎ، ﻓﻬﻭَ ﻻ ﻴَﺸﺘﺭﻁُ ﺍﻟﺘّـﺸﺎﺒﻪَ ﺍﻟﺤِﺴّﻲّ ﺒﻴﻥَ ﺍﻟﺭّﻤﺯِ ﻭﺍﻟﻤَﺭﻤﻭﺯ، ﻓﺎﻟﺭّﻤﺯُ "ﺒَﻌﺩَ ﺍﻗﺘﻁﺎﻋِﻪِ ﻤِﻥَ ﺍﻟﻭﺍﻗﻊِ، ﻴَﻐﺩﻭ ﻓِﻜﺭﺓً ﻤُﺠﺭّﺩﺓً، ﻭﻤِﻥ ﻫﻨﺎ ﻻ ﻴَﺸﺘﺭﻁُ ﺍﻟﺘّﺭﺍﺒُﻁُ ﺍﻟﺤِﺴّﻲّ ﺒﻴﻥَ ﺍﻟﺭّﻤﺯِ ﻭﺍﻟﻤَﺭﻤﻭﺯ، ﻓﺈﻥّ ﺍﻟﻌِﺒـﺭﺓَ ﺒـﺎﻟﻭﺍﻗﻊِ ﺍﻟﻤُـﺸﺘﺭﻙ، ﻭﻫﺫﺍ ﺍﻟﻭﺍﻗﻊُ ﺍﻟﻤُﺸﺘﺭﻙُ ﺍﻟﻤُﺘﺸﺎﺒﻪ هو ﺍﻟّﺫﻱ ﻴَﺠﻤﻊُ ﺒﻴﻨﻬﻤﺎ، كما ﻴُﺤﺴّﻪُ ﺍﻟﺸّﺎﻋﺭُ ﻭﺍﻟﻤُﺘﻠﻘّﻲ(15). وقبلَ ختامي لتحليلِ المقطوعة، فلا بدّ مِن ذِكرِ أنّ هذا النّوعَ مِنَ الأدبِ، أدبٌ إنسانيٌّ جديرٌ بالخلودِ، يَرفضُ البَغيَ والظّلمَ والجورَ، وهو روعةٌ في التّعبيرِ وجَمالٌ في التّصويرِ، وسبْكٌ في الأسلوب ووهْجٌ في العواطفِ، وتتجلّى في النّصّ الوحدةُ العضويّةُ والوحدةُ الموضوعيّةُ، والصِّدقُ الفنّي. 

الهوامش: 

  1. ديوان (رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ)، الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، ص45 – 50.
  2. لسان العرب، ابن منظور، ص262 ج8، دار الحديث، القاهرة، 2002.
  3. المعجمُ الوسيط، إبراهيم أنيس ورفاقه، ص902، ط2، القاهرة.
  4. الآيروتيكيّة مفهومًا– مَبعثًا وتاريخًا، "رؤى"، آمال عوّاد رضوان، مقالاتٌ مِن مَشاهدِ الحياةِ الثّقافيّةِ والاجتماعيّة، ص41، دار الوسط اليوم للإعلام والنشر، رام الله، 2012.
  5. في الشعرية، كمال أبو ديب، ص143، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، بيروت، 1987.
  6. الشّعريّة، تزيفيطان تودوروف، ص24، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، ط2/ 1980.
  7. في النّقد الأدبيّ، الدكتور شوقي ضيف(ص130)، دار المعارف، القاهرة ط7.
  8. النقد الأدبيّ الحديث، د.محمّد غنيمي هلال، ص 386، ط دار نهضة مصر.
  9. الأسطورة والشعر محمد بوعزة، مجلة العربي، العدد 411 - 1993/2، الكويت.
  10. الخصائص، ابن جني ص 3/394. تحقيق محمّد علي النجّار، المكتبة العلميّة.
  11. منهاج البلغاء وسراج الأدباء/ أبو الحسن حازم القرطاجني: 143-144، وينظر: الصاحبي في فقه اللغة/ أحمد بن فارس: 275 .
  12. من أسرار اللغة، د. إبراهيم أنيس، ص 253، مكتبة الأنجلو المصريّة ط4، 1978، القاهرة.
  13. انظر؛ د. صلاح فضل: إنتاج الدلاليّة الأدبيّة، هيئة قصور الثقافة المصريّة (ص: 240).‏
  14. ﻓﻥّ ﺍﻟﺸﻌﺭ، ﺇﺤﺴﺎﻥ ﻋﺒﺎﺱ، ﺩﺍﺭ ﺼﺎﺩﺭ، ﺒﻴﺭﻭﺕ، ﻁ1، 1996، ﺹ200.
  15. ﻤﺤﻤﺩ ﻓﺘﻭﺡ ﺃﺤﻤﺩ، ﺍﻟﺭﻤﺯ ﻭﺍﻟﺭّﻤﺯﻴّﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻌﺭ ﺍﻟﻌﺭﺒﻲّ ﺍﻟﻤﻌﺎﺼﺭ، ﺹ39، 1977، ﻁ1، ﺍﻟﻘﺎﻫﺭﺓ.

الصّورةُ والرّمزُ في "فُسْتَانُ زَفَافِكِ اعْشَوْشَبَ كَفَنًا"

كَوْكَبَةٌ مِنْ وَسائِدَ ضَبابِيَّةٍ

تَغَشَّتْ أَمْواجِي بِأَشْواكِ الشَّمْسِ

وَلَمْلَمَتْ بِتَوْبَةٍ هادِرَةٍ حِبْرًا

وَسَمَتْهُ أَلْوانُ فَراغِكِ / بِمَواعِيدَ رَخْوَةٍ انْطَفَأَتْ صامِتَة!

عَلى إِيقاعاتٍ جَنائِزِيَّةٍ باهِتَةٍ

أَبْحَرَتْ أَهِلَّةُ الْكَلامِ بِكَوْنِ أَسْرَارِكِ / لِعَمِيقِ مَجْدٍ عَتِيقٍ مَسْلُوخ!

مَنَادِيلُ أَمَاسِيكِ جَارِحَةٌ

تُ مَ زِّ قُ مَآقِيَ فَرَاشَاتِي

بِتَنْهِيدَاتِ بِلَّوْرِهَا.. بِأَقْفَاصِهَا الْمُفَخَّخَةِ

كَيْفَ أُغَافِلُ مِحْرَقَةَ ضَوْضَائِكِ

وَفِي قَوَافِي هَوَادِجِي أَبْجَدِيَّةٌ تُزَمْجِرُ وَلاَ تَنْطَفِئُ؟

مَوَاسِمُ وَيْلاَتٍ / ذَابَتْ أَحْبَارُهَا فِي هَشِيمِ مَحَابِرِكِ الْمَغْدُورَةِ

تَوَهَّجَتْ دُوَاةُ الطُّهْرِ بِآثَامِهَا الشَّاحِبَةِ

وَعُيُونُ الْبَنَفْسَجِ اصْفَرَّتْ بِفُوَّهَةِ أَلَقِها

أَكَأَنَّمَا / شُرِّعَتْ لِطَرْفَةِ احْتِضَارٍ لاَ يَرْمشُ؟

أَيُّ جُنُونٍ ذَا يَرْتَجِي خُطَى التَّمَاثِيلِ تَمَهُّلاً؟

أَيُّ فَجْرٍ ذَا تَشَرْنَقَ دَيَاجِيرَ مَنْفًى عَلَى جُفُونِ الْمَغْنَى؟

كَيْفَ لانْحِنَاءَةِ زَفْرَةٍ تسْتَقيمُ شَهْقَةً فِي فُؤَادِ الْمُسْتَحِيلِ؟

وِشَايَةُ سِرَاجِكِ / أَسْرَجَتْ تَجَاعِيدَ زَمَاني بِمَرَايَا الْخَطَايَا

غَطَّتْ أَرْوِقَةَ غُرْبَتِي بِأَدْعِيَةٍ ضَبَابِيَّة!

ضِحْكَةٌ مُتَثَعْلِبَةٌ ارْتَجَفَتْ طَيْشًا

وَ ا نْ هَ مَ رَ تْ / خَلْفَ سُدُودِ هَوَاءٍ جِدَارِيٍّ

كم تَهَالَكَ صَدَاهَا / عَلَى قَارِعَةِ نَهْدِ عَاصِفَةٍ!

سَلْمٌ يَصْعَدُ دَرَكَاتِ سُلَّمِهِ

يَفُكُّ خِمَارَ انْتِظَارٍ تَوَارَى خَلْفَ أَزْرَارِ أَدْرَاجِهِ

وَيسَقُطُ عَارِيًا إِلاَّ مِنْ عُرْيِهِ!

لكِنَّهَا / مُدُنُ غُفْرَانِكِ الْمُقَنْدَلَةِ بِفُصُولِ خُيُولِكِ

أبَدًا.. مَا طَالَهَا زَبَدُ يَأْسٍ

وَإِنْ عُلِّقْتِ عَلَى أَسْوَارِ أَعْرَاسٍ مُؤَجَّلَةٍ/ وَإنِ اعْشَوْشَبَ فُسْتَانُ زَفَافِكِ كَفَنًا.

لَيْلِي اتَّقَدَ بِظُلْمَةِ حِكَايَاتٍ مَخْمُورَةٍ

وَبِرَعْشَةِ بَدْرٍ احْتَلَكَتْ ضَفَائِرُ شَحَارِيرِي

تَتَوَسَّلُ بُؤْرَةَ ضَوْءٍ أَغْلَقَهَا طِينُ الْعَتْمِ

لكِن.. غُبَارُ عَيْنَيْكِ طَوَى آمَالِي/ تَعَرْبَشَ أَدْغَالَ احْتِرَاقِي

وَمِنْ عُمْقِ الظَّمَأِ انْبَثَقَ سَاقِي أَتْرَاحِي

يَعْتَصِرُ صَوْتيَ الْمَحْشُورَ فِي أَوْرِدَةِ الأَقْدَاحِ!

كَمْ مِنْ لَهْفَةٍ جَذْلَى

تَلصَّصَتْ خُصُلاَتُها

عَلَى أَكْتَافِ الأَوْهَامِ وَمَا انْكَمَشَتْ!

أَيَا أَنْقَى الأَتْقِيَاءِ/ يَجْتَاحُنِي فَقْدُكِ التَّوْأَمُ!

كُوبُ  تَ بَ عْ ثُ رِ ي 

يَلْثَغُ عَلَى شِفَاهِكِ شَقَاوَةً: أمَّاااااااهُ

قَاطِرَاتُ وَجَعٍ / تَلَوَّتْ عَلَى سِكَّةِ يَقِينِي الْمُهْتَرِئَةِ

وَملَاءَاتُ خَرَائِطِي

تَنْقُضُنِي/ تَنْفُضُنِي مِنْ تَحْتِ عِطْرِ أَكْفَانِي

تُؤَرِّقُنِي/ تُورِقُنِي قَصَائِدَ عُمْرٍ مُقَنَّعٍ بِطَحَالِبِ طَلْعِكِ!

نَوَافِيرُ شِعْرِي مَا ازْدَهَرَتْ إِلاَّ بِحَرِّ حَرْفِكِ

يُمَوِّجُنِي بِسَطْعِ نَقَائِكِ.

أَيَا أُقْحُوَانَةَ الثَّغْرِ اثْغَرِّي/ أَسْقِطِي أَسْنَانَكِ الرَّوَاضِعَ

قَلِّدِينِي بِفَوْحِ مِسْكِكِ وَسَامَةً

شُدِّينِي وَمْضَ نَقَاءٍ إِلَى عَيْنِ رَبِيعِكِ

وَفِي تَهَاويمِ مَجْدِكِ / أَنْبتِينِي أَيادِي طُفُولَةٍ تُمْسِكُ بِالشَّمْسِ

لِتَسْتَوِيَ عَدْلاً عَلَى جُزُرِ النُّورِ!

 

ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ: العنوانُ مُكوَّنٌ مِن مبتدأ؛ مضاف ومضاف إليه (فُسْتانُ زَفافِكِ)"1"، ومِن خبَرِ جُملةٍ فِعليّةٍ تلاها تمييزٌ منصوبٌ "كفنًا"، والفِعلُ سُداسِيٌّ "اعْشَوْشَبَ يَعْشَوْشبُ اعْشِيشابًا"، وبناؤُهُ لمُبالغةِ الّلازم؛ لأنّهُ يُقالُ عَشُبَ الأرضُ: إذا نبَتَ على وجهِ الأرض، ويُقالُ: اعْشَوْشَبَ الأرضُ إذا كثُرَ نباتُ وجْهِ الأرضِ.

العنوانُ مُوحٍ بما فيهِ مِن مُبالغةٍ، وتَساوي جُمَلِ كلٍّ مِنَ المبتدأ والخبر في عددِ الكلماتِ والوزن، ومِن انزياحاتٍ مُتتابعةٍ، ولْنَرْصُدْها. الشّاعرةُ تُخاطِبُ حبيبتَها فلسطينَ، فلم تُسنِدِ الزّفافَ لحبيبتِها مباشرة، فقد عدَلتْ عن ذلك، ونَسبَتْهُ إلى ما لهُ اتّصالٌ بها، وهو الفستانُ، كنايةً عن نسبة؛ وأيُّ فستان؟ هو فستانُ الزّفافِ، وهنا الانحرافُ والانزياحُ الجَماليّ، فالمُتلقّي عندما يَسمعُ عبارةَ "فُسْتَانُ زَفَافِكِ"، يتوقّعُ أن يَسمعَ كلمةً دالّةً على الفرَح، لكنّهُ يتفاجأ بسَماعِ كلمةِ "اعْشوْشَبَ"، وعندما يَسمعُ كلمةَ "اعْشوْشَبَ"، يتوقّعُ أن يَسمعَ كلمةً دالّةً على النّماءِ والخُضرة، لكنّهُ يتفاجأ أيضًا بسماعِ كلمةٍ دالّةٍ على الفناءِ والسّوادِ "كفنًا": فالفلسطينيّونَ يتسلّحونَ بسِلاحِ الصّبرِ والأملِ والإيمانِ بعدالةِ قضيّتِهم، فالحبيبةُ ستحظى بعرْسٍ يليقُ بها، حتّى لو اعْشوْشَبَ فستانُ زفافِها، وعَلَتْهُ الطّحالبُ لطولِ انتظارِها لهذا العرْسِ. القصيدةُ مِنَ الشِّعرِ النّثريِّ مِن ديوانِ الشّاعرة الشّعريّ الثّالث "رحلةٌ إلى عنوانٍ مَفقودٍ"، حيثُ تخلّتْ عنِ الوزنِ ووحدةِ القافية.

تقولُ: كَوْكَبَةٌ مِنْ وَسائِدَ ضَبابِيَّةٍ/ تَغَشَّتْ أَمْواجِي بِأَشْواكِ الشَّمْسِ/ وَلَمْلَمَتْ بِتَوْبَةٍ هادِرَةٍ حِبْرًا / وَسَمَتْهُ أَلْوانُ فَراغِكِ بِمَواعِيدَ رَخْوَةٍ انْطَفَأَتْ صامِتَة!/ عَلى إِيقاعاتٍ جَنائِزِيَّةٍ باهِتَةٍ/ أَبْحَرَتْ أَهِلَّةُ الْكَلامِ بِكَوْنِ أَسْرارِكِ / لِعَمِيقِ مَجْدٍ عَتِيقٍ مَسْلُوخ! ونلاحظُ أنّ الشّاعرةَ قدِ اتّكأتْ هنا على الفِعلِ الماضي: تغشّتْ، لملمَتْ، وسَمَتْهُ، انطفَأتْ، فالفِعلُ الماضي يَصلحُ للسّردِ القصصيّ والحوار. الشّاعرةُ تُحاورُ حبيبتَها، وتسرُدُ قصّتَها المأساويّة: بدأتْها بكوكبةٍ ضبابيّةٍ، تتمثّلُ في اتّفاقيّاتٍ وأوراقٍ وحِبرٍ أُبْرِمَتْ بينَ الفلسطينيّينَ والإسرائيليّينَ، ولكنّها غيرُ واضحةِ المَعالم، فهي تقولُ:

(كَوْكَبَةٌ مِنْ وَسائِدَ ضَبابِيَّةٍ): كنايةً عنِ الاتّفاقاتِ الغامضةِ بينَ كلٍّ مِن إسرائيلَ والوفدِ الفلسطينيِّ المُفاوِض، فالوُعودُ والاتّفاقيّاتُ ساهيةٌ ونائمةٌ وغافيةٌ، والمُهيْمِنُ في الصّياغةِ الجانبُ الإسرائيليّ؛ للتّملُّصِ ممّا وَقَّع عليهِ والتزَمَ بهِ. وفي عبارةِ "وسائدَ ضبابيّةٍ" انزياحٌ إضافيٌّ، فالمُتلقّي عندما يَسمعُ كلمةَ "وسائدَ"، يتوقّعُ أن تُضافَ لكلمةٍ مناسبةٍ لها، لكن يتفاجأ بوجودِ كلمةِ "ضبابيّةٍ"، وهذا السّطرُ حافلٌ بالاستعاراتِ والانزياحاتِ، فللوسائدِ جَماعاتٌ، ولها ضبابيّة.

(تَغَشَّتْ أَمْواجِي بِأَشْواكِ الشَّمْسِ): هذهِ الاتّفاقيّاتُ العائمةُ اجتاحتْ أفكارَ الشّاعرةِ المُتلاحِقةِ كما الأمواج، تَضربُ أحلامَ الحُرّيّةِ والتّحرُّرِ والانطلاق.

(أشواكُ الشّمس): كنايةً عن الأشواكِ الحارقةِ؛ بسببِ الوسائدِ المُوخِزةِ والمُوجِعةِ، والشّمسُ كنايةً عن الحُرّيّةِ والتّحرّرِ، والرّمزُ سِمةٌ أسلوبيّةٌ، وأحدُ عناصرِ النّصِّ الأدبيِّ الجوهريّةِ في نصِّ شاعرتِنا، ونراها تُنوِّعُهُ وتُعمِّقُهُ، وتجعَلُهُ مُسيطِرًا على لغةِ القصيدةِ وتَراكيبِها، وصُوَرِها وبُنياتِها المُختلفة، والرّمزُ؛ بشتّى صُورِهِ المَجازيّةِ والبلاغيّةِ والإيحائيّة، تعميقٌ للمَعنى الشِّعريّ، وكأنّي بالشّاعرةِ تريدُ أنْ تقولَ، بأنّ الاتّفاقيّاتِ مُلتويةٌ وغامضة، فهي تقُضُّ مضجعَ العودةِ ومخدّاتِ الأعراس.

(وَلَمْلَمَتْ بِتَوْبَةٍ هَادِرَةٍ حِبْرًا): كنايةً عن الاتّفاقيّاتِ المُلتويةِ الغامضة، ويتكرّرُ كلٌّ مِن صوتَي الّلام والميم مرّتيْن في لفظةِ (لمْلَمَتْ)، وللتّكرارِ فوائدُ إيقاعيّةٌ، والّلملمةُ تحتاجُ لبعضِ الوقتِ، تمامًا كما عندَ نُطقِها تحتاجُ لبعضِ الوقتِ، للانتقالِ مِن صوْتٍ إلى صوتٍ آخرَ مُتقاربٍ لهُ، في مَدارجِ الأصواتِ ومَخارجِها عندَ النُّطقِ بكلِّ واحدٍ منهُما والرّجوع للآخَر، وهُما صوتا الّلام والميم المُكرَّرَيْنِ في الّلفظة..

(بِمَواعِيدَ رَخْوَةٍ انْطَفَأَتْ صامِتَة!): كنايةً عن مواعيد تنفيذِ الاتّفاقيّات، الّتي يلتفُّ عليها مَن صاغَها، مَتى أرادَ وكيفما شاءَ، ومِنَ الانزياحاتِ الإضافيّةِ في السّطرِ السّابقِ، تَظهرُ في كلٍّ مِن "بِأَشْوَاكِ الشَّمْسِ" وَ "ألوان فراغك"، يَكمُنُ فيهِما عنصرُ المُفاجأة، الّتي يُنتجُها حصولُ الّلامُنتظر مِن خلالِ المُنتظر؛ أي أنْ يَتوقّعَ المُتلقّي مضافًا إليهِ يتلاءَمُ والمضاف. كأنْ يَتوقّعُ بَعدَ كلمةِ "أشواك"، وجودَ مُضافٍ إليهِ مُناسِبٍ للأشواك، لكنّهُ يَتفاجأ بمُضافٍ إليهِ الشّمس"، وهكذا يُصبحُ لدينا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريذٌ بحت، يُوفّرُ المُتعةَ الجَماليّةَ للمُتلقّي.

ويَظهرُ التّشخيصُ والتّجسيمُ والتّصوير: فللشّاعرةِ أمواجٌ كما للبحرِ، وللشّمسِ أشواكٌ كما للوردِ، وللتّوبةِ هديرٌ وحِبرٌ، وهو الحبرُ الّذي خُطّتْ بهِ الاتّفاقيّاتُ الغامضةُ العائمةُ، الّتي تَستهدِفُ سَلْبَ الفلسطينيِّ كلَّ بقيّةٍ مِن حقٍّ، وللفراغِ ألوانٌ، وللمواعيدِ شعلةٌ تَنطفئُ..، ومِن خصائصِ شاعرتِنا الأسلوبيّةِ، صُورُها الشّعريّةُ المُتّكئةُ على الاستعارةِ، ويَكمُنُ في الاستعارةِ المُبالغةُ في إبرازِ المَعنى المَوهومِ لصورةِ المُشاهدةِ كما رأينا. والقضيّةُ الّتي تُشغِلُ بالَ شاعرتِنا آمال، هي قضيّةُ الشّعبِ الفلسطينيِّ وواقعِ الاحتلال، فهذا هو المَعنى الأصليّ، وقد صاغتْهُ بطريقةٍ فنّيّةٍ جَماليّة، عبّرتْ فيهِ عن الواقع الّذي تُعايشُهُ الشّاعرة، وهناكَ مَعنيانِ للشّعر: معنى أصليٌّ، وآخَرُ فنّيٌّ يَهتمُّ بالوظيفةِ الجَماليّةِ، وهي سِمةٌ مِن سِماتِ شاعرتِنا، وخَصيصةٌ مِن خصائصِ شِعرِ الحداثة. (إنّ الفنّ هو الأكثرُ قدرةً على تبيانِ ذلكَ الوعيِ وتجْسيدِهِ وتَمثُّلِهِ، ولا يتبدّى ذلكَ في طبيعةِ المُعالجةِ الجَماليّةِ للواقعِ فحسْب، بل يتبدّى أيضًا في التّقنيّاتِ الفنّيّةِ، الّتي ليستْ في الحقيقةِ سوى تَمظْهُرٍ حِسّيّ لِما هو مَعنويٌّ جَماليٌّ مُجرّد،  فثمّةَ إذًا؛ علاقة جدليّة بينَ الوعي الجَماليّ والشّكل الفنّيّ).

ومِن هنا، فإنّ مُقاربةَ ذلكَ الوعيِ لا تتمُّ على النّحوِ الأمثلِ، إلّا مِن خلالِ مُقاربةِ الشّكلِ الّذي هو الوعيُ مُتمَظهِرًا، أو لنِقُلْ: إنّ الشّكلَ الفنّيَّ هو شكلُ الوعيِ الجّماليّ، ولذلك، فإنّ أيَّ تبدُّلٍ في الوعي سوفَ يَنعكِسُ تبدُّلًا في الشّكل، غيرَ أنّ هذهِ المسألةَ لا تتمُّ ميكانيكيًّا، أو بطريقةٍ حتميّةٍ، فقد يَتمكّنُ الشّكلُ مِنَ استيعابِ تبدُّلاتِ الوعيِ غيرِ الجذريّةِ أو الجوهريّة.‏ وتأسيسًا على ذلك، فقد نظرنا إلى الحداثةِ الشّعريّةِ على أنّها حداثةٌ في الوعيِ الجَماليِّ أوّلًا، ولا يُمكنُ لنا فهمُ الاختلافِ والتّميُّزِ بينَ النّصّ الحداثيِّ مِن جهةٍ، والنّصِّ الكلاسيكيِّ والتّقليديِّ المُعاصِرِ مِن جهةٍ أخرى، ما لم نأخذْ بالاعتبارِ الاختلافَ والتّميُّزَ بينَ الوعي الجّماليِّ لكلٍّ منهما، ولكن، إذا ما كان الوعيُ الجَماليُّ هو المُنطَلَقُ في تبيانِ الحداثةِ، فإنّ هذا لا يُؤدّي بنا إلى إغفالِ الشّكل الفنّيّ(2).   

(عَلَى إِيقاعاتٍ جَنائِزِيَّةٍ باهِتَةٍ): كنايةً عنِ الموْتِ والدّمارِ والخرابِ الّذي يَحُلُّ بالفلسطينيّين. 

(أَبْحَرَتْ أَهِلَّةُ الْكَلامِ بِكَوْنِ أَسْرارِكِ): كنايةً عن موادّ الاتّفاقيّاتِ الّتي صِيغتْ، لتَحملَ مَعانيًا عميقةً وبعيدةً لصالح الإسرائيليين، يُؤَوِّلونَها متى شاؤوا ومتى أرادوا، وكيفما يحلو لهم.

وتقولُ الشّاعرةُ: (أَبْحَرَتْ أَهِلَّةُ الْكَلامِ) وَ (بِكَوْنِ أَسْرارِكِ): وفي كلِّ جملةٍ مِن الجملتيْنِ انزياحٌ إضافيٌّ، ويتمثّلُ في المفاجأةِ الّتي يُنتجُها حصولُ الّلامُنتظرِ مِن خِلالِ المُنتظر؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليهِ يَتلاءَمُ والمضاف، وفي المُحصّلة، جعَلَتْ شاعرتُنا مِن هذا التّزاوُجِ قيمةً شِعريّةً وفنّيّةً مُميّزة. 

(لِعَميقِ مَجْدٍ عَتيقٍ مَسْلُوخ!): كنايةً عن أمجادِ فلسطين وتاريخِها العريق الّذي ذُبحَ وسُلخَ بفِعلِ الاحتلال، ونَلحَظُ الانزياحَ الإضافيَّ وما فيهِ مِن جَماليّةٍ في هذا السّطر. 

مُجمَلُ السّطورِ السّابقةِ تَحملُ فكرةً؛ تتمثّلُ في المُفارقاتِ الجَسيمةِ بينَ الأمسِ واليوْم، بينَ الحاضرِ والماضي، فصورةُ البحرِ والشّاطئِ وما نتوخّاهُ مِنَ استجمامٍ ومُتعةٍ، بلوْنِهِ ورطوبتِهِ وهدوئِهِ، وهديرِ أمواجِهِ وإيقاعاتِها المُتلاحِقةِ، وبجَمالِهِ وبشاطئِهِ وشمْسِهِ، صوَرٌ تبعثُ الهدوءَ والرّاحةَ، والبحرُ يُعيدُنا إلى المَجدِ العَتيقِ إلى ما قبل النّكبة إلى يافا؛ عروسِ البحر ومينائِها التّاريخيّ. واليومَ تَنقلِبُ الصّورةُ رأسًا على عقب، فلْنَنْظُرْ إلى غزّةَ وما تُعانيهِ مِن ويلاتٍ، والشّمسُ رمزُ النّورِ والحُرّيّةِ وكلِّ ما هوَ جَلِيٌّ، لكنّها غدَتْ نورًا شائكًا وحُرّيّةً مُؤلمةً، وبينَ المُتوقّعِ والواقعِ هُوّةٌ عميقةٌ وصورةٌ عكسيّةٌ، فالشّاعرةُ توَلّتْ دوْرَ العاشقِ الّذي يُخاطِبُ حبيبتَهُ فلسطينَ؛ بَحرَها، وماءَها، وموْجَها، وهواءَها ....

وعندما نقرأ شِعرًا لشاعرتِنا آمال عوّاد رضوان، سنجدُ الغموضَ يَلفُّ ألفاظَهُ وتَعابيرَهُ، وهذا ليسَ بغريبٍ، والغموضُ يَحتاجُ لكَدِّ الذّهنِ لدى المُتلقّي، لتوليدِ المُتعةِ الذّهنيّة، وهنا يَبرزُ دوْرُهُ عندَ الرّمزيّينَ، فمِنْ سِماتِ شِعرِ الحداثةِ الغموضُ.

(ويذهبُ خليل حاوي إلى أنّ ظاهرةَ الغموضِ ارتبطَتْ بتَحَوُّلِ الشّعرِ الحديثِ، مِن تقريرِ الأفكارِ إلى التّعبيرِ بالصّورة، فالشِّعرُ الأصيلُ يَقومُ على الإيحاءِ لا التّقرير والمباشرة، كما أنّ الشِّعرَ يَبحثُ عن الباطن، ولا يَقِفُ عندَ الظّاهرِ، لهذا كانَ الغموضُ صِفةً ملازمةً للشّعر(3). 

ويُرجِعُ أدونيس الغموضَ، إلى تَغيُّرِ مفهومِ الشِّعرِ في العصرِ الحديثِ، تبعًا لتغيُّرِ النّظرةِ إلى العالم، حيثُ "لمْ تَعُدِ القصيدةُ الحديثةُ تُقدِّمُ للقارئِ أفكارًا ومعانِيًا شأنَ القصيدةِ القديمة، وإنّما أصبحتْ تُقدّمُ حالةً أو فضاءً مِنَ الأخيلَةِ والصّوَرِ، ومِنَ الانفعالاتِ وتَداعياتِها، ولمْ يَعُدْ يَنطلِقُ (الشّاعرُ) مِن مَوقفٍ عقليٍّ، أو فكريٍّ واضحٍ وجاهز، إنَّما أخذَ يَنطلِقُ مِن مناخٍ انفعاليٍّ نُسمّيهِ تجربةً أو رؤيا"(4). 

وتقولُ شاعرتُنا: مَنادِيلُ أَماسِيكِ جارِحَةٌ/ تُ مَ زِّ قُ مَآقِيَ فَراشاتي/ بِتَنْهيداتِ بِلَّوْرِها.. بِأَقْفاصِها الْمُفَخَّخَةِ/ كَيْفَ أُغافِلُ مِحْرَقَةَ ضَوْضائِكِ/ وَفي قَوافي هَوادِجي أَبْجَدِيَّةٌ تُزَمْجِرُ وَلا تَنْطَفِئُ؟/ مَواسِمُ وَيْلاتٍ ذابَتْ أَحْبارُها/ في هَشيمِ مَحابِرِكِ الْمَغْدُورَةِ/ تَوَهَّجَتْ دُواةُ الطُّهْرِ بِآثامِها الشَّاحِبَةِ/ وَعُيُونُ الْبَنَفْسَجِ اصْفَرَّتْ بِفُوَّهَةِ أَلَقِها/ أَكَأَنَّمَا شُرِّعَتْ لِطَرْفَةِ احْتِضارٍ لا يَرْمشُ؟/ أَيُّ جُنُونٍ ذا يَرْتَجي خُطَى التَّماثيلِ تَمَهُّلاً؟/ أَيُّ فَجْرٍ ذا تَشَرْنَقَ دَياجيرَ مَنْفًى عَلى جُفُونِ الْمَغْنَى؟/ كَيْفَ لانْحِناءَةِ زَفْرَةٍ تسْتَقيمُ شَهْقَةً في فُؤادِ الْمُسْتَحيلِ؟/ وِشايَةُ سِراجِكِ أَسْرَجَتْ تَجاعِيدَ زَماني بِمَرايا الْخَطايا/ غَطَّتْ أَرْوِقَةَ غُرْبَتي بِأَدْعِيَةٍ ضَبابِيَّة!   

(مَناديلُ أَماسيكِ جارِحَةٌ): كنايةً عن مناديلِ الأعراسِ والأفراح، والأماسي هي ليالي الأفراح، لكنِ انقلَبَ الحالُ بسببِ المآسي الّتي تَحُلُّ بالشّعبِ الفلسطينيّ، وأصبحتْ مناديلُ مسْحِ البكاءِ تَجرَحُ المآقيَ والعيونَ، فلِلمآسي مناديلُ جارحةٌ.

(مَناديلُ أَماسيكِ جارِحَةٌ): كنايةً عن الأفراحِ الّتي تحوّلتْ إلى أتراح، فـ"المناديلُ" رمزٌ للأعراسِ والأفراح، و"الأماسي" رمزٌ للَيالي الفرحِ في تلكَ الأعراس، والرّمزُ مَصدرٌ للإدهاشِ، والتّأثيرِ، وتجسيدٍ لجَماليّاتِ التّشكيلِ الشّعريّ، ولقد أحسَنَتْ شاعرتُنا بتوظيفِها للرّمزِ بشكلٍ جَماليٍّ مُنسجِم، واتّساقٍ فِكريٍّ دقيقٍ مُقنِعٍ، ليُسهِمَ في الارتقاءِ بشِعريّةِ القصيدةِ، وتَعميقِ دلالاتِها، وشِدّةِ تأثيرِها في المُتلقّي. (تُ مَ زِّ قُ مَآقِيَ فَراشاتي): و"الفراشاتُ" رمزٌ للعرائسِ الصّغيراتِ الثّكالى قبلَ أوانِهِنَّ، ورمزٌ للأطفالِ اليتامى، بسببِ الأسْرِ والقتلِ والنّفيِ والتّنكيلِ، ويُعَدُّ الرّمزُ أسلوبًا مِن أساليبِ التّصويرِ، أو وسيلةً إيحائيّةً مِن وسائلِهِ، فكِلاهُما- الرّمزُ والصّورة- قائمانِ على التّشبيهِ، وعَلاقتُهُما أقربُ إلى علاقةِ الجُزءِ بالكلّ. وهي تقنيّةٌ عاليةٌ، يَرتفعُ بها شأنُ الصّورة.

الشّاعرةُ آمال مُجدِّدةٌ في لغتِها وأساليبِها، ونَلحظُ في جُلِّ قصائدِها ظاهرةً، الكلماتُ تَظهَرُ بحروفٍ مُتقطِّعةٍ أفقيّةٍ تارةً– كما في هذا السّطر- أو عموديّةٍ تارةً أخرى تُشكّلُ معناها، وهذا السّطرُ كنايةً عن كثرةِ البكاءِ، وفيهِ أيضًا انزياحاتٌ، فلِلمآقي فراشاتٌ تتمزّقُ، والفِعلُ "تمزّقت" جاءَ مُتقطِّعًا، ويَستغرِقُ وقتًا أطولَ أثناءَ النُّطقِ بهِ، فقد جزّأتْهُ الشّاعرةُ ومَزّقتْهُ لحروفٍ مُتناثِرةٍ، كما التّمزيقُ يَحتاجُ وقتًا ليَكتملَ.

(بِتَنْهِيداتِ بِلَّوْرِها.. بِأَقْفاصِها الْمُفَخَّخَةِ): كنايةً عن الوجعِ الّذي يَكمُنُ في المآسي والفواجِع، وما يُحدِثُهُ مِنْ تدميرٍ للنّفسِ وهدٍّ للرّوح، ومآقي الفراشاتِ الجميلةِ اسْتُبدِلَتْ بمَآقٍ زُجاجيّةٍ شكليّةٍ، لا جدوى بها ولا تُبصِرُ النّور، وللبلّوْراتِ الزّجاجيّةِ تنهُّداتٍ، ولها أقفاصٌ تُفَخُّخُ وتُدَمَّرُ بفِعلِ الاحتلالِ ومُخطّطاتِهِ، وبنودُ الاتّفاقيّةِ مُفخَّخةٌ.

(كَيْفَ أُغافِلُ مِحْرَقَةَ ضَوْضائِكِ): كنايةً عن الحُروبِ الحارقةِ، والمِحرقةُ رمزٌ للحربِ، وضوضاؤُها رمزٌ لويلاتِها، ولقد بدَأَتْ شاعرتُنا آمال نصَّها بأسلوبٍ خبَريٍّ، لتأكيدِ ذاتِها، وتبيانِ الفَواجعِ وفداحةِ المأساةِ، غيرَ أنّ هذهِ المآسي لم تنَلْ مِن عزيمتِها، وتنتقلُ للأسلوبِ الإنشائيّ، فالاستفهامُ يُفيدُ النّفيَ، وفي عبارة "مِحْرَقَةَ ضَوْضائِكِ" انزياحٌ إضافيٌّ، فللضّوضاءِ مِحرقةٌ كما للحُروب. وهذه الصّورةُ الّتي تَموجُ بالحركةِ والاضطرابِ والحيويّةِ والمَشاعرِ المُختلفة، مِن غفلةٍ وحرْقٍ وضوضاء ودهشة، هي وليدةُ الاستعارةِ الّتي بالغَتِ الشّاعرةُ  في استخدامِها، بطريقةٍ تسحَرُ لبَّ المُتلقّي، وتأسُرُ أحاسيسَهُ مِن هوْلِ الذّهولِ بالمَنظرِ الماثلِ أمامَها.

(وَفي قَوافي هَوادِجي أَبْجَدِيَّةٌ تُزَمْجِرُ وَلا تَنْطَفِئُ): في هذا السّطرِ تتزاحمُ التّحويلاتُ والانزياحاتُ أو ما سُمِّيَ بالتّوسُّعِ، وهوَ مِن أهمِّ الظّواهرِ الّتي تُميّزُ الّلغةَ الشّعريّةَ عن السّرديّة، معَ منْحِها شرَفَ الشِّعرِ وخصوصيّتِهِ، فإنَّ هذا النّوعَ مِنَ الانزياحِ يتّسمُ ببعضِ السِّماتِ المُصاحِبةِ لهُ، كالابتكارِ والجدة والنّضارة والإثارة، فذكرَتْ في سطْرِها السّابق القوافي "الجزء"، وأرادتْ بهِ الكلَّ "القصائدَ" مجاز مرسل علاقته الجزئيّة. 

ويَظهرُ الانزياحُ التّركيبيُّ، وهو مُخالَفةُ التّراتبيّةِ المألوفةِ في النّظامِ الجُمَليّ، مِن خِلالِ بعضِ الانزياحاتِ المَسموحِ بها في الإطارِ الّلغويّ، كالتّقديمِ والتّأخيرِ في بعضِ بُنى النّصّ، كتقديمِ الخبَرِ على مُبتدئِهِ، كما في نحو "وَفي قَوافي هَوادِجي أَبْجَدِيَّةٌ"، وهنا مَكمَنُ الجَمالِ الأسلوبيّ، فلِلقوافي هوادجُ كما للعَروس، والهودجُ هو أجملُ ما في خيالِ العروسِ، وهو تابعٌ لصورةِ العُرسِ ولا يكتملُ إلّا بهِ، ولها أبجديّةٌ كما الّلغة، والهوادجُ روحُ الشّاعرةِ ومَطلَبٌ رئيسٌ لها، فهي تُزمجرُ كما الأسد، ولا تتوقّفُ ولا تنطفئُ جَذوتُها، مادامَ الاحتلالُ يَتملّصُ مِن تعهُّداتِهِ ويُراوغُ، وهنا مَكمَنُ التّصويرِ والتّجسيمِ وبَثِّ الحياةِ في الجَماداتِ، وهذا النّهجُ وظّفتْهُ شاعرتُنا باقتدارٍ وبهاءٍ وفنٍّ وجَمال، فهذهِ الصُّوَرُ الرّائعةُ الخلّابةُ المُؤثِّرةُ ما كانتْ لتكون، لو أنّ شاعرتَنا آمال التزمَتْ في التّعبيرِ القولَ على الحقيقة. وتُخاطبُ الشّاعرةُ أُمَّها وحبيبتَها فلسطين قائلة: (مَوَاسِمُ وَيْلاَتٍ ذَابَتْ أَحْبَارُهَا فِي هَشِيمِ مَحَابِرِكِ الْمَغْدُورَةِ): كنايةً عن الغدرِ الّذي يَلُفُّ لغةَ الاتّفاقيّاتِ بينَ الفلسطينيّينَ والإسرائيليّين، فلقدْ أفرَغَ الإسرائيليّونَ المُعاهداتِ والاتّفاقيّاتِ المعقودةَ مِن مَضمونِها، فأصبحتْ قيمتُها لا تُساوي الحبْرَ الّذي كُتبَتْ بهِ، ولقد نجحَتْ شاعرتُنا بتوظيفِها للأساليبِ التّعبيريّةِ، وهي مِن مَظاهرِ الحداثةِ، فالأسلوبيّةُ التّعبيريّةُ والدّلالةُ في النّقدِ الحديث، ترتكزُ على أنماطٍ مِنَ التّحوّلاتِ الأسلوبيّةِ في الشِّعرِ، ومنها الانزياح بأشكالِه، الّذي وظّفتْهُ شاعرتُنا آمال بعنايةٍ فائقةٍ، فلِلمَواسِمِ ويلاتٌ، ولها أخبارٌ تَذوبُ، وللمَحابرِ هَشيمٌ كما النّباتِ، وتُغدَرُ كما يُغدَرُ المَخلوقُ، فمواسمُ الأعراسِ انقلبَتْ إلى مواسم ويْلات.

 (تَوَهَّجَتْ دُواةُ الطُّهْرِ بِآثامِها الشَّاحِبَةِ): كنايةً عنِ المَحابرِ البريئةِ المُتمثّلةِ في عقودِ الزّواجِ والاتّفاقيّاتِ المُوقَّعةِ بالحبر، والّتي فرِحَ بها الفلسطينيّونَ، تتحوّلُ وتنقلِبُ بطُهْرِها إلى عقودٍ آثمةٍ شاحبةٍ؛ بسببِ تحويرِ بُنودِ الاتّفاقيّاتِ المُوقَّعةِ إلى بنودٍ خاليةٍ مِن مضمونِها، والّتي تُحلِّلُ للإسرائيليِّ سياسةَ استمرارِ القتلِ والسّجنِ والتّنكيل.

(وَعُيُونُ الْبَنَفْسَجِ اصْفَرَّتْ بِفُوَّهَةِ أَلَقِها): شبّهتِ الشّاعرةُ البنفسجَ بإنسانٍ لهُ عينان، والبنفسجُ رمزُ الطّهارةِ والحُبِّ والنّقاء، واستخدَمَتِ الفعلَ "اصْفَرَّ"، ليُفيدَ المُبالغةَ في الاصفرارِ الّذي يَرمزُ للضّياع، وهنا سِرُّ المُفارقات، فالاتّفاقيّاتُ والمُعاهداتُ شيءٌ جميلٌ يَفضُّ الخصوماتِ بينَ الفُرقاء، لكن يجبُ أن يَتوفّرَ فيهِما النّيّة الصّادقة، لا أنْ يتحوّلا لغُبنِ طرَفٍ على حسابِ آخَر،  تمامًا مثلما البنفسج وأزهاره فيهما العذوبةُ والجَمال، لكن تحوًلا إلى اصفرارٍ ومرارةٍ وقُبح، وزالَ بريقُهما بفِعلِ الغدْر. ومِن خصائصِ أسلوب شاعرتِنا آمال، الصّوَرُ الفنّيّة الّتي وظّفتها لتجسيم الأمور المعنويّة، وذلك بإبرازها للعيانِ، في صورةِ شخوصٍ وكائناتٍ حيّةٍ، يَصدُرُ عنها كلُّ ما يَصدرُ عن المخلوقاتِ مِن حركاتٍ وأعمال.

(أَكَأَنَّما شُرِّعَتْ لِطَرْفَةِ احْتِضارٍ لا يَرْمشُ؟): الاستفهامُ خرَجَ عن معناهُ الحقيقيّ؛ ليُفيدَ التّقريرَ، والسّطرُ كنايةً عن أنّ هذه المُعاهداتِ صِيغَتْ مِن أجلِ ذوَبانِ وموْتِ الشّعب الفلسطينيّ. وهنا تُشبِّهُ شاعرتُنا انتهاءَ صلاحيّةِ هذهِ الاتّفاقيّاتِ وقُربَ التّخلُّصِ منها، بإنسانٍ يَحتضِرُ ولا يَرمشُ عندَ موتِهِ، استعارةً مَكنيّة. (أَيُّ جُنُونٍ ذا يَرْتَجي خُطَى التَّماثيلِ تَمَهُّلًا؟): والاستفهامُ يُفيدُ التّعجّبَ مِن فِعلِ تحويراتِ وتأويلاتِ اتّفاقيّاتِ السّلامِ المُبْرَمة، و"خطى التماثيل": كنايةً عن موْتِ روح الاتّفاقيّات، وكأنّما الشّخوصُ المتحرّكةُ القائمة على تنفيذِ الاتّفاقيّاتِ المعقودة، في عمليّاتِ السّلام، تماثيلُ مُتحرّكة، تُراوحُ مكانَها، فقد فقدَتْ كلَّ روحٍ وحياة، وللتّماثيلِ خطى. استعارةً مكنيّة.

(أَيُّ فَجْرٍ ذا تَشَرْنَقَ دَياجيرَ مَنْفًى عَلى جُفُونِ الْمَغْنى؟): الاستفهامُ هنا خرَجَ عن معناهُ الحقيقيّ؛ ليُفيدَ التّعجُّبَ مِن هذهِ الاتّفاقيّة، وعمليّةِ تحريفِها وتسخيرِها لخدمةِ أغراضِ المُحتَلّ، وتذويبِ الشّعبِ الفلسطينيِّ ونفْيِهِ عن وطنِهِ. وهنا المفارقاتُ، فالفجرُ يَرمزُ للتّحرُّر، لكن يتمُّ تحويلُهُ لسجنٍ وشرنقةٍ ونفيٍ، وتتزاحمُ الانحرافاتُ في السّطر تمامًا كانحرافِ اتّفاقيّاتِ السّلام، فالفجرُ يتشرنقُ، وللمنفى دياجيرُ، وللمَغْنى جفون.

(كَيْفَ لانْحِناءَةِ زَفْرَةٍ تسْتَقيمُ شَهْقَةً فِي فُؤادِ الْمُسْتَحيلِ؟): الاستفهامُ هنا أيضًا يُفيدُ التّعجُّبَ، فالشّاعرةُ تتعجّبُ مِن تحويرِ وانحرافِ اتّفاقيّةِ السّلام الّتي تهدفُ إلى تركيع الشّعب الفلسطينيّ، وهذا مستحيلٌ، والسّطرُ يَعجُّ بالاستعاراتِ والتّجسيم والتّصويرِ وبثِّ الحياة في المعاني، فللزّفرةِ انحناءة، ولها شهقة، وللمستحيلِ فؤاد. فالسّرُّ في قوّةِ تأثيرِ هذه الصّورةِ الشّعريّةِ وجَمالِها، راجعٌ إلى مفعول الاستعارة، هذا المفعول الّذي انتقلَ بالفِكرِة مِن عالم المعاني، إلى عالم المُدرَكاتِ. مبالغة.

(وِشايَةُ سِراجِكِ أَسْرَجَتْ تَجاعيدَ زَماني بِمَرايا الْخَطايا): الشّاعرةُ هنا وفي كلِّ السّطورِ تُخاطبُ حبيبتَها فلسطين، ولكي يُسيطرَ الإسرائيليّونَ على الأرضِ والشّعب الفلسطينيّ، فقد بثّوا العملاءَ والجواسيسَ، وهذه خطايا تُدنِّسُ معالمَ الوجهِ الفلسطينيِّ بحضارتِهِ عبْرَ التّاريخ، وفي لفظتَيْ "سراج" وَ "أسرجت"، تتكرّرُ حروفُ السّين والرّاء والجيم؛ لإشاعةِ الإيقاع الموسيقيّ في ثنايا المقطوعة، والرّاء صوتٌ مُكرَّر، تمامًا كما الوشاية تكرارُ قوْل، والسّراجُ رمزٌ للنّورِ والحرّيّة يُثري الوجهَ وضاءة، لكنّهُ يتحوّلُ بفِعلِ التّخطيطِ الإسرائيليّ إلى قتامةٍ وتجاعيدَ في وجهِ الفلسطينيّ.

في عبارةِ "تجاعيد زماني": كنايةً عن تاريخِ الشّعب الفلسطينيِّ المُناضِلِ وما يُكابدُهُ. "وشايةُ سراجِك": كنايةً عن ظاهرةِ بثِّ العملاءِ في صفوفِ الفلسطينيّين. "مرايا الخطايا": كنايةً عن الأضرارِ والآثامِ الّتي تُلحِقُها الوشاية. وهذا السّطرُ حافلٌ بالانزياحاتِ- كما في كلِّ سطورِ القصيدة- الّتي عِمادُها الاستعارة. وهذا جان كوهين  يعتبرُ الاستعارة: "تُشكّلُ الخاصّيّةَ الأساسيّةَ للُّغةِ الشّعريّة"(5). فللسّراج وشايةٌ، وللزّمانِ تجاعيدُ، وللخطايا مرايا، وتجاعيدُ الزّمان تُضاء. (غَطَّتْ أَرْوِقَةَ غُرْبَتي بِأَدْعِيَةٍ ضَبابِيَّة!): وتعودُ الشّاعرةُ للأسلوبِ الخبّريّ، لتأكيدِ الذّاتِ وتوضيحِ حالتِها النّفسيّة، مُظهِرَةً أنّ كلَّ هذهِ المحاولاتِ العبثيّةِ لم تنَلْ منها ومِن صمودِها قيدَ أنملة، وإظهارِ تقديرِها لمَن تخاطبُها وهي الحبيبةُ فلسطين، وهذا السّطرُ كنايةً عن الحالةِ النفسيّةِ الّتي تعيشُها الشّاعرةُ في غربتِها في وطنِها، وهي أشدُّ أنواعِ الغربة، وأنّ تلكَ الاتّفاقيّاتِ زادتْ مِن غربتِها اغترابًا، ومِن ضياعِها في وطنِها ضياعًا، ولغةُ الشّاعرةِ مُوحِيةٌ، والشّاعرةُ تُتقِنُ فنّ توظيفِ الاستعارة، فالاستعارةُ تُحلّقُ بكَ في عالم الخيال، وتَعرضُ عليك أشكالًا مِن الصّورِ البيانيّةِ الرّائعة، الّتي تَسبَحُ بك في بحرِ الألفاظِ، وتنتقلُ سريعًا مِنَ المعنى الحقيقيِّ للّفظِ المُستعار، إلى المعنى المَجاز الّذي صارَ عليهِ ذلكَ الّلفظُ، وتُكسِبُ الّلفظَ حلاوةً وجمالًا ورونقا.   

وتُعدُّ شاعرتُنا في قصيدتِها هذه وفي جُلِّ دواوينِها الشّعريّة، مِن أنجحِ الشّعراءِ الّذين أغرَقوا أنفسَهم في استخدامِهم الرّموز، فمِنَ الطّبيعيّ أنْ نجدَ الشّاعرةَ تُلبِسُ ألفاظَها حُلّةً جديدةً مَجازيّة، بعيدةً عن الواقع بطريقةٍ رمزيّة؛ لغرضٍ ما في نفسِها، والألفاظ الدّالة على الحزنِ، في هذهِ السّطورِ فقط، وليسَ في كلّ المقطوعة: أَماسيكِ، جارِحَةٌ، تُمَزِّقُ، بِتَنْهيداتِ، أَقْفاصِهِ، الْمُفَخَّخَةِ، أُغافِل،ُ مِحْرَقَةَ، تُزَمْجِرُ، وَلا تنطفئ، وَيْلاتٍ، ذابَتْ، هَشيمِ، الْمَغْدُورَةِ، بِآثامِها، الشَّاحِبَةِ، اصْفَرَّتْ، احْتِضار،ٍ ضَوْضائِكِ، أيَرْمشُ؟ أَيُّ جُنُونٍ ذا يَرْتَجي خُطَى التَّماثيلِ تَمَهُّلًا؟/ أَيُّ فَجْرٍ ذا تَشَرْنَقَ دَياجِيرَ مَنْفًى عَلى جُفُونِ الْمَغْنى؟/ كَيْفَ لانْحِناءَةِ زَفْرَةٍ تسْتَقيمُ شَهْقَةً فِي فُؤادِ الْمُسْتَحيلِ؟/ وِشايَةُ سِراجِكِ أَسْرَجَتْ تَجاعيدَ زَماني بِمَرايا الْخَطايا/ غَطَّتْ أَرْوِقَةَ غُرْبَتِي بِأَدْعِيَةٍ ضَبابِيَّة! ظهرَتْ أصواتُ الحزن أيضًا في الأساليبِ الإنشائيّة، فترتبطُ بانفعالاتِ الشّاعرة، الّتي غلبَ عليها الإنشاءُ الطّلبيُّ المُتمثِّلُ في الاستفهام: (أَيُّ جُنُونٍ؟) وَ (أَيُّ فجْرٍ؟) و(كَيْفَ لانْحِناءَةِ؟)، وهي استفهاماتٌ لا تُفيدُ بحسبِ مُقتضى الظّاهر، بل خرجَتْ عنهُ؛ لتُفيدَ معنى مُستلزمًا حواريًّا بحسَبِ مُقتضى الحال، وهي تُفيدُ التّعجّب. (ضِحْكَةٌ مُتَثَعْلِبَةٌ ارْتَجَفَتْ طَيْشًا): الإسرائيليّونَ مشهورونَ بالخداع، وجاءَ في لسان العرب في معنى "تثعْلَبَ": جَبُنَ ورَاغَ، على التّشبُّهِ بعدو الثّعلب، قال: فإنْ رآني شاعرٌ تثعلبا/ وإنْ حَداهُ الحينُ أو تَذايَلَهُ(6).

و"ضحكةٌ مُتثعلبةٌ": كنايةً عن المُراوغةِ والمَكرِ والخداع، وشبّهَتِ الشّاعرةُ الضّحكةَ بشيءٍ يرتجفُ ويَطيشُ. استعارةً مَكنيّة. (خَلْفَ سُدُودِ هَواءٍ جِدارِيٍّ): وهنا الشّاعرةُ تَرمزُ إلى بناءِ الإسرائيليّينَ للجدارِ الفاصل، وهدفُ بنائِهِ خبيثٌ، فهو يُمكِّنُهم مِنَ الوصولِ أينما يُريدون، ولا يُمكِّنُ الفلسطينيّينَ مِنَ التّنقُّلِ أو حرّيّةِ الحركة، بل يُقسِّمُهم إلى كانتونات صغيرةٍ مُجزّأةٍ، مُحاصَرةٍ بجدارٍ أُقيمَ على أراضيهم، وابتلعَ منها ما ابتلعَ؛ ليُسهِّلَ السّيطرةَ عليهم. (كم تَهالَكَ صَداهَا عَلَى قارِعَةِ نَهْدِ عاصِفَةٍ!): "كم: كم للتّكثير، فللنّهدِ قارعةٌ كما للطّريق، ولها عاصفةٌ كما للرّيح.

(سَلْمٌ يَصْعَدُ دَرَكاتِ سُلَّمِهِ): كنايةً عن السّلامِ الّذي لا يُمَكِّنُكَ مِنَ الصّعودِ والاستفادةِ منه، بل مِنَ الهبوط، كما الجدارُ الفاصلُ لا يُمكِّنُ الفلسطينيّينَ مِنَ الحركة، بل شَلِّ حركتِهم، ويَخلو مِن معاني السّلام. (يَفُكُّ خِمارَ انْتِظارٍ تَوارى خَلْفَ أَزْرارِ أَدْراجِهِ): وللجدارِ بوّاباتٌ لا يَسمحُ الإسرائيليّونَ للفلسطينيّينَ بالدخولِ فيها أو الخروج منها، إلّا بأمرٍ منهم وبَعدَ طولِ انتظارٍ وامتهانٍ للكرامة، و"يفُكُّ خِمارَ انتظار": كنايةً عن التّفتيشِ الدّقيقِ للفلسطينيّينَ الّذينَ لا يُسمحُ لهم بالدّخولِ، إلّا بعدَ طولِ انتظار. وهنا تتزاحمُ الاستعاراتُ والصّورُ الفنّيّة، فللانتظارِ خِمارٌ كما للمرأة، وللأدراجِ أزرارٌ كما للقميص.

(وَيسَقُطُ عارِيًا إِلَّا مِنْ عُرْيِهِ!): كنايةً عن أنّ هذا الجدارَ سيَسقُطُ كما سَقطَ جدارُ برلين، فحُجّتُهم عاريةٌ، لا تُقنِعُ أحدًا سوى أنفسِهم. (لكِنَّها): وتستدركُ الشّاعرةُ عندما ظننّا أنّ صوتَها قد وهَى وخبَا وضعُفَ؛ فإذا بنا نُفاجَأ بأنّ معنويّاتِها ارتفعتْ عاليًا، وازدادتْ دفقاتُها الشّعوريّة، وازدادَ ألقُها، وقد تسلّحَتْ بالعزم والمضاء والإيمان قائلةً مُخاطِبة أمّها: (مُدُنُ غُفْرانِكِ الْمُقَنْدَلَةِ بِفُصُولِ خُيُولِكِ/ أبَدًا.. ما طالَها زَبَدُ يَأْسٍ): كنايةً عن أنّ المُدنَ الفلسطينيّةَ لن تُصابَ باليأسِ والإحباطِ أبدًا، بفِعلِ منعتِها وعِزّتِها ومَجدِها، ولن يَنالَ منها بناءُ جدارِ الفصل. سنتوقّفُ قليلًا عندَ هذيْنِ السّطريْن، لنرى بعضَ الصّورِ الفنّيّةِ المُتلاحِقة، وهي سِمةٌ مِن سِماتِ شِعرِ الحداثة. تقولُ الشّاعرةُ: "مُدنُ غفرانِكِ": فذكرَتِ المُدنُ "المكان"، وأرادتْ أهلَها الفلسطينيّين، مجاز مرسل علاقته المكانيّة.

وشبّهَتِ الشّاعرةُ المُدنَ بالقناديل، استعارةً مكانيّة. كما شبّهَتِ الخيولَ بشيءٍ لهُ فصول. استعارةٌ مكنيّة. وشبّهَتِ اليأسَ بماءِ البحرِ لهُ زبَدٌ، واستخدَمَتْ لفظةَ "أبد"؛ المُكوّنة مِن ثلاثةِ حروف، لكن معناها كبيرٌ جدّا، وهو مدى الدّهرِ وعلى طولِ الزّمن، ويَمتدُّ زمانُها مِن لحظةِ النّطق بها إلى ما لا نهاية مستقبلًا، وفيها معنى تأكيدِ صمودِها وعدمِ استسلامِها، ولقد قدّمتْها لأهمّيّتِها، ولخلْقِ المُتعةِ والجَمال، وحقُّها التّأخير على كلٍّ مِنَ الفِعل والفاعل، "مَا طالَها زَبَدُ يَأْسٍ"، وقد أسندَتِ الشّاعرةُ الزّبدَ لليأس.

(وَإِنْ عُلِّقْتِ عَلى أَسْوارِ أَعْراسٍ مُؤَجَّلَةٍ)- (وَإنِ اعْشَوْشَبَ فُسْتانُ زَفافِكِ كَفَنًا): كنايةً عن أنّ جدارَ الفصلِ لنْ يَمنعَ الفلسطينيّينَ مِنَ التّحرُّرِ وإكمالِ أعراس نصْرِهم، حتّى وإن ظهَرَ أنّ ثوْبَ العرْسِ قد تغيّرَ وتبدّلَ، وتحوّلَ إلى ما يُشبهُ الكفنَ، مِن طولِ عهدِ العبوديّة، لكنّه سيزهو. والصّورةُ الفنّيّةُ عندَ شاعرتِنا عمادُها الاستعارة، وهي صورةٌ مِن صُوَرِ التّوسُّعِ والمَجازِ في الكلام، وهي مِن أوصافِ الفصاحةِ والبلاغةِ العامّة، الّتي تَرجعُ إلى المعنى.

(لَيْلي اتَّقَدَ بِظُلْمَةِ حِكاياتٍ مَخْمُورَةٍ/ وَبِرَعْشَةِ بَدْرٍ احْتَلَكَتْ ضَفائِرُ شَحاريري/ تَتَوَسَّلُ بُؤْرَةَ ضَوْءٍ أَغْلَقَها طينُ الْعَتْمِ): كنايةً عن عودةِ الأملِ لروحِ الشّاعرةِ، فالّليلُ رمزٌ للقهْرِ والسّوداويّة، لكنّه تحوُّلٌ عندَ شاعرتِنا يَتّقدُ، فمِن رحْمِهِ تولّدَ الأملُ، والشّاعرةُ تُحاولُ بناءَ مُفرَداتٍ جديدة، فبحسَبِ علمي، لمْ يَرِدِ الفعلُ "احتلَكَ" بهذا البناء، وجاء في لسان العرب: "الحُلْكة والحَلَكُ؛ شدّةُ السّوادِ كلوْنِ الغراب، وقد حَلَكَ الشّيءُ يَحْلُكُ حُلُوكةً وحلُوكًا، واحْلَوْلَكَ مثله اشْتدَّ سوادُهُ، وأَسودُ حالِكٌ وحانكٌ ومُحْلَوْلِكٌ وحُلْكُوك بمعنى، وفي حديثِ خُزيمة وذِكْرِ السّنة؛ وتركَتِ الفَرِيشَ مُسْتَحلِكًا. المُستحْلِكُ الشّديدُ السّواد كالمُحترِق، مِن قولِهم: أَسوَدُ حالِكٌ، والحَلَكُوك بالتّحريكِ الشّديدُ السّواد، وأَسوَدُ مثلُ حَلَكِ الغرابِ وحَنَكِ الغراب، وشيءٌ حالِكٌ ومْحْلَولِك ومْحْلَنْكِكٌ وحُلْكُوك، ولمْ يأْتِ في الأَلوان فُعْلُول إلّا هذا.."

لقد ثارَ رُوّادُ الشّعرِ العربيّ الحُرّ على القاموس الشّعريّ، فلم يَعُدْ للشِّعرِ مُعجَمٌ خاصّ، لأنَّ "القصيدةَ لغةٌ وليستْ كلماتِ، وما دامت لغةً فهي علاقاتٌ، أو بعبارةٍ أدقَّ، نظامٌ خاصٌّ مِنَ العلاقاتِ، وبما أنّها كذلك، فهي لهجةٌ شخصيّةٌ غيرُ مستعارة"(7).

"لقد حاولَ روّادُ الشّعرِ العربيّ الحُرّ أن يُجدّدوا الشّعر مِن خِلالِ تجديدِ لغتِهِ. وأرادوا أنْ يُجدّدوا لغتَهُ ويُغنّوها مِن خِلال احتكاكِهم بالحياةِ الجديدة. وجدوا أنّ الّلغةَ التّقليديّةَ جامدةٌ وعاجزةٌ عن مُواكبةِ حركةِ الحياة فثاروا عليها. ووجدوا أنّ القاموسَ الشّعريَ قد أصبحَ مُجرّدَ ألفاظٍ ميّتة تحملُ مَعانيًا مُحدّدةً مُكرّرةً، لا تمتُّ إلى حياتِهم بصِلةٍ. ثمَّ كانَ لا بُدَّ مِنْ تَجديدِ الّلغةِ، على ضوءِ تجربةٍ جديدةٍ وفهْمٍ جديدٍ للحياة. "لقد أيقنوا أنّ كلّ تجربةٍ لها لغتُها، وأنّ التّجربةَ الجديدةَ ليستْ إلّا لغةً جديدةً، أو منهجًا جديدًا في التّعاملِ مع الّلغة"(8). فالّليلُ يتّقدُ، وللحِكاياتِ ظُلماتٌ مخمورة، وللبدرِ رعشةٌ، وللشّحاريرِ ضفائرُ، وكلُّها استعاراتٌ وانزياحات. 

(أمَّاااااااهُ): وتنتقلُ الشّاعرةُ إلى أسلوبِ الإنشاء، ويتمثّلُ في النّداءِ، وحرْفُ النّداءِ محذوفٌ، والنّداءُ يُفيدُ التّقرُّبَ والتّحبُّبَ لحبيبتِها المَخاطَبة فلسطين، وللتّنغيمِ دوْرٌ كبيرٌ في خلْقِ إيقاعٍ مُناسِب، لهُ معنًى تقصدُهُ الشّاعرة، فقد أشبَعَتْ صوتَ الصّائتِ الألف في المنادى: "أُمّاه"، وكأنّي بها تريدُ أن تُخرجَ منها زفراتِ الألم والوجع، وتبوحَ لأمِّها بمُنغِّصاتِ حياتِها، وفي البوْحِ راحةٌ للنّفسِ والرّوح. (قاطِراتُ وَجَعٍ تَلَوَّتْ عَلى سِكَّةِ يَقيني الْمُهْتَرِئَةِ): كنايةً عمّا يختلجُ روحها مِن ألم جرّاءَ ما يَحصلُ في فلسطين، ولن أقفَ طويلًا عندَ الاستعاراتِ الّتي هي عمادُ الصّورِ الفنّيّة، بل سأشيرُ إليها إشاراتٍ سريعةً، فلِلوجعِ قاطراتٌ تتلوّى، ولليقينِ سكّةٌ مُهترئةٌ.

وكما يقول عبد القاهر الجرجاني: "إنّ فضيلةَ الاستعارةِ الجامعةِ تتمثّلُ في أنّها تُبرزُ البيانَ أبدًا، في صورةٍ مُستجَدَّةٍ تَزيدُ قدْرَهُ نُبلًا، وتُوجِبُ لهُ بَعدَ الفضلِ فضلًا، وإنّكَ لتجد الّلفظةَ الواحدةَ قدِ اكتسبَتْ فيها فوائدَ، حتّى تراها مُكرّرةً في مَواضعَ، ولها في كلِّ واحدٍ مِن تلكَ المَواضعِ شأنٌ مُفردٌ، وشرفٌ منفردٌ.. ومِن خصائصِها الّتي تذكر بها، وهي عنوان مناقبها: أنّها تُعطيكَ الكثيرّ مِنَ المعاني باليسيرِ مِنَ الّلفظ، حتّى تخرج من الصَّدفةِ الواحدةِ عدّةً مِنَ الدّرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعًا مِن الثمر"(9).

وتقولُ: (ملاءاتُ خَرائِطي/ تَنْقُضُني/ تَنْفُضُني مِنْ تَحْتِ عِطْرِ أَكْفاني/ تُؤَرِّقُني/ تُورِقُني قَصائِدَعُمْرٍ مُقَنَّعٍ بِطَحالِبِ طَلْعِكِ!/ نَوافِيرُ شِعْري ما ازْدَهَرَتْ إِلاَّ بِحَرِّ حَرْفِكِ/ يُمَوِّجُنِي بِسَطْعِ نَقائِكِ): وهنا تتكئُ الشّاعرةُ على فِعلِ المُضارع الّذي يُوحي باستمرار الأسى والحزن والفواجع، مادامَ هناكَ عبوديّةٌ وتسلُّطٌ واحتلالٌ تعسُّفيّ. الأفعالُ المُضارعةُ كـ: (تَنْقُضُني/ تَنْفُضُني/ تُؤَرِّقُني/ تُورِقُني)، هذهِ الأفعالُ جميعُها تبتدئُ بالصّامتِ صوت "التاء"، وتنتهي كلُّها بصوتِ الصّائت الكسرة الطويلة، وهذا يدلُّ على التّوتّرِ الشّديدِ الّذي يَسري في روح الشّاعرة جرّاءَ هوْلِ ما يَحصل، وتِكرارُ الحرفِ يُولِّدُ إيقاعًا عذبًا في السّطرِ الشِّعريّ، فجاء الفِعلُ الأوّلُ والثّاني والرّابع على نفس الوزن.

ويذهبُ مدحت الجيّار إلى: "أنّ الموسيقى نظامٌ أو قانونٌ، يَربطُ القانونَ الصّرفيّ والقانونَ الصّوتيَّ في نسَقٍ عامٍّ وقانونٍ أعمَّ، على مُستوى الجملةِ أو البيتِ أو المَقطع. ذلك أنّ القانونَ الصّوتيَّ يَخصُّ طاقاتِ الحرفِ الصّوتيّةَ، وقدرتِهِ على التّنغيمِ، كالجَهر والهمْسِ والشّدّةِ والرّخاوةِ والتّفخيمِ والتّرقيقِ وغيرها، وعلاقةَ الحرفِ بما سبقَهُ ولحقَهُ، ومدى تناغُمِ هذهِ الحُروفِ فيما بينها حتّى تُشكِّلَ الكلمة. ويأتي القانونُ الصّرفيُّ ليأخذَ الكلمةَ وبُنيتَها، وتَحوُّلاتِها الصّوتيّةَ، وعلاقةَ الكلماتِ معَ غيرِها مِنَ النّاحيةِ الصّوتيّة. ثمَّ يأتي القانونُ الموسيقيُّ ليُفجِّرَ هذهِ الإمكاناتِ الصّوتيّةَ والصّرفيّةَ في إطارٍ عامّ، أي مستوى السّياق، بَعدَ أنِ اهتمَّ الأوّلُ بالحرْفِ، والثّاني بالكلمة، واهتمّ القانونُ الموسيقيُّ بالسّياق"(10).

إنّ مقطوعةَ شاعرتِنا آمال عوّاد رضوان كما في غالبيّةِ أشعارِها، تعتمدُ أفكارُها على نزعةٍ تصويريّةٍ، فيها كثيرٌ مِن الإحساسِ، تجري صياغتُها بلغةٍ شعريّةٍ، تتشكّلُ بدايةً مِن مجموعةٍ مِنَ الصّورةِ الجزئيّة الّتي تتكاملُ معًا، لتُشكّلَ بَعدَها صورةً كلّيّة. وتقولُ: أَيا أُقْحُوانَةَ الثَّغْرِ اثْغَرِّي/ أَسْقِطي أَسْنانَكِ الرَّواضِعَ/ قَلِّدِيني بِفَوْحِ مِسْكِكِ وَسامَةً/ شُدِّيني وَمْضَ نَقاءٍ إِلى عَيْنِ رَبيعِكِ/ وَفي تَهاويمِ مَجْدِكِ أَنْبتيني أَيْدي طُفُولَةٍ تُمْسِكُ بِالشَّمْسِ/ لِتَسْتَوِيَ عَدْلًا عَلى جُزُرِ النُّورِ: ففي السّطورِ السّابقةِ نرى أنّ البحرَ والجُزرَ والماءَ والسّماءَ والفضاءَ والشّمسَ والنّورَ رموزًا للحياةِ، وأنّ الطّفولةَ والأمومةَ هي مَباعثُ الحياةِ والدّيمومة. والرّمزُ مِنَ التّقنيّاتِ الّتي يَكثُرُ استخدامُها في الشِّعرِ المُعاصِر، وهو وسيلةٌ يَعتمدُها الشّاعرُ للإيحاء، بدلَ المُباشَرةِ والتّصريح، فيَنقلُ المُتلقّي مِنَ المستوى المُباشِرِ للقصيدة، إلى المعاني والدّلالاتِ الّتي تَكمُنُ وراءَ الكلماتِ، كما يقومُ باستكمالِ ما تَعجَزُ الكلماتُ عن تِبيانِهِ وتوضيحِهِ، فهو أبلغُ مِن التّصريح، "ﻓﺎﻟﻌﻼﻗﺔُ ﺒﻴﻥَ ﺍﻟﺸِّﻌﺭِ ﻭﺒﻴﻥَ ﺍﻟﺭّﻤﺯِ ﻗﺩﻴﻤﺔٌ، ﻭﺘﺩلُّ ﻋﻠﻰ ﺒﺼﻴﺭﺓٍ كاﻓﻴﺔٍ ﺒﻁﺒﻴﻌـِﺔ ﺍﻟﺸِّﻌﺭِ ﻭﺍﻟﺘّﻌﺒﻴﺭِ ﺍﻟﺸّﻌﺭﻱّ(11).

(أَيَا أُقْحُوانَةَ الثَّغْرِ اثْغَرِّي/ أَسْقِطي أَسْنانَكِ الرَّواضِعَ): وتنتقلُ شاعرتُنا إلى الأسلوبِ الإنشائيّ، والنّداءُ هنا يُفيدُ تحبُّبَ الشّاعرةِ وتَقرُّبَها مِن محبوبتِها فلسطين، والمُنادى هنا أقحوانةُ الثّغر ترمزُ إلى فلسطين وجَمالِها. والأمرُ في كلٍّ مِنَ الفِعليْنِ: "اثْغَرّي" و"أسقِطي" يُفيدُ كلّ منهما الالتماس، والمُتلقّي عندما يقرأ هذا السّطرَ الشّعريّ، يُدركُ أنّ المخزونَ الّلغويَّ لدى شاعرتِنا واسعٌ وكبيرٌ، فلقد وظّفتْ كلمَتَي "الثّغر" والفعل "اثْغَرّي"، وأتبَعَتْهُما بجملةِ "أَسْقِطي أَسْنانَكِ الرَّواضِعَ"، بحنكةٍ ودرايةٍ ووعيٍ لمكانِ كلِّ لفظةٍ وعبارة. وعندما نتصفّحُ مُعجمَ لسان العرب باب "ثغر"، سنجدُ الكثيرَ، وسأكتفي بنقلِ النّزرِ القليل فقط، لنُدلّلَ على أنّ شاعرتَنا واسعةَ الاطّلاع: "عن ابن الأعرابيّ: وأنشد لجرير: متى ألق مثغورًا على سوء ثغره/ أضع فوق ما أبقى الرياحي مبردا.

وقيلَ: ثغر وأثغرَ دقّ فمه. وثغر الغلامُ ثغرا: سقطت أسنانُهُ الرّواضعُ، فهو مثغور. وأثغر واتْغَرّ وادْغرّ، على البدل: نبتتْ أسنانُهُ، والأصل في اتْغرّ اثتغرَ، قُلبتِ التّاء ثاء ثمّ أُدغِمت، وإن شئتَ قلت: اتْغرّ بجعْلِ الحرف الأصلي هو الظاهر.. ومنهم مَن يَقلبُ تاء الافتعال ثاءً، ويدغم فيها الثاء الأصليّة، ومنهم مَن يَقلبُ الثّاء الأصليّة تاء، ويدغمُها في تاء الافتعال، وخصّ بعضُهم بالاثغار والاتغار البهيمة: أنشدَ ثعلب في صفة فرس: قارح قد فر عنه جانب/ ورباع جانب لم يتغر(12).

 لقد أدركَتْ نازك" "أنّ تطوُّرَ الّلغةِ وحياتَها إنَّما يَنبُعُ مِن حياةِ الشّاعرِ وتجربتِهِ، وليسَ مِن الكلماتِ ذاتِها. فالشّاعرُ قادرٌ مِن خلالِ إحساسِهِ الجديدِ بالمُفردات، وتجربتِهِ في الحياة، أن يُعطِيَ لها دلالاتٍ شِعريّةً، مِن خلالِ توظيفِها في سِياقٍ جديد. فالشّعرُ ليسَ صناعةً، بل تجربةً، والشّاعرُ يَستطيعُ أن يُقدِّمَ للّغةِ ما يَعجزُ النّحاةُ عنه. إنّه قادرٌ على إحياءِ الألفاظ، بفضلِ حِسِّهِ المُرهَفِ واطّلاعِهِ على الأدب القديمِ والحديث، العربيِّ والأجنبيّ. فهو يَستطيعُ أن يُضيفَ لونًا إلى كلمةٍ، ويَصنعُ تعبيرًا جديدًا، وإنْ خرَقَ قاعدةً استطاعَ أنْ يَخلقَ البديل، ليُصبحَ ما أبدعَهُ قاعدةً جديدة(13).

ونعودُ لسطرِ الشّاعرة: (أَيا أُقْحُوانَةَ الثَّغْرِ اثْغَرِّي/ أَسْقِطي أَسْنانَكِ الرَّواضِعَ): فالجُملةُ الثّانيةُ في هذا السّطرِ جاءتْ تأكيدًا للجُملةِ الأولى، والجُملتانِ بمعنى واحد، وهُما كنايةً عن أنْ تخلعَ حبيبةُ الشّاعرةِ ثوْبَ ماضي تجربتِها معَ الاحتلال، وما وَلّدَهُ في نفسِها مِن أسى وحزنٍ وإحباط، وأن تتسلّحَ بسلاحِ العزيمةِ والمضاءِ والوعيِ والبلوغ، وقد استخدَمَتِ التّرادفِ بينَ كلٍّ مِن "اثْغَرّي" وَ "أسْقِطي" وبنفسِ الوزن، والجُملتانِ فيهِما المُوازنة، كلُّ هذا، لتوليدِ الإيقاع الموسيقيِّ والبناءِ الفنّيّ الشّعريّ.

لقد أجادتْ شاعرتُنا توظيفَ أدواتِ الرّبط "وجودًا أو عدمًا"، وهذه التّقنيّةُ الأسلوبيّةُ ظهَرتْ بشكلٍ جلِيٍّ في الشّعرِ العربيّ الحديث، حتّى باتتْ تُشكِّلُ أسلوبًا فنّيًّا، يُمكنُ أن يُفيدَ منهُ النّصّ، ويُحقّقَ لهُ مستوًى جَماليًّا فريدًا. وقديمًا، صُنِّفَ هذا النّوعُ مِنَ الأسلوبِ تحتَ مُسمّى (الوصْل والفصْل)؛ بمعنى أنّ الوصْلَ هو عطفُ جملةٍ على أخرى. وعكسُهُ الفصل، وهذا مألوفٌ ومُتّبَعٌ في الجُملةِ النّثريّةِ الإيصاليّة. أمّا على مستوى الشّعر فيُصبحُ الأمرُ مُختلِفًا، إذ يكتفي الشّاعرُ بربْطِ جزئيّاتِ السّطرِ، معَ احتماليّةِ ترْكِ العطفِ، بفِعلِ أنّهُ أبلغُ مِن ذِكرِهِ. وشاعرتُنا تركَتِ الوصْلُ بينَ الجُملتيْنِ وهذا أبلغُ، وهو شكلٌ مِن أشكالِ الانزياح.

(قَلِّديني بِفَوْحِ مِسْكِكِ وَسامَةً): والأمْرُ هنا يُفيدُ الالتماسَ، والسّطرُ كنايةً عن عبَقِ فلسطين وشذاها وجَمالِها. (شُدِّيني وَمْضَ نَقاءٍ إِلى عَيْنِ رَبيعِكِ): كنايةً عن جَمالِ فلسطين، كُنهِها ومَظهَرِها، وفعلُ الأمرِ "شُدّيني" يُفيدُ الالتماسَ، فللنّقاءِ وميضٌ كما الشّعاع، وللرّبيعِ عيونٌ كما الإنسان، فالاستعاراتُ هنا حقّقتْ غرضَيْنِ مِن أغراضِ الاستعارة هما: الإيجازُ والبيانُ، كما تضافرَتْ معًا في رسْمِ جَمالِ الحبيبةِ، وإبرازِها في صورةٍ تأسُرُ القلوبَ بعذوبتِها وجَمالِها، صورةِ مخلوقٍ جميلٍ، نقيِّ السّيرة، باسِمِ الوجْهِ جذّابًا، فالاستعارةُ هي الّتي لوّنتِ المعانيَ الحقيقيّةَ هذا التّلوين، وهي الّتي بثّتْ في ثناياها كلَّ هذا القدْرِ مِنَ التّأثير.

(وَفي تَهاويمِ مَجْدِكِ/ أَنْبتينِي أَيادي طُفُولَةٍ تُمْسِكُ بِالشَّمْسِ): وهنا قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملةِ "وَفي تَهاويمِ مَجْدِكِ"، وحقُّها التّأخير، وأخّرَتِ الجُملةَ الفِعليّةَ "أَنْبتيني أَيْدي طُفُولَةٍ"، وحقُّها التّأخير، وسببُ التّقديمِ لأهمّيّةِ المُتقدّم، وللقيمةِ الجَماليّةِ، والسّطرُ كنايةً عن التّغنّي بالعِزّةِ والمَجدِ والتّطلُّعِ للحرّيّةِ والانعتاق، والشّمسُ رمزٌ للحُرّيّة، والطّفولةُ رمزٌ للبراءة. (لِتَسْتَوِيَ عَدْلًا عَلى جُزُرِ النُّورِ!): كنايةً عن التّحرُّرِ والانعتاقِ، فللنُّورِ جُزُرٌ، ومَطلَبُ الحُرّيّةِ والانعتاقِ عدلٌ. وبالنّظرِ إلى الشّكلِ والمضمونِ في قصيدةِ شاعرتِنا، يتبيّنُ لنا أنّ الشّكلَ لا يَظهرُ إلّا مِن خلالِ المَضمون، والمضمونُ لا نَفهمُهُ إلّا مِن خلالِ الشّكل، فهُما مُتّحِدانِ مُندَغِمان.

و(يَتّفقُ يوسف الخال مع غيرِهِ مِنَ الرّوّاد على أنّ الشّكلَ تابِعٌ للمضمون وناجِمٌ عنه، فالشّعرُ الحديثُ ليسَ مُجرّدَ شكلٍ، بل مضمونًا جديدًا أيضًا، نابعًا مِن تجربةِ الشّاعر وفرادةِ شخصيّتِهِ، مِن خِلالِ رُؤيتِهِ للعالم، والشّكلُ هنا ليسَ مُنفصِلًا عن المضمون، بل هُما يَنمُوانِ في القصيدة معًا عندَ يوسف الخال، فهو يَقولُ: "ينمو مَبنى القصيدةِ الخارجيّ والمَعنى الدّاخليّ واحدًا، بمعنى؛ ولادتهما في عمليّة الخلق معًا"(14).

وصفوةُ القوْلِ أنّ غرَضَ المقطوعةِ يَندرجُ في الشّعرِ الوطنيّ، وهو مِنَ الأغراض الشّعريّةِ الحديثة الّتي نتجَتْ عن تعرُّضِ بعض البلدان العربيّةِ للاستعمار الأوروبيّ، واستطاعتْ شاعرتُنا بنَصِّها أن ترتفعَ إلى مستوى الأحداث، وتُواكبَ نكبةَ فلسطين وما تَلاها مِن جِسام، وأخذَتْ تدعو للتّحرُّرِ والانعتاقِ مِن ربقةِ الذّلِّ والعبوديّة، ونصُّها يقومُ على تجربةٍ مزدَوجةٍ، وهذا النّصُّ يُصَوِّرُ مدى حبِّ شاعرتِنا لوطنِها، وتعلُّقِها بهِ تعلُّقًا يتجاوزُ الارتباطَ المَكانيِّ إلى التّرابطِ الزّمانيّ، فالوطنُ مُقدّسٌ، يبلغُ مرتبةَ القُدسِيّة، وهذا النّصُّ يُعتبَرُ سِجِلًّا تاريخيًّا، يُصوِّرُ بعضَ الأحداثِ المُهمّةِ والوقائع، وجديرٌ بالحياة. 

 

الهوامش:

  1. فستان زفافك اعشوشب كفنا، ديوان رحلة إلى عنوان مفقود، آمال عوّاد رضوان ص 32 – 36 ، دارِ الوسط اليوم للإعلامِ والنّشرِ، رام الله.
  2. وعـــي الحــداثــة (دراسات جمالية في الحداثة الشعرية)، د. ســعد الـدين كـليب  ص 2، دراسة- من منشورات اتحاد الكتاب العرب- 1997
  3. مجلة الآداب ع 8 ـ آب 1965 ( ص 15 )
  4. زمن الشعر: أدونيس ( ص 278 ) دار العودة، بيروت، ط2، 1978
  5. الصورة الشاعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، الولي بن محمد، المركز الثقافي العربي، ط1، 1990، بيروت.
  6. لسان العرب، ابن منظور ص675 /ج1، دار الحديث، القاهرة، 2002
  7. الشعر رفيقي، أحمد عبد المعطي حجازي، ص 97، دار المريخ، الرياض 1988
  8. الشعر العربي المعاصر- قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، عز الدين إسماعيل، ص 174، دار الثقافة، بيروت، ط 1
  9. أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق محمود شاكر أبو فهر، ص 32 - 33 مكتبة الخانجي 1991، القاهرة.
  10. موسيقى الشعر العربي قضايا ومشكلات، مدحت الجيار، ص 24، دار المعارف، مصر ط1 1995
  11. ﺍﻟﺸﻌﺭ ﺍﻟﻌﺭﺒﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺼﺭ: ﻗﻀﺎﻴﺎﻩ ﻭﻅﻭﺍﻫﺭﻩ، ﻋﺯ ﺍﻟﻴﻥ ﺍﺴﻤﺎﻋﻴل، ﺩﺍﺭ ﺍﻟﻌﻭﺩﺓ ﻭﺩﺍﺭ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ، ﺒﻴﺭﻭﺕ، 195ﺹ، 1972.
  12. لسان العرب، ابن منظور ص677 /ج1، دار الحديث، القاهرة

مفهوم الشعر عند رواد الشعر الحر، د. فالح علاق ص 211، 2002، اتحاد كتاب العرب.

  1. مفهوم الشعر عند رواد الشعر العربي الحر، د. فالح علاق ص192، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2005

فضاءُ الّلغةِ في شِعرِ آمال عوّاد رضوان من خلال مقطوعتها

"نَقْشٌ في عَتْمَةٍ حَافِيَةٍ"

عَلى

شُطُورِ الْهُوَيْنا رَكَضْتِ.. رَقَصْتِ

بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ زَيَّنْتِ جِيدي

وَمَزنْتِ بِتَفاصيلِ فَرائِضِكِ دُوني!

رَغْوَةُ نَداكِ الْمُمَلَّحَةُ

جَ فْ فَ تْ/ عَلى نَسْغِ قَلْبي النَّازِفِ

فتَكَمَّشتْ بُطُونُ أَيائِلي بَيْنَ هاوِيَتَيْنِ!

غاباتُ هَجْرِكِ سافِرَةُ النِّيرانِ أَزْهَرَتْني تَباريحَ ظَمَأٍ

عَلى بُورِ فُؤادٍ اعْشَوْشَبَ بِغِيابِكِ

وَما كانَ مِنْ مُتَّسَعٍ لِأَلَمي الْمُخْمَلِيِّ.

مِنْ أَرْضِ الرَّحيلِ الْبَعيدِ عُدْتُ سُنُونُوَّةً؛

أَنْبَتَتْها عَتْمَةُ مَسافاتٍ مُتَأَرْجِحَةٍ

فوْقَ ظَمَأِ الصَّدَى الْمُعَتَّقِ في شِباكِ الْعَناكِبِ!

رَنَّتْ أَزْهارُ عَوْدَةِ الشَّحاريرِ تسْتَنْدي طَلَّكِ الأَيُّوبِيَّ

تَسْتَسْقي قُبَّتَكِ النَّبيذِيَّة:

اِمْنَحيني حصَّةً مِنْ مُزْنٍ مُضيءٍ/ يَسْتَحِمُّ بِهِ سَوْسَني

لأَتَمَدَّدَ حُلُمًا/ فِي أَعْشاشِ صَوامِعِكِ!

أيا خِبْءَ سَمائِي وَأَرْضي

شَقاوَتُكِ الضَّامِرَةُ.. ضارِيَةٌ بَراعِمُهَا

تَ سُ و قُ نِ ي/ إلَيْكِ يا ابْنَةَ خابِيَتي

إِلى اخْضِرارِ خِريفٍ مُفَخَّخٍ بِالْهَذَيان

وَلا تَفْتَأُ تَنْقُشُ عَتْمَتي الْحافِيَةَ

فِتْنَةً خافيةً عَلى خَوابيكِ الآمالِ.

يَمامَةَ قَزٍّ اسْتَكَنْتِ بَيْنَ أَحْضانِ تُوتي

تَلْتَهِمينَ أَوْراقَ نُوري الْغافي

تُشَرْنِقينَني عَناقيدَ حَياةٍ/ تَدَلَّتْ وَشْمَ ضَبابٍ في مَنْفى تَكْويني!

تَسامَيْتِ عِطْرَ ضَوْءٍ وَحْشِيٍّ / فِي ثُقُوبِ مَدايَ الْمُلْتَهِبَة

وَما فَتِئْتِ أُسْطُورَةَ حُلُمٍ

تَسْتَوينَ عَلى تَكايا رِمْشي في رِياضِ التَّمَنِّي!

إِلامَ أَطْيافُ عَصافيري تَدْبَغُهَا قُرْمُزِيَّةُ حَلَقاتِكِ

عَلى ارْتِدادِ آهاتي الصَّامِتَة؟

خُيُولُ جِنّي الْفاتِنَةُ/ تَرْمُقُ كَمالَ خَطايايَ في كاتِدْرائِيَّاتِ غُمُوضِكِ

وَلَمَّا أَزَلْ أَرْسمُني احْتِيالَ مَغْفِرَةٍ تُهَدْهِدُني

عَلى حَواشي هَيْكَلِكِ الْمَسْحُورِ!

عَبَدَةٌ مُزَيَّفُونَ/ يَسُوسُونَ دَمي بِأَحْذِيَةٍ مَجْرُوحَةٍ

وَبِأَسْمَالٍ عُشْبِيَّةٍ يَتَقَرَّبُونَ اغْتِفارًا/ عَلى عَتَباتِ عِتابكِ الْمُقَدَّسَةِ!

تَسْقُطُ سَراويلُهُم الْمَثْقُوبَةُ عَلى قِمَمِ الاحْتِضارِ

وَفي قَيْلُولَةِ الاجْتِرارِ تُرْغي أَسْماؤُهُمُ الْمُخْمَلِيَّةُ

وَلا تَنْفَكُّ سَماواتُكِ تُرْضِعُهُم أَمْطارَ طُهْرِكِ الرَّؤُوم؟!

يَا ابْنَةَ النُّورِ الْمُوغِلَةَ فِي النَّارِ

فَدَتْكِ أَجْنِحَةُ الرَّحْمَةِ أَبَدِيّةَ الرَّجاءِ!

ها ثَمِلَةً.. / تَغْفُو قَنادِيلُ الرُّعَاةِ عَلى حُفُوفِ مَراعيكِ

ها مُنْهَكَةً.. / تَسْهُو تَرانيمُ الدُّعاةِ عَلى كُفُوفِ يَراعِكِ

وَسُجُودًا مَشْطُورًا تَنُوسُ مَلكاتُ الْكَلِماتِ الْعَذْراءِ

تَتَوَسَّدُ ابْتِهالاتِ خُشُوعٍ!

أَتُضيئينَني مُسْتَحيلًا شَهِيًّا فِي طَوابينِ الْوَرَق؟

أَلا يَتَبَرْعَمُ بِكِ غَدي.. وَأَتَوَرَّق وَطَنا؟!

رَبَواتُ مَلائِكَةٍ.. / تَجْثُو مُتَلَعْثِمَةً فِي خِبائِكِ السَّماوِيِّ

وَعَلى أَفْنانِ لِسانِ سَلْمٍ / يَتَلَجْلَجُ بِثِمارِ الصَّلَواتِ

تَنْدَلِعُ فاكِهَةُ سَمائِكِ

تَسْتَفِيقُ في نَداهَا عَرائِسُ جَنَّتي تَبْتَهِلُ:

الْمَجْدُ لِطُولِ أَناتِك يا ثَدْيًا أَرْضَعَني أَناك

ثانيًا: التّحليلُ الأدبيّ: العنوانُ يَتكوَّنُ مِن خبرٍ مرفوعٍ لمبتدأ محذوفٍ تقديرُهُ "هذا"، ومِن جارٍّ ومَجرورٍ "في عتمةِ"، في مَحلِّ رفع نعت، ونعت مجرور "حافية"، والعنوانُ حافلٌ بالانزياحِ المُتمثّلِ في الحذف، فقد حُذِفَ المبتدأ، وحُذِفَ المُضافُ، والتّقديرُ: "هذا نقشٌ في مَكانِ عتمةٍ حافيةٍ"، وهناكَ انزياحٌ إضافيٌّ يَتمثّلُ في المفاجأةِ الّتي يُنتِجُها حصولُ الّلامنتظَرُ مِن خلالِ المُنتظَرِ؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مضافًا إليهِ يَتلاءَمُ والمُضاف، كأنْ يَتوقّعُ بَعدَ كلمةِ "عتمة" وجودَ مُضافٍ إليهِ مَعقول، مثل كلمةِ "مُظلِمة"، لكنّهُ يَتفاجَأُ بوجودِ كلمةِ "حافية"، وهكذا يُصبحُ لدينا انزياحٌ إضافيٌّ شِعريٌّ بحت، وجَماليّةٌ في الأسلوب.

"نقشٌ" وجمْعُها "نقوش" والمصدر: نَقْش، ومعناها ما أثّرَ في الأرض، أو ما نُقِشَ على الشّيءِ مِن صورٍ وألوان. ومِن خلالِ العنوان، نُدركُ أنّ الأحداثَ كما النّقش، لها أثَرُها البارزُ، تجري في جوٍّ قاتمٍ مَليءٍ بالعقباتِ والأخطارِ والعداواتِ، وﻤِن خلالِ لغةِ شاعرتِنا آمال، نُلاحظُ مدى التّجاوزِ الّذي تُحْدِثُهُ مَجازاتُها وتكثيفُها في الّلغةِ الشّعريّةِ، فعبْرَ المَسافةِ الّتي تَخلِقُها الّلغةُ بينَ المدلولِ الحقيقيِّ والمَدلولِ المّجازيّ، يتأسّسُ الفضاءُ الّلغويّ-الدّلالي، ولم يَكنِ اختيارُ شاعرتِنا للعنوانِ اعتباطيًّا، بل عن وعيٍ ودرايةٍ، فالعنوانُ "نظامٌ دلاليٌّ رامزٌ لهُ بُنيتُهُ السّطحيّةُ، ومُستواهُ العميقُ مِثلهُ مثل النّصِّ تمامًا"(2)، مِن حيث إنّه حمولةٌ مُكثّفةٌ مِنَ الإشاراتِ والشّيفراتِ، الّتي إن اكتشفَها القارئُ وجَدَها تَطغى على النّصِّ كُلِّهِ، فيكونُ العنوانُ مع صِغَرِ حجْمِهِ نَصًّا مُوازيًا (Paratexte)، ونوْعًا مِن أنواع التّعالي النّصّيّ (Transtextualité)، الّذي يُحدِّدُ مَسارَ القراءةِ الّتي يُمكنُ لها أن "تبدأ من الرّؤيةِ الأولى للكتاب" (3)، أو النّصّ.

وتقول: عَلى/ شُطُورِ الْهُوَيْنا رَكَضْتِ.. رَقَصْتِ/ بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ زَيَّنْتِ جِيدي/ وَمَزنْتِ بِتَفاصِيلِ فَرائِضِكِ دُوني! رَغْوَةُ نَداكِ الْمُمَلَّحَةُ/ جَ فْ فَ تْ/ عَلى نَسْغِ قَلْبي النَّازِفِ/ فتَكَمَّشتْ بُطُونُ أَيائِلي بَيْنَ هاوِيَتَيْنِ! صورةُ الضّحيّةُ- وهو مِنَ القتلِ البَطيءِ كما  يَجري في أفلام الكاوبوي– حيثُ يَتِمُّ ربْطُ يَدَيْ ورِجْلَي الضّحيّة، ووضْعِ جلدةٍ رطبةٍ على عُنقِهِ، وترْكِهِ في الصّحراءِ تحتَ أشعّةِ الشّمسِ المُلتهِبة، إلى أنْ تبدأ تجفُّ الجلدةُ على عُنقِهِ وتَضيقُ؛ ليموتَ اختناقًا وببطءٍ، إلّا إذا مَرّ أحدُهُم بهِ وأنقذَهُ، وهكذا يَحصلُ معَ مَنْ تُخاطبُهُ الشّاعرةُ، وهو الوطنُ الذّبيحُ.

(عَلى/ شُطُورِ الْهُوَينا رَكَضْتِ/ رَقَصْتِ): هكذا يحصلُ للوطن كما حصَلَ معَ الحبشيِّ الذّبيحِ الّذي صوّرَهُ لنا الشّاعرُ إبراهيم طوقان: قالوا: حلاوةُ روحِهِ رقصَتْ بهِ/ فأجبْتُهم: ما كلُّ رَقْصٍ يُطربُ! في السّطريْنِ نلحَظُ الانزياحَ التّركيبيَّ، وهو مُخالفةُ التّراتبيّةِ المَألوفةِ في النّظام الجُمَليّ، مِن خِلالِ بعضِ الانزياحاتِ المَسموحِ في الإطارِ اللّغويّ، كالتّقديم والتّأخيرِ في بعضِ بُنى النّصّ، كتقديمِ الخبَرِ على مُبتدئِهِ. وهذا أبلغُ وأوضحُ في تأكيدِ أهمّيّةِ المُتقدّمِ وأعمَقُ دلالةً، فقد قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملة "على شطور الهُوينا" وحقُّها التّأخير، على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعل "ركضتِ" وحقُّهُما التّقديم، وهذا في العادةِ ما يَشمَلُ النّصوصَ ذاتَ البُعدِ السّياسيّ، لتؤكّدَ الشّاعرةُ رحلةَ عذابِ الوطن الطويلةَ والبطيئةَ في سبْرِها.

"ركضتِ... رقصتِ": فعلانِ ماضيانِ، وفيهما انزياحٌ بالفصل، حيثُ حَذفتِ الشّاعرةُ حرفَ الرّبْطِ بينَهما، وهذا أبلغُ وأجمَلُ، وجاءا على نفسِ الوزنِ، وحروفُهُما يَدلّانِ على الحركةِ والاضطرابِ، كاضطرابِ الوطنِ تمامًا، علاوةً على توحُّدِهِما في بعض الصّوامتِ، وقد تَشابَها في تِكرارِ كلٍّ منهما بأصوات: الصّوائت جميعها، كما جمعَتْ بينَهُما صوامتُ كلٍّ مِن: الراء والكاف والتّاء. وَيُعَدُّ التّكرارُ أَحَدَ المنابعِ الّتي تنبعُ منها الموسيقى الشّعريّةِ، والموسيقى الدّاخليّة تنشأ مِنَ انسجامِ الحُروفِ أوّلًا، واتّساقِ الألفاظِ ثانيًا، وهي ترتبطُ بالتّأثيراتِ العاطفيّةِ للشّاعرة، وذلك لأنّ للجانبِ الصّوتيّ أثرًا واضحًا في الكشفِ عن أحاسيسِ الشّاعرة وانفعالاتِها ومشاعرِها، فالدّلالةُ تَنشـأُ مِن تَلاقي بعضِ المَقاطعِ والحُروفِ في السّياقِ كلِّهِ، أو في العبارةِ الواحدةِ، عندئذ يُمكنُ للأصواتِ أنْ تُشيعَ في النّفسِ إحساسًا عاطفيًّا مُعيّنًا، فليسَ هناكَ مَقاطعُ أو حروفٌ يمكنُ أن تَتّصفَ في ذاتِها بإحساسِ الحزنِ أو الفرح، وإنّما الّذي يُحَدّدُ العلاقةَ بينَ أصواتِ المَقاطعِ والحُروف وبينَ إحساسٍ مُعيّنٍ، هو النّغمُ النّاشئُ مِن جُملةٍ كاملةٍ، ذلكَ أنّ الانفعالَ في داخلِ أيِّ عملٍ أدبيٍّ، لا يُمكنُ تَحقيقُهُ مِن لفظةٍ مُفرَدةٍ، إنّه يَتحقّقُ مِن تَداخُلِ الكلماتِ صوتًا وإحساسًا". فالموسيقى الدّاخليّةُ لا تَتحقّقُ مِن خلالِ الّلفظِ المُفردِ، وإنّما مِن خلالِ ورودِهِ في سِياقٍ مُتكامِلٍ.

(بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ زَيَّنْتِ جيدي): فالجلدةُ هي الجلدةُ الّتي تُوضَعُ حولَ رقبةِ الضّحيّةِ لخنْقِهِ، كنايةً عن الموْتِ البطيءِ، وفي الجُملةِ تَقديمُ شِبهِ الجُملة "بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ"، على كلٍّ مِنَ الفِعل والفاعل والمفعول بهِ " زَيَّنْتِ جِيدِي"، وقدْ أوضحْتُ آنِفًا هذا النوعَ مِنَ الانزياحِ، وفي عبارةِ "بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ" انزياحٌ إضافيٌّ يُكسِبُ الأسلوبَ جَماليّةً وروْنقًا، فلِلطّيْفِ جلدةٌ، وفيهِ رطوبةٌ، ولقد ذَكَرَتِ الشّاعرةُ "الجِيدَ" وهو الجزء، وأرادتْ بهِ الكُلَّ، مَجاز مرسل علاقته الجزئية.

(وَمَزنْتِ بِتَفاصيلِ فَرائِضِكِ دُوني!): كنايةً عن تَحَمُّلِ الوطنِ وحدَهُ كافّةَ الأعباءِ، وفي عبارةِ "بِتَفاصيلِ فَرائِضِكِ" انزياحٌ إضافيٌّ، والوطنُ يَمشي ويَمضي مُسرِعًا، ولهُ فرائضُ مُفصّلةٌ، وكُلُّها استعاراتٌ مُتزاحِمةٌ مُتلاحِقةٌ عذبة.

(رَغْوَةُ نَداكِ الْمُمَلَّحَةُ/جَ فْ فَ تْ): كنايةً عن سَلخِ الوطنِ وضَياعِهِ، وللنّدى رغوةٌ مُمَلّحةٌ تَجفُّ، والشّاعرةُ كتبَتْ كلمةَ "جفّتْ" مُتقطِّعةً أفقيًّا؛ لتُقْرَأَ بتأَنٍّ وببُطْءٍ، تمامًا كبُطْءِ إتمامِ عمليّةِ التّجفيفِ وطولِ أمدِ التّعذيب.

(عَلَى نَسْغِ قَلْبي النَّازِفِ): كنايةً عن تألُّمِ الشّاعرةِ وفَجيعتِها بما يَحصُلُ للوطنِ، والقلبُ يَنزفُ ألمًا، مثلما يَنزفُ الماءُ مِن جذعِ شجرةٍ، يُقطَع ويُفصَلُ عن أُمِّهِ، ويَشغَلُ فضاءُ المعنى في قصيدتِنا، حيِّزًا جَماليًّا مِن فضاءِ الكتابةِ الشّعريّةِ المُتّصلةِ بالتّشكيلِ الفنّيّ، فضاءٌ جَماليٌّ ولُغويٌّ بامتيازٍ، وهو مُوزّعٌ بينَ الخَيالِ الّذي يَستدعي الّلغةَ وتشكيلاتِها المُختلفةَ، وتوْظيفَها توظيفًا جديدًا يَحملُ مَفاهيمَ واسعةً وعميقةً ودقيقة.

(فتَكَمَّشتْ بُطُونُ أَيائِلي بَيْنَ هاوِيَتَيْنِ!): كنايةً عن أنّ الشّاعرةَ قد ألمَّتْ بها نكبةُ عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، والنّكسة عام ألف وتسعمائة وسبعة وستّين، والأيائلُ رمزٌ للجَمالِ والطّبيعةِ العذبةِ، وأطفالِ فلسطين.

وها هي الشّاعرةُ الّتي ظننّا بأنّها قد وصَلتْ مَعنويّاتُها إلى الدّركِ الأسفلِ وضَعُفتْ، ها هي تعودُ بكاملِ قوّتِها ومَعنويّاتِها، تعودُ بكاملِ أحاسيسِها ونبْضِها للوطنِ الذّبيحِ، تعودُ كعوْدةِ طائرِ السّنونو الّذي يُحَلّقُ جماعاتٍ وأسرابًا يقودُها قائدٌ واحدٌ حكيمٌ، تلتزمُ جميعُها بقيادَتِهِ، في صفوفٍ مُرتّبةٍ لا تَخرجُ الواحدةُ منها عن سِربِها لتَصِلَ لغاياتِها، وتندمِغُ شاعرتُنا معَ وطنِها، تَعزفُ أعذبَ الألحانِ وأجمَلَ الأصواتِ شِعرًا كما الشّحرور، تعودُ وهي تستندي أعذبَ الطّلّ، ألا وهو طلَّ الانتصاراتِ الّتي جسَّدَها صلاحُ الدّين الأيّوبي، وصبْرُ النّبيّ أيّوب– عليهِ السلام.   

(غاباتُ هَجْرِكِ سافِرَةُ النِّيرانِ أَزْهَرَتْني تَبارِيحَ ظَمَأٍ): كنايةً عن حنينِ الشّاعرةِ للوطنِ المُغتصَبِ المُجزّأ، فهنا صُوَرٌ جزئيّةٌ تَتلاحَقُ وتتتابَعُ؛ لتُشكِّلَ في مَجموعِها صورةً كلّيّةً قوامُها الاستعاراتِ، فغاباتُ هجْرِ الشّاعرةِ للوطنِ المُشتعِلَةُ بالنّيران، تُزهِرُ ظمأَ ينابيعِ الشّاعرةِ المُتدفِّقةِ شوقًا وتحنانًا، فلهَجْرِ الوطنِ غاباتٌ تَشتعِلُ، وللظّمأ تباريحُ مِن وجْدٍ وحَنانٍ تُزهِرُ كما الشّجر.

(عَلى بُورِ فُؤادٍ اعْشَوْشَبَ بِغِيابِكِ): كنايةً عن خُلوِّ قلبِ الشّاعرةِ، إلّا مِنَ التّحنانِ للوطن. 

(وَما كانَ مِنْ مُتَّسَعٍ لِأَلَمي الْمُخْمَلِيِّ): كنايةً عن فيْضِ قلبِ الشّاعرةِ بالآلامِ والأحزانِ، فلِلآلامِ حيِّزٌ ومُتّسَعٌ، ولها مَلمَسٌ مُخمَليٌّ.

(مِنْ أَرْضِ الرَّحيلِ الْبَعيدِ عُدْتُ سُنُونُوَّةً؛/ أَنْبَتَتْها عَتْمَةُ مَسافاتٍ مُتَأَرْجِحَةٍ): كنايةً عن عودةِ الشاعرةِ بثِقلِها، لتَحمِلَ همومَ الوطنِ، كعوْدةِ طائرِ السّنونو لوطنِهِ، وفي السّطرِ الأوّلِ انزياحٌ تركيبيٌّ، فقد قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملة "مِنْ أَرْضِ الرَّحيلِ"، وحقُّها التّأخير، على كلٍّ مِنَ الفِعل والفاعل "عُدْتُ"، وحقُّهُما التّقديم، لِما للمقدَّم مِن أهمّيّةٍ وجَماليّةٍ في الأسلوبِ، وتتزاحمُ الانزياحاتُ، كما في عبارةِ "أَنْبَتَتْها عَتْمَةُ مَسافاتٍ مُتَأَرْجِحَةٍ": وهنا انزياحٌ إضافيٌّ يَتمثّلُ في المُفاجأةِ الّتي يُنتِجُها حصولُ الّلامُنتظَرِ مِن خِلالِ المُنتظَر؛ أي أنْ يَتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليهِ يَتلاءمُ والمُضاف. كأن يَتوقّعُ بعدَ كلمةِ "عتمة" وجودَ مُضافٍ إليه معقول، مثلَ كلمةِ "مظلمة"، لكنّهُ يَتفاجأُ بوجودِ كلمةِ "مسافات"، وكذلكَ بعدَ كلمةِ الموصوف "مسافات"، يتوقّعُ المُتلقّي وجودَ كلمةٍ مُناسبةٍ له، لكنّه يَتفاجَأُ بوجودِ كلمةِ الصّفةِ "مُتَأَرْجِحَةٍ". 

وهكذا يُصبحُ لدينا أكثرُ مِنَ انزياحٍ إضافيٍّ شِعريٍّ خالِصٍ، وجَماليّةٌ في الأسلوب، "فالأسلوبُ بهذا المَعنى تَوَتُّرٌ دائمٌ بينَ لذّاتِ التّلقّي وخيبةِ الانتظارِ لدى المُتلقّي"(4)، وهذا التّوتّرُ الدّائمُ هو جوهرُ العمليّةِ الأسلوبيّةِ، أو ما عبّرَ عنهُ ريفاتير بعنصرِ المُفاجأةِ، الّذي يُمكنُ أنْ نُؤصِّلَ لهُ بالعودةِ إلى ياكبسون، الّذي قرّرَ بأنّ المفاجأةَ الأسلوبيّةَ هي "توليدٌ الّلامُنتظَرِ مِن خلالِ المُنتظَر"(5). والسّنونو رمزٌ للجَمالِ والحُرّيّةِ والانطلاق.

(فوْقَ ظَمَأِ الصَّدَى الْمُعَتَّقِ في شِباكِ الْعَناكِبِ!): كنايةً عن شِدّةِ حنينِ الشّاعرةِ وحُبِّها لوطنِها، وهنا تَرادُفٌ بينَ كلمَتَيْ: "الظمأ" و"الصّدى"، فللصّدى ظمأٌ مُعتّقٌ، وللعناكبِ شِباكٌ، والعَناكبُ تَرمزُ للوطنِ الّذي هُجِّرَ منهُ أهلُهُ، وفي عبارة "شِبَاكِ الْعَنَاكِبِ" حذْفٌ، فقد حَذفَتِ الشّاعرةُ المُضافَ وأبقتِ المُضافَ إليه؛ ليدُلَّ عليهِ والتّقدير: "في شِباكِ بيوتِ العَناكب".

(رَنَّتْ أَزْهارُ عَوْدَةِ الشَّحاريرِ تسْتَنْدي طَلَّكِ الأَيُّوبِيَّ/ تَسْتَسْقي قُبَّتَكِ النَّبيذِيَّة(:: الشّحاريرُ رمزٌ للأصواتِ الجميلةِ، كنايةً عن عودةِ الأصواتِ المُطالِبةِ والمُتغنّيةِ بالعودةِ الحقيقيّةِ للوطن، تلبيةً لحاجاتِهِ النّفسيّةِ والرّوحيّةِ ومُتعتِها الوجدانيّة، فأزهارُ عودةِ الشّحاريرِ تتطلّعُ وتَطلبُ الطّلَّ الأيّوبيَّ وعِزّتَهُ، وانتصاراتِهِ وصبْرَهُ على البلوى، والأيّوبيُّ نسبةً لصلاحِ الدّين الأيّوبيّ، ونسبةً للنّبيّ أيّوب الّذي ابتلاهُ ربَّهُ في جسَدِهِ وصَبَرَ، وتَطلُبُ القببَ النّبيذيّةَ تجلّيًا، والقببُ رمزٌ للمَساجدِ والكنائسِ، وهنا مَكمَنُ جَمالِ الاستعارةِ، الّذي يتمثّلُ في التّشخيصِ والتّجسيمِ والتّصويرِ وبَثِّ الحياةِ في الجّماداتِ.

(اِمْنَحيني حصَّةً مِنْ مُزْنٍ مُضيءٍ يَسْتَحِمُّ بِهِ سَوْسَني/ لأَتَمَدَّدَ حُلُمًا/ في أَعْشاشِ صَوامِعِكِ!): الشّاعرةُ استهلّتْ مقطوعتَها بالأسلوبِ الخبَريّ؛ تأكيدًا لذاتِها وصَوْنًا لروحِها مِنَ الابتذالِ، ورِفعةً وتقديرًا لوطنِها، وتنتقلُ الآنَ للأسلوبِ الإنشائيِّ المُتمثِّلِ في الأمْرِ "اِمنحيني"؛ ليُفيدَ الالتماس. والمُزْنُ: السَّحابُ يَحمِلُ الماءَ، وفي التّنزيلِ العزيز: (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) الواقعة/69، و"المُزْنُ" مُفردتُها "مُزْنَة"، وحَبُّ المُزْن: البَرَدُ (6)، والمُزنُ رمزٌ للخيرِ والعطاءِ، والسّوسنُ رمزٌ للجَمال. وتُوظِّفُ شاعرتُنا آمال الرّمزَ؛ فهو أهمُّ التّقنيّاتِ الفنّيّةِ الّتي سخّرَتْها في شِعرِها، وأخذتْ تُشكّلُ علامةً فارقةً في تطوُّرِ التّجربةِ، بحيثُ أصبحَتْ ذاتَ رؤيا شموليّةٍ تَصِلُ الخاصَّ بالإنسانيِّ العامِّ والكوْنيّ، وتَربطُ الحاضرَ بالماضي، وصارتِ القصيدةُ بُنيةً مُركّبةً ودراميّةً، عميقةَ الدّلالةِ، شديدةَ الوحدةِ العضويّة، حينَ تُبنى على رمزٍ مِحوريٍّ يَدورُ حولَهُ النّصُّ؛ ما يُؤدّي إلى تحَوُّلِ الرّمزِ إلى بؤرةِ إشعاعٍ دلاليٍّ وإيحائيٍّ، يَتفاعلُ فيهِ الخاصُّ والعامُّ والكوْنيُّ، في نسيجِ وحدةٍ تفاعليّةٍ تَكامليّةٍ شديدِ الفاعليّةِ والتّأثيرِ، ولْنتتبّعِ الاستعاراتِ، وغالبيّتُها مُستجدّةٌ وجديدة: فالمُزنُ يُضيءُ، ويُقسَّمُ لحصصٍ، ويُمنَحُ كما الهديّة، والسّوسنُ يَستحِمُّ، والشّاعرةُ تتمدّدُ حلمًا في أعشاشٍ، وللصّوامعِ أعشاشٌ كما للطّيور. إنّ نسَقَ المفاجأةِ في الّلغةِ الشّعريّةِ وفضائِها عندَ شاعرتِنا، يتطابَقُ معَ نسَقِ المعنى المُباغِتِ، الّذي نشَأ ونما على امتدادِ نمُوِّ الفِعلِ الجّماليّ، الّذي يُشكّلُ حُلّةً جَماليّةً بديعةً، تُضفي على فضاءِ الّلغةِ فضاءاتٍ رحبةً، لتتولّدَ الّلغةُ الشّعريّةُ الخالِصةُ العذبة.

(أيا خِبْءَ سَمائِي وَأَرْضي): كنايةً عن قيمةِ الوطنِ وأهمّيّتِهِ، وشاعرتُنا لها باعٌ طويلٌ في الّلغةِ وإدراك مَعانيها ومَبانيها، تختارُ منها الّلفظةَ المُلائِمةَ، وتضعُها في المكانِ المُناسِبِ لها. ولْنطّلِعْ على بابِ "خبأ" في لسان العرب، حينَها سوفَ نُدركُ إلى ما ذهبتْ إليهِ، فالفروقُ بينَ مَعاني "خبأ" دقيقةٌ جدًّا. لقد استخدَمَتْ شاعرتُنا المَصدرَ، وهو "خبْ" بمعنى الخِدر والمرأة المستورة، كما استخدَمَتِ "الخابية" وجمْعُها "خوابيك" ومنهُ الخَابِيَةُ، إلّا أنّهُم تَركوا همْزَها، والخَبْءُ ما خبئ، وخبْءُ السّماءِ القطْرُ، وخبءُ الأرضِ النّباتُ، واخْتَبَأَ استَتَرَ، والشّاعرةُ مُتأثّرةٌ بقوْلِهِ تعالى: {الّذي يُخْرِج الخَبْءَ في السّمواتِ والأَرضِ}، الخَبْءُ الّذي في السّمواتِ هو المطَرُ، والخَبْءُ الّذي في الأَرضِ هو النَّباتُ(7)، وتسمّى هذهِ الظّاهرةُ بـ "التّناص". وترى جوليا كريستيفا: أنّ "كلَّ نصٍّ يتشكّلُ مِن تركيبةٍ فُسيفسائيّةٍ مِنَ الاستشهاداتِ، وكلُّ نصٍّ هو امتصاصٌ أو تحويلٌ لنصوصٍ أخرى"(8)، ونوْعُهُ تناصٌّ دينيٌّ، وهو نوْعٌ مِنَ الانزياحِ، يُثري الأدبَ ويَمُدُّهُ برَوافدَ جديدةٍ، فانتقلتْ لأسلوبِ الإنشاءِ، والنّداءُ هنا يُفيدُ التّحبُّبَ والتّقرُّبَ مِنَ الوطن.

(شَقاوَتُكِ الضَّامِرَةُ.. ضارِيَةٌ بَراعِمُها): البراعمُ كنايةً عن الأطفالِ الّذينَ تسَرّبوا مِن طفولتِهم ومَدارسِهم، وعاشوا الشّقاءَ ومسؤوليّةَ الحياةِ بخريفِها، فالبَراعمُ وصَلتِ الخريفَ قبلَ الأوان، فللشقاوةِ ضمورٌ، ولها براعمُ كما الشّجرة.

(تَ سُ و قُ نِ ي): وهنا تلجَأُ الشّاعرةُ لتفكيكِ صَوامتِ الكلمةِ؛ لتُقرَأَ على مَهلٍ، وبينَ كلِّ صامتٍ وآخرَ وقفةٌ، كما تستوقفُ فلسطينُ الشّاعرة. "إنّ الشّاعرَ الحقَّ المُكوّنَ تكوينًا لغويًّا وثقافيًّا ناضجًا، لا يتلقّى الّلغةَ كمادّةٍ يتصرّفُ فيها وكأنّها مُعطاةٌ مِن قبْلُ، بل إنّهُ هو الّذي يبدأ يَجعلُها ممكنةً؛ لأنّهُ أميرُ الكلامِ، وإمارتُهُ هذهِ ناجمةٌ عن امتلاكِهِ ناصيةَ لغتِهِ، وتَمَثُّلِهِ لأسرارِها ولطاقاتِها التّعبيريّةِ بفِعلِ الدّربةِ المُؤازِرةِ للطّبع، فالطّبعُ مُجرّدُ طاقةٍ كامنةٍ تتجلّى في شكلِ تهيُّؤٍ للإبداع، وتبقى هذهِ القدرةُ مُستترةً ما لمْ تُسعفْها الدّربةُ، الّتي تُمكّنُ الشّاعرَ مِنَ النّفاذِ إلى القوانينِ التّوليديّة، الّتي يَنهَضُ عليها الخطابُ الشّعريُّ، وإذا كانَ الطّبعُ يُمكِّنُ الشّاعرَ مِنَ التّهيُّؤِ للنّفاذِ إلى ما في صُلبِ النّظامِ الُّلغويِّ مِن قوانينَ، فإنّ الدّربةَ هي الّتي تضعُ الطّبعَ على عتباتِ تلكَ القوانين(9). (إلَيْكِ يا ابْنَةَ خابِيَتي): وهنا تُوظِّفُ الشّاعرةُ أسلوبَ النّداءِ، للتحبُّبِ والتّقرُّبِ للقدسِ وبيتَ لحم وما فيهِما مِن قُدسيّةٍ، حيثُ المسجدُ الأقصى، وقبّةُ الصّخرةِ، وكنيسةُ القيامةِ في القدس، وكنيسةُ المَهْدِ في بيتَ لحم، وتُرَمِّز الشّاعرةُ بـ "ابنةَ خابيتي" عن القدس وما يُجاورُها جنوبًا، ألا وهي مدينةُ السّيّد المسيح- عليه السلام.

(إِلى اخْضِرارِ خَريفٍ مُفَخَّخٍ بِالْهَذَيانِ): الخريفُ رمزٌ للجَفافِ كما الاحتلالُ تمامًا، واخضرارُهُ يَرمزُ لسَريانِ الأملِ في النّفوسِ بإمكانِ زوالِهِ، وفي عبارةِ (يَا ابْنَةَ خابِيَتي) انزياحٌ إضافيٌّ، يتمثّلُ في المفاجأةِ الّتي يُنتِجُها حصولُ اللّامُنتظَرِ مِن خِلالِ المُنتظَر؛ أي أنْ يتوقّعَ المُتلقّي مُضافًا إليهِ يتلاءمُ والمُضاف، كأنْ يتوقّعُ بعْدَ كلمةِ "ابنة" وجودَ مُضافٍ إليهِ معقول، مثل كلمة "أخي" مثلًا، لكنّهُ يَتفاجَأُ بوجودِ كلمةِ "خابيَتي"، واخضرارُ الخريفِ مُفخّخٌ بما يَحصُلُ في فلسطينَ مِن قتْلٍ وأسْرٍ وتشريدٍ وامتهانِ كرامةٍ بفِعلِ الاحتلالِ، فالخَريفُ يَخضَرُّ، والهذيانُ يُفخَّخُ؛ استعاراتٌ عذبةٌ فيها مِنَ التّجسيمِ والتّشخيصِ والتّصوير ما يسحرُ الألبابَ.

(وَلا تَفْتَأُ تَنْقُشُ عَتْمَتي الْحافِيَةَ): وهو عنوانُ القصيدةِ، وقد اهتمّتْ بهِ شاعرتُنا آمال، و"يُمثّلُ العنوانُ العبارةَ المفتاحيّةَ للنّصِّ، مهما كانَ النّوعُ الأدبيُّ، سواءً كانَ قصّةً أو شعرًا أو روايةً أو مقالةً، فالعنوانُ هو أوّلُ ما يُفاجِئُ القارئَ، وعليهِ فإمّا أن يَجذبَ القارئَ أو يُبعِدَهُ، أو يُبقِيَهُ على الحيادِ معَ نصٍّ قد يكونُ غنيًّا أو عاديًّا، إضافةً لِما في العنوانِ مِن دلالاتٍ مَعرفيّةٍ ذاتِ أبعادٍ مختلفةِ الأطياف، تَكشفُ عن ثقافةِ صاحبِ النّصّ، وغوْصِهِ في المَكنونِ الفِكريِّ الّذي يَستلهِمُهُ أو يَعيشُهُ أو يَنتظِرُهُ، مِنَ الماضي والمعاشِ إلى الحالةِ المُستقبليّة، لذا؛ أوْلَى النّقّادُ مسألةَ العنوانِ أهمّيّةً كبرى، وكانتْ لهُ مكانتُهُ في الدّراساتِ النّقديّةِ النّصّيّةِ(10). (فِتْنَةً خافيةً عَلى خَوابِيكِ الآمالِ): ورغمَ ما تمُرُّ بهِ المَدينتانِ المُقدّستانِ مِن مِحَنٍ، فلا زالَ في الأفقِ عَلَمُ الأمَلِ مُرفرِفًا ومُعلِنًا بقربِ الخلاص.

(يَمامَةَ قَزٍّ اسْتَكَنْتِ بَيْنَ أَحْضانِ تُوتي): وفي عبارةِ "يَمامَةَ قَزٍّ" انزياحٌ إضافيٌّ عذبٌ جميلٌ، وظّفتْهُ شاعرتُنا بحنكةٍ واقتدارٍ، ولتوضيحِ ذلك، علينا توضيحُ الرّمزِ في طائرِ اليمامِ، فهو يَرمزُ إلى الهدوءِ والسّكينةِ والأمْنِ والأمانِ، كما يَعشقُ الحُرّيّةَ بكلِّ ما تَعنيهِ الكلمةُ، فهو لا يَستأنسُ، ويَصعُبُ للغايةِ تَربيَتُهُ في أقفاصٍ، مثلما يَصعُبُ ترويضُ الشّعبِ الفلسطينيِّ وسجْنُهُ في كانتونات، ولا يَفترقُ زوْجُ اليَمامِ عن زوْجتِهِ، فهُما مُتلازمانِ وفِيّانِ، فإذا أصيبَتِ الزّوجةُ بعيارٍ ناريٍّ، لا يُفارقُها الزّوجُ، بينما إذا أصيبَ الزّوجُ، فتسرعُ أنثاهُ قافلةً إلى فِراخِها، لذلك نرى أنّ في العبارةِ انزياحٌ لهُ وظائفُ مَعنويّةٌ كثيرةٌ، إلى جانبِ وظيفتِهِ الأسلوبيّةِ، فالانزياحُ الإضافيُّ يتمثّلُ في المفاجأةِ الّتي يُنتِجُها حصولُ اللّامُنتظَرِ مِن خلالِ المُنتظَر؛ أي أنْ يَتوقّعَ المُتلقّي مضافًا إليهِ يَتلاءَمُ والمُضاف، كأنْ يتوقَعَ بعدَ كلمةِ "يمامة" وجودَ مُضافٍ إليهِ معقولٍ، مثلَ كلمةِ "سلام" مثلًا، لكنّهُ يَتفاجأ بوجودِ كلمةِ "قزٍّ"، فاستبدَلَتْ شاعرتُنا القَزَّ، وهو مَعنًى سامٍ بدودةٍ وهي أقلُّ سُمُوًّا، وهنا واءَمَتِ الشّاعرةُ بينَ الألفاظِ، فالقَزُّ يَحتاجُ للتّوتِ، تمامًا مثلَ المُواءمَةِ بينَ الشّاعرةِ والقدس، فللتّوتِ أحضانٌ كما للأمّهاتِ، فالقدسُ صوّرَتْها شاعرتُنا بيمامةِ قزٍّ، بدَلَ دودةِ قزٍّ بهَديلِها الحزين.

وفي ضوءِ ذلكَ كلِّهِ، يُمكِنُ أن نفهَمَ دعوةَ غير واحدٍ مِن نُقّادِ الحداثةِ الشّعريّةِ، إلى لغةٍ شِعريّةٍ مُتّزنةٍ أصيلةٍ مُخلِصةٍ للعربيّة، بقدْرِ إخلاصِها للخطابِ الشّعريِّ في المشهدِ الثّقافيّ. فعلى الشّاعرِ كما يَرى الدكتور وهب روميه: أن يَخلقَ علاقاتٍ لغويّةً جديدةً، دونَ أن يَخِلَّ بقوانينِ الّلغةِ وأنظمَتِها، وأنْ يُزلزلَ التّقاليدَ الأدبيّةَ أو يُعدّلَها وِفْقَ الحاجةِ.

وفي هذا الصّدد يقولُ الدّكتور نعيم اليافي، أنا معَ التّطوُّرِ والتّجديدِ والحداثةِ الشّعريّةِ إلى آخِرِ مدى، شريطةَ أنْ يَتمَّ ذلكَ ضِمنَ خصوصيّتي القوميّةِ، وتُراثي الثّقافيّ، ولغتي العربيّة. 

أمّا نازك الملائكة فتقولُ: نحنُ نرفضُ بقوّةٍ وصراحةٍ أن يُبيحَ الشّاعرُ لنفسِهِ أنْ يَلعَبَ بقواعدِ النّحوِ، إنّ كلَّ خروجٍ على القواعدِ المُعتبَرَةِ يُنقِصُ تعبيريّةَ الشِّعرِ(11)، وهذا النّهجُ الّلغويُّ سارتْ عليهِ شاعرتُنا آمال.

(تَلْتَهِمينَ أَوْراقَ نُوري الْغافي/ تُشَرْنِقينَني عَناقيدَ حَياةٍ): كنايةً عن أنّ القدسَ تغزلُ شرانقَ الحياةِ الحريريّةِ، والنّورُ رمزٌ للحُرّيّةِ والتّحرُّرِ، فللنّورِ أوراقٌ ويَغفو، وللحياةِ عناقيدُ تتشرنَقُ. (تَدَلَّتْ وَشْمَ ضَبابٍ فِي مَنْفى تَكْويني!): وعناقيدُ الحياةِ في القدسِ تدلّتْ وظهَرَتْ كما الوشمُ، لكنْ تَلُفُّهُ غيومٌ ضبابيّةٌ بفِعلِ الاحتلالِ، وقدْ حَذفَتِ الشّاعرةُ أداةَ التّشبيهِ وهذا أبلَغُ، وهنا تتزاحَمُ الاستعاراتُ العذبةُ بصورةٍ مُبتَكَرَةٍ جديدةٍ، فللحياةِ عناقيدُ كما للعِنبِ وتتدلّى، وتُوشِمُ كوشْمِ الإنسان، وتكوينُ الشّاعرةِ لهُ مَنفى.

(تَسامَيْتِ عِطْرَ ضَوْءٍ وَحْشِيٍّ في ثُقُوبِ مَدايَ الْمُلْتَهِبَة): لقد أجْرَتْ شاعرتُنا تبادُلًا بينَ مُعطياتِ الحَواسِّ، فأخضَعَتِ الضّوءَ الّذي يَخُضَعُ لحاسّةِ البَصرِ، أخضَعَتْهُ لحاسّةِ الشّمِّ "عطرَ ضوْءٍ"، على طريقةِ الرّمزيّينَ وهذا أبلَغُ، فالضّوءُ مُوحِشٌ، ومدى الشّاعرةِ مُلتَهِبٌ وَمَثقوبٌ، وعباراتٌ واستعاراتٌ تَلُفُّها غيماتُ حزنٍ بسببِ الاحتلالِ، بلُغةٍ تَجاوَزتْ فضاءَ المَعنى، وتَصرّفتْ بها شاعرتُنا، وهي تُحافِظُ على سلامةِ بنائِها.

(وَما فَتِئْتِ أُسْطُورَةَ حُلُمٍ/ تَسْتَوينَ عَلى تَكايا رِمْشي في رِياضِ التَّمَنِّي!): فالقدسُ وبيتُ لحمَ حُلمُ الشّاعرةِ الأسطوريُ، وفي عبارةِ "تَسْتَوينَ عَلى تَكايا رِمْشي" كنايةً عن تقديسِ الشاعرةِ للمدينتَيْنِ المُقدستَيْنِ، وهنا جُملةٌ مِن الانزياحاتِ، عِمادُ كُلٍّ منها الّلغةُ المُوحِيةُ، فلِلحُلمِ أسطورةٌ، ولرموشِ الشّاعرةِ تكايا كما للمُتصوِّفينَ، وللتّمنّي رياضٌ، فالشّاعرةُ تتمنّى حرّيّةَ فلسطينَ عامّة والمُقدَّساتِ خاصّةً.

(إِلامَ أَطْيافُ عَصافيري تَدْبَغُها قُرْمُزِيَّةُ حَلَقاتِكِ/ عَلى ارْتِدادِ آهاتي الصَّامِتَة؟): الشّاعرةُ تَنتقلُ للأسلوبِ الإنشائيّ، والاستفهامُ يُفيدُ التّعجُّبَ، والعصافيرُ رمزٌ للأطفالِ والنّاشئةِ الّذينَ يَطوفونَ في حلقاتِ التّمنّي والأحلامِ والصّلوات، ويُخاطِرونَ بأرواحِهِم في سبيلِ الوصولِ للمَسجدِ الأقصى وكنيسةِ القيامةِ والدّفاعِ عنهُما، "عَلى ارْتِدادِ آهاتي الصَّامِتَة": كنايةً عن التّفجُّعِ والتّوجُّعِ بسببِ تَصرُّفِ الاحتلال.

(خُيُولُ جِنّي الْفاتِنَةُ/ تَرْمُقُ كَمالَ خَطايايَ في كاتِدْرائِيَّاتِ غُمُوضِكِ): كنايةً عن إسراعِ الشّاعرةِ للمَدينتَيْنِ المُقدَّستَيْنِ وأماكنِ العبادةِ فيهِما مِنْ مَساجدَ وكنائسَ، وفي عبارةِ "خُيُولُ جِنّي" انزياحٌ إضافيٌّ، فللخطواتِ كَمالٌ وعيونٌ تَرمُقُ، وللمدينةِ غموضٌ، وقد ذَكرَتِ الشّاعرةُ الجزءَ "الكاتدرائيّات"، وأرادتِ الكُلَّ "المَدينتَيْنِ أو فلسطين"، مجاز مرسل علاقته الجزئية. لغةٌ رصينةٌ لا تَخرجُ عن أبنيتِها، لكنَّ شاعرتَنا بمَعرفتِها لأسرارِ الّلغةِ، تُحَمِّلُها المَعانيَ العميقةَ والمَضامينَ الكبيرةَ، عن طريقِ تحويلِها لمعاني الّلغةِ العادّيّةِ إلى مَعانٍ شِعريّةٍ. (وَلَمَّا أَزَلْ أَرْسمُني احْتِيالَ مَغْفِرَةٍ تُهَدْهِدُني/ عَلى حَواشي هَيْكَلِكِ الْمَسْحُورِ): كنايةً عن أنّ الشّاعرةَ تُريدُ أنْ تَتعبَّدَ وتَطلُبَ مِنَ اللهِ المغفرةَ في بيوتِهِ المُقدسةِ الّتي تَسْبي اللُّبَّ والوجدان. نرى أنّ الشّاعرةَ قدِ انتقلَتْ في السّطورِ القليلةِ السّابقةِ للأسلوبِ الخبَريِّ؛ لتأكيدِ ذاتِها وتبيانِ قوّتِها في وجهِ الأعاصيرِ وتقديسًا للمدينتَيْنِ، وإجلالًا وتعظيمًا لربِّ العزّةِ، وهنا استخدَمَتْ حرفَ الجَرِّ الزائدِ "مِن"؛ ليُفيدَ تأكيدِ أن لا بديلَ لشاعرتِنا غيرَ اللهِ والاستغفار. وهنا قَدّمَتْ ما حقُّه التأخير"من بديل" وهو خبر ليس، على ما حقُّهُ التّقديم "سواك" وهو اسمُ ليس، وهذا انزياحٌ تركيبيٌّ فيهِ الجَمالُ الأسلوبيُّ، وبيانُ أهمّيّةُ المُتقدّم.

وتقولُ: (عَبَدَةٌ مُزَيَّفُونَ): كنايةً عنِ السّاسةِ الكذّابينَ المُتملّقينَ الوصوليّينَ الّذينَ يَتلاعبونَ بالأوراقِ والمَصائرِ، وقد استخدمَتِ الشّاعرةُ أسلوبَ الحذفِ، فحذَفَتِ المبتدأ والتقدير "هُمْ عَبَدَةٌ مُزَيَّفُونَ". (يَسُوسُونَ دَمِي بِأَحْذِيَةٍ مَجْرُوحَةٍ): كنايةً عنِ استخفافِ السّاسةِ بعُقولِ النّاسِ وامْتهانِهِم للكرامةِ، وذَكَرَت الشّاعرةُ الدّمَ "السّبب"، وأرادتْ بهِ المُسبِّبَ "الحياة"؛ مجاز مرسل علاقته السببيّة، وهذا انزياحٌ عذبٌ، فالدّمُ يُساسُ، وللأحذيةِ جُروحٌ كما للكائنِ الحيّ، وهذهِ عباراتٌ تتجاوزُ فضاءَ الّلغةِ بحَقٍّ، ولقدْ تَكرَّرَ صوْتا كلٍّ مِنَ الصّامتِ "السّين" والصّائتِ الطّويلِ "الواو" في كلمةِ "يسوسونَ"، لخلقِ إيقاعٍ جميلٍ.

(وَبِأَسْمالٍ عُشْبِيَّةٍ يَتَقَرَّبُونَ اغْتِفارًا): كنايةً عن صورةِ الخوَنةِ والمُندَسّينَ في صفوفِ الشّعبِ الفلسطينيّ، وهي صورةٌ مُناقِضةٌ للصّورةِ الّتي ذَكَرَتْ فيها شاعرتُنا يمامةَ القزِّ، والمُتمثّلةَ في المؤمنينَ ممّنْ يَلبَسونَ الأثوابَ الفلسطينيّةَ الحريريّةَ المُضيئةَ الطّاهرة.

(عَلى عَتَباتِ عِتابكِ الْمُقَدَّسَةِ!): كنايةً عن تواطُؤِ المُسؤولينَ وتَمَسُّكِهِم بالمُقدَّساتِ تظاهُرًا ومُراءاةً، وذَكرَتِ الشّاعرةُ "العتباتِ" الجزءَ، وأرادتْ بها "الأماكنَ المُقدّسة" الكُلّ، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة، وتَتلاعَبُ الشّاعرةُ بالألفاظِ، فنلحظُ الجِناسَ غيرَ التّامِّ بينَ كلٍّ مِنَ "العتباتِ" و"العتاب"، لتوليدِ إيقاعٍ مُناسِبٍ في المقطوعةِ. واستخدَمَتْ صيغةَ الفِعلِ المُضارعِ المَرفوعِ المُتّصلِ بواو الجماعة، في كلمَتَيْ "يَسوسونَ" و"يَتقرّبونَ" وبنفسِ الوزن؛ لتوفيرِ إيقاعٍ في النّصِّ يَسري في عروقِ المَقطوعة، وفي عبارةِ "عَتَباتِ عِتابكِ الْمُقَدَّسَةِ" انزياحانِ جميلانِ، انزياحٌ إضافيٌّ وآخَرُ في الصّفة.

(تَسْقُطُ سَراويلُهُم الْمَثْقُوبَةُ عَلى قِمَمِ الاحْتِضارِ): كنايةً عن انكشافِ زيفِ وخِداعِ الخوَنةِ، وعدَمِ طُهْرِ مَن يتآمَرُ على بَني وطنِهِ. "تَسْقُطُ سَراويلُهُم الْمَثْقُوبَةُ": كنايةً عن فضائِحِهِم وتَعَرِّيهِم وانكشافِهِم. و"قِممُ الاحتضارِ": كنايةً عن قُرْبِ نهايةِ حُكمِ المسؤولينَ المُخادِعينَ لشُعوبِهم، وقُرْبِ نهايةِ العُملاءِ، فللاحتضارِ قِممٌ، وهنا انزياحٌ إضافيٌّ في عبارة " قِمَمِ الاحْتِضارِ". (وَفي قَيْلُولَةِ الاجْتِرارِ تُرْغي أَسْماؤُهُمُ الْمُخْمَلِيَّةُ): فالعملاءُ والفاسدونَ مِن ذوي السّراويلِ المَثقوبةِ يَتظاهرونَ كأنّهُم فحولٌ، ويَرغون رغْيَ الجِمالِ بالرّغمِ مِن عدَمِ طُهْرِهِم، إلّا أنّ وسائلَ الإعلامِ تَجتَرُّ أخبارَهُم وتُلَمِّعُهُم، وتَجعلُ أسماءَهُم مُخمليّةً ثمينةً، وفي هذهِ العبارةِ انزياحٌ تركيبيٌّ، وهو مُخالفةُ التّراتبيّةِ المألوفةِ في النّظامِ الجُمَليِّ، مِن خِلالِ بعضِ الانزياحاتِ المَسموح بها في الإطارِ الّلغويّ كالتّقديم والتّأخيرِ، وهذا أبلغُ وأوضحُ في تأكيدِ أهمّيّةِ المُتقدّم، وأعمقُ دلالةً في أنْ تأخذَ العبارةُ المُتقدّمةُ فضاءَها الّلغويَّ الواسعَ، فقدْ قدّمَتِ الشّاعرةُ شِبهَ الجُملة "وَفي قَيْلُولَةِ الاجْتِرارِ" وحَقُّها التّأخيرُ، على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعلِ "تُرْغي أَسْماؤُهُمُ الْمُخْمَلِيَّةُ"، وحقُّهُما التّقديمُ، وهذا في العادةِ ما يَشمَلُ النّصوصَ ذاتَ البُعدِ السّياسيّ. وهذا النّصُّ ذو بُعدٍ سِياسيٍّ، ولننظُرْ لاستعاراتِ الشّاعرةِ الجديدةِ في كلِّ سطورِها هنا وفي غيرِها، فهيَ تَحمِلُ كلُّها مَعانٍ وتَعابيرَ تُسافرُ بها أقصى فضاءاتِ الّلغةِ، فللاجترارِ قيلولةٌ، والأسماءُ مُخمليّةٌ وترغي.

(وَلا تَنْفَكُّ سَماواتُكِ تُرْضِعُهُم أَمْطارَ طُهْرِكِ الرَّؤُوم!): واستخدَمَتِ الشّاعرةُ عبارةَ "ولَا تَنْفَكُّ" لتُفيدَ الاستمراريّةَ، فالسّماءُ مُستمِرّةٌ في الإرضاعِ الطّاهِرِ، وهنا مَجازاتٌ واستعاراتٌ تأخذُ مَداها في فضاءِ الّلغةِ، فالسّماءُ تُرضِعُ وللطُّهرِ أمطارٌ كالأمِّ الرّؤوم.

(يَا ابْنَةَ النُّورِ الْمُوغِلَةَ فِي النَّارِ): كنايةً عن الأراضي المُقدّسةِ، وهُما مدينتا القدس وبيتَ لحم، والّلتانِ في قبْضةِ المُحتَلِ ونيرانِهِ المُوغلةِ، ولقدِ استخدَمَتِ الشّاعرةُ أسلوبَ النّداء؛ ليُفيدَ التّحبُّبَ والتّقرُّبَ مِنَ المَدينتَيْنِ، وذَكَرَتِ الشّاعرةُ المَكانَ "المدينتَيْنِ" وأرادتْ مَن فيهِما، مَجاز مرسل علاقته المكانيّة أو المَحلّيّة، واستخدمَتِ الانزياحَ الإضافيَّ في المُنادى "يا ابنةَ النّورِ". و"في النّارِ"، رمزٌ لِما يَحصلُ مِن حربٍ وقتْلٍ وسَفْكٍ، فتتحوّلُ مدينةُ النّورِ والسّلامِ، لمدينةِ نارٍ وحربٍ، ولْنتذَكّرْ أنّ الشّاعرةَ تتكلّمُ بلسانِها، لكن "أنا الشّاعرة" تتحوّلُ لتُصبحَ "أنا الشّعب". (فَدَتْكِ أَجْنِحَةُ الرَّحْمَةِ أَبَدِيّةَ الرَّجاءِ!): وهنا رمزٌ للعودةِ إلى ميلادِ السّيّدِ المسيح، وظهورِ المَلائكةِ يُمَجِّدونَ اللهَ هاتفينَ: "المجدُ للهِ في العُلا، وعلى الأرضِ السّلام، وفي النّاس المَسرّة"، وهو الهُتافُ المَلائكيُّ، وصلاةُ المؤمنينَ والدّعوةُ بالشّفاعةِ. وهي كنايةً عن الاستغاثةِ باللهِ، والدّعواتِ الصّادقةِ بتخليصِ المَدينتَيْنِ مِن قبْضةِ الاحتلال، وتفتدي الشّاعرة بنفسِها مِن أجلِهِما، كما يَفتدي المُؤمنونَ بأنفسِهم أيضًا.

"فدَيْتُكِ": دعاءٌ للمُخاطب، وكانتْ هذهِ العبارةُ تُستعمَلُ قديمًا؛ بمعنى فديْتُكِ بمالي مِن الأسْرِ، واستخدَمَها إبراهيم طوقان على سبيلِ التّهكُّمِ، وهو يُخاطِبُ أحمد شوقي ردًّا على قوْلِهِ: قُمْ للمُعلِّمِ وَفِّهِ التّبجيلا/ كادَ المُعلِّم أنْ يكونَ رِسولا. فقالَ لهُ: اُقعُدْ، وأنا أفديكَ مِنَ الوقوفِ، فلا يَستأهِلُ مُعلّمُ الصّبيةِ هذا وقوفَك. ومعناها "أقَدَّمَ رُوحَي فِدىً فِي سَبِيلِ تَحْرِيرِ بِلاَدِي، وخاصّةً المدينةَ المُقدّسة، وتُبدي الشّاعرةُ تَمَسُّكَها بحِبالِ الله، و"فَدَتْكِ" تُفيدُ الدّعاءَ، وتُشَبِّهُ شاعرتُنا الرّحمةَ بطائرٍ لهُ أجنحة، كنايةً عن رحمةِ الله.

(ها ثَمِلَةً.. تَغْفُو قَنادِيلُ الرُّعاةِ عَلى حُفُوفِ مَراعيكِ/ ها مُنْهَكَةً.. تَسْهُو تَرانيمُ الدُّعاةِ عَلى كُفُوفِ يَراعِكِ/ وَسُجُودًا مَشْطُورًا/ مَلكاتُ الْكَلِماتِ الْعَذْراءِ/ تَتَوَسَّدُ ابْتِهالاتِ خُشُوعٍ!): صورةٌ تَعودُ إلى بيتَ لحم مدينةِ المَهْدِ، حيثُ الرّعاةُ حولَ مغارةِ الميلادِ، والمَلائكةُ والعذراءُ مريمُ والطّفلُ المولودُ، وفي هذا المَقطعِ إشارةٌ أخرى إلى كنيسةِ المهدِ في بيتَ لحم، وهذا المَقطعُ الكُلّيّ يُعيدُنا إلى حِصارِ الإسرائيليّينَ لكنيسةِ المَهدِ عام 2002م، وهُم يُحاصِرونَ المُدافِعينَ الفلسطينيّينَ، عندما تَحَصّنوا فيها. "ها" حرفُ تَنْبِيهٌ تَفْتَتِحُ العربُ بهِ الكلامَ للاستفتاح. و"قَناديلُ الرُّعاةِ": كنايةً عن مدينةِ بيتَ لحمَ المُقدّسةِ ومَنْ يَحرُسُها. و"حُفُوفِ مَراعيكِ": كنايةً عن أماكنِ العِبادةِ في تلكَ المدينةِ المُقدّسةِ. وفي هذا السّطرِ انزياحٌ تركيبيٌّ يَتمثّلُ في التّقديمِ والتّأخيرِ، وهذا أبلغُ وأوضحُ في تأكيدِ أهمّيّةِ المُتقدّمِ، وأعمَقُ دلالةً في أنْ تَأخُذَ العبارةُ المُتقدّمةُ فضاءَها الّلغويَّ الواسعَ، فقدْ قدّمَتِ الشّاعرةُ الحالَ "ثملةً" وحقُّها التّأخيرُ، على كلٍّ مِنَ الفِعلِ والفاعلِ والمَفعولِ به "تَغْفُو قَناديلُ الرُّعاةِ"، وحقّهُ كلٌّ التّقديم. ولْنتتبّعِ الكناياتِ والاستعاراتِ في كلِّ سطورِها هنا وفي غيرِها، فهي تَحملُ مَعانٍ وتعابيرَ تَنقلُنا لفضاءاتٍ لغويّةٍ رحبةٍ، مَعانيها فيها الجدّةُ والابتكارُ، فيها بَثٌّ للرّوحِ والحيويّةِ والتّصويرِ والتّشخيصِ والتّجسيمِ، فكأنّنا أمامَ فيلمٍ يَنقُلُ إلينا الوقائعَ بالصّوتِ والصّورةِ الحَيّة، فللرُّعاةِ والمُصلّينَ  قناديلُ تغفو وتثمَلُ، وللمَراعي وأماكنِ العبادةِ حفوفٌ. وترمزُ الشّاعرةُ بـ(اليراع) للأطفالِ الفلسطينيّينَ، وللطفولةِ المَهدورةِ الّتي أنهَكَتْهُم سِنو الاحتلالِ، ولكنّ الفلسطينيَّ رغمَ المآسي، لا زالَ يَفتخِرُ بهِم كعنوانٍ للتّحدّي والصّمود.

وتعودُ الشّاعرةُ للتّكرارِ، فقدْ كرّرَتِ الحرف "ها"، وجانَسَتْ بينَ كلٍّ مِنَ "الدّعاة" والرّعاة"، ووازنَتْ بينَ جُملَتَيْ "قناديلُ الرّعاةِ "وترانيمُ الدّعاة"، كلُّ هذا لتوفيرِ إيقاعٍ موسيقيٍّ يُغذّي النّصَّ ويتسرَّبَ في مَفاصِلِهِ، وهنا جُملةٌ مِنَ الانزياحاتِ المُتمثّلةِ في الكناياتِ والاستعاراتِ والمَجازِ المُرسل، كلُّها مُتتابِعةٌ مُتلاحِقةٌ، لتأخذَ ألبابَنا إلى فضاءٍ لغويٍّ مُبتكَرٍ سامِقٍ، فلِليَراعِ كفٌّ، وفي هاتيْنِ الّلفظتَيْنِ ثلاثةُ انزياحاتٍ: انزياحٌ إضافيٌّ، واستعارةٌ مَكنيّةٌ، ومَجازٌ مرسل علاقته الجزئيّة، والمُتلقّي سوفَ تأسُرُ لبَّهُ، وتأخذُ بتلابيبِ عقلِهِ في رحلِتِهِ للّغةِ وفضائِها الرّحب، وما تَحتمِلُهُ مِن مَعانٍ، وللدُّعاةِ والمُصلّينَ ترانيمُ وألحانٌ، وهي تفيقُ وتَسهو كما الإنسان. لقد قدّمَتْ ما حقُّهُ التّأخيرُ وهو الحالُ "مُنهَكة"، على ما حقُّهُ التّقديمُ "الفِعل والفاعل" تَسْهُو تَرانيمُ الدُّعاةِ". وقدّمتْ أيضًا ما حقُّهُ التّأخيرُ وهو الحال "مُنْهَكَة"، على ما حقُّهُ التّقديمُ المبتدأ، والخبر "مَلكاتُ الْكَلِماتِ الْعَذْراءِ تَتَوَسَّدُ ابْتِهالاتِ خُشُوعٍ!" والهدفُ التّأكيدُ على تعلُّقِ المُؤمنينَ الفلسطينيّينَ بعِباداتِهِم ومُقدَّساتِهم، ولِخلْقِ جوٍّ جَماليٍّ يُسحِرُ لُبَّ المُتلقّي ووجدانَهُ في هذا الفضاءِ الّلغويِّ العذب. ولْننظرْ لروعةِ التّصويرِ والتّجسيمِ، فلِلكلماتِ ملكاتٌ كما النّوابغُ، وهُنّ عذارى كالفتيات، تتوسّدُ بخشوعٍ وخنوعٍ لرَبِّها وبارئِها، وما زالتِ الشّاعرةُ تتّكئُ على الأسلوبِ الخبَريّ تأكيدًا لذاتِها، ولتُبَيِّنَ مدى ارتباطِها بدينِها السّماويّ ومُقدّساتِها الغالية.

(أَتُضيئينَني مُسْتَحيلًا شَهِيًّا في طَوابينِ الْوَرَق؟): وتنتقلُ الشّاعرةُ للأسلوبِ الإنشائيِّ المُتمثّلِ في النّداءِ الّذي يُفيدُ السّخريةَ والاستهزاءَ، فالاتّفاقيّاتُ الّتي أفقدَها الاحتلالُ مِن مَضامينِها لا تَعنيها بشيْءٍ. (أَلا يَتَبَرْعَمُ بِكِ غَدي.. وَأَتَوَرَّق وَطَنا): وهنا تُصِرُّ الشّاعرةُ على حقِّها بوطنٍ يتجدّدُ بجَمالِهِ وتَشعُرُ بالدّفءِ في أحضانِهِ، ترنو لمستقبلٍ حُرٍّ تنطلِقُ في رِحابِهِ، يَتبرعَمُ ويتجدَّدُ كما الشّجرة، فلِلّهِ درّ شاعرتنا في تَمكُّنِها مِن زمامِ فضاءِ لغتِها: فالغدُ يَتبرعمُ ويتجدّدُ كما الأشجار، والوطنُ يُورِقُ كما الورود والرّياحين، وقد بدأتْ شاعرتُنا سطرَها بـ "ألا"، وهو حرفٌ يُفيدُ الطّلبَ بالتّحضيضِ أو الّلين.

(رَبَواتُ مَلائِكَةٍ تَجْثُو مُتَلَعْثِمَةً في خِبائِكِ السَّماوِيِّ/ وَعَلى أَفْنانِ لِسانِ سَلْمٍ يَتَلَجْلَجُ بِثِمارِ الصَّلَواتِ/ تَنْدَلِعُ فاكِهَةُ سَمائِكِ/ تَسْتَفيقُ في نَداها عَرائِسُ جَنَّتي تَبْتَهِلُ:/ الْمَجْدُ لِطُولِ أَناتِك يا ثَدْيًا أَرْضَعَني أَناك): في أسبوعِ آلامِ السّيّدِ المسيح– عليه السّلام– تُردِّدُ الملائكةُ والمُؤمنونَ داعينَ ربَّهُم وقائلينَ: "المجْدُ لطولِ أناتِكَ يا ربّ"، وهنا تسترسِلُ الملائكةُ، ويَدعو المُؤمنونَ ربَّهُم، ورباطُهُم الرّوحيُّ مَتينٌ معَ الواحدِ الأحدِ والفردِ الصّمد بعباراتٍ ذاتِ دلالاتٍ دينيّةٍ، كما في نحو: رَبَواتُ مَلائِكَةٍ، خِبائِكِ السَّماوِيِّ، بِثِمارِ الصَّلَواتِ، سمائك، المجد.. وكلُّها عباراتٌ ذاتُ سِمةٍ دينيّةٍ تحمِلُنا إلى فضاءاتٍ واسعةٍ، وهنا الشّاعرةُ تَشعُرُ بلذّتِها الرّوحيّةِ في الاستغراقِ بالذّاتِ الإلهيّة، لتتحَوّلَ حياتُها إلى جنّةِ نعيمٍ، كما العروسُ تَزهو بليلةِ عُرسِها. وتتلاعبُ الشّاعرةُ بالألفاظِ بينَ كلٍّ مِن "أناتِك" و"أناك"، لِما في الجِناسِ مِن أثَرٍ إيقاعيٍّ، وتَزخَرُ السّطورُ بالاستعاراتِ: فربَواتُ الملائكةِ تجثو وتتلعْثمُ، وللّسانِ أفنانٌ وأغصانٌ، وللصّلواتِ ثمارٌ كما الأشجار، وللسّماءِ فاكهةٌ تستفيقُ، وللجنّةِ عرائسُ نديّةٌ، وللسِّلمِ لسانٌ ناطقٌ. ولم تكتفِ الشّاعرةُ بذلك، فوظّفَتِ الكناياتِ والمجازاتِ.

في جُملة "في خِبائِكِ السَّماوِيِّ"، وَ "يا ثدْيًا أرْضَعَني": كنايةً في كلٍّ عن عطاءِ اللهِ. وفي عبارةِ "أَفْنانِ لِسانِ سَلْمٍ": مجازٌ مُرسل علاقته السببيّة، فذكرَتِ "الّلسانَ" وهو سببٌ في الكلام أو علاقتِهِ الآليّةِ، على اعتبار أنّ الّلسانَ آلةُ الحديث. 

(وَعَلى أَفْنانِ لِسانِ سَلْمٍ يَتَلَجْلَجُ بِثِمارِ الصَّلَواتِ/ تَنْدَلِعُ فاكِهَةُ سَمائِكِ): وهنا تُبرِزُ الشّاعرةُ العلاقةَ بينَ السّماءِ والأرض، وبينَ اللهِ والبرايا، فألسِنَةُ المُؤمنينَ تتضرّعُ وتتشعّبُ بصلواتِها، فهي كالأفنانِ والأغصانِ المُزهِرةِ والمُثمِرةِ الّتي تُنضِجُها السّمواتُ ببرَكتِها. وهنا تتّكئُ الشّاعرةُ على صيغةِ الفِعلِ المُضارع، لِما فيهِ مِن استمراريّةٍ وبَثٍّ للحيويّةِ والنّشاطِ في نحو: يَجثو، يَتلجلجُ، تَندلعُ، تستفيقُ، تَبتهِلُ، ونلحظُ أنّ هذهِ الأفعالِ مَبدوءةٌ بالصّامت تاء المضارعة أو الياء؛ لتوليدِ الإيقاعِ الموسيقيِّ عن طريقِ تِكرارِ الحرف. فقناديلُ الرّعاةِ، ومَراعيكِ، وترانيمُ الدّعاة، وسجودًا، وابتهالاتِ خشوعٍ، كلُّها تَرمي وترمزُ إلى مدينةِ المَهدِ بيتَ لحمَ شقيقةِ القدس.

وقبلَ ختامِ هذهِ النّظرةِ التّحليليّة، لا بدَّ لنا مِن أنْ نُعطي الشّاعرةَ آمال حقَّها، ونُصرِّحُ في أنّها مُتمكِّنةٌ مِنَ الّلغةِ، ومخزونُها وفيرٌ كشاعريّتِها، "فالّلغةُ ليستْ مُلْكَ الشّاعرِ، وليستْ لغتَهُ إلّا بقدْرِ ما يَغسلُها مِن آثارِ غيْرِهِ، ويُفرغُها مِن مُلكِ الّذينَ امتلكوها في الماضي. وبما أنّ المُبدعَ يُحدّدُ بالرّؤيا والاستباقِ، فإنّ الّلغةَ الّتي يَستخدمُها، لا تكونُ لغتَهُ، إلّا بقدْرِ ما يُفرّغُها ممّا فيها، ويَشحنُها بالمستقبل.. الّلغةُ الشّعريّةُ لا تتكلمُ، إلّا حينَ تنقطِعُ عمّا تكلّمَتْهُ، تتخلّصُ مِن تعبِها، وتقتلِعُ نفسَها مِن نفسِها. الّلغةُ دائمًا ابتداءٌ، والكتابةُ دائمًا ابتداءُ زمنِ الشّعر، وهذا يُلاحَظُ في الشّعرِ التّجريديّ، الّذي يَقومُ على نزْعِ الدّلالاتِ المُعتادةِ للكلماتِ، وإضفاءِ مَعانٍ جديدة عليها، دونَ أن يكونَ لهذهِ الدّلالاتِ مَرجعيّةٌ أخرى، سوى التّجربةِ الّلغويّةِ الشّعريّةِ ذاتِها(12).

الشّاعرُ يَستطيعُ مِن خلالِ قُدرتِهِ ومَهارتِهِ أنْ يَستعمِلَ الكلمةَ، ويَبعَثَ فيها قدرَتَهُ الرّوحيّةَ، لكي تُصبحَ أكثرَ قوّةً، وأوضحَ معنًى مِن غيْرِها، وهذا ما يُميّزُ الشّعرَ عن بقيّةِ الفنونِ الأدبيّةِ، فالكلامُ في الشّعرِ يَحوي بلاغًا وإبلاغًا، إذ يَسعى إلى وظيفةٍ جَماليّةٍ تَسبقُ الوظيفةَ الإبلاغيّةَ. الّلغةُ الشّعريّةُ تختلفُ عن الّلغةِ العاديّةِ، بأنها مميّزةٌ بتركيباتِها، ومُستغِلّةٌ جميعَ طاقاتِها المُعجميّةِ والصّوتيّةِ والدّلاليّةِ، ومِن هذهِ الأُطُرِ تأتي الوظيفةُ الجَماليّةُ للشّعر، ومِن هنا تأتي أهمّيّةُ الشّاعرِ المُبدِعِ، القادِرِ على تَسخيرِ إمكانيّةِ الّلغةِ والتّلاعبِ بتركيباتِها، ممّا يَمنَحُ نصَّهُ خصوصيّةً شِعريّةً، تجعلُهُ يتميّزُ عن غيْرِهِ مِنَ النّصوص. وقد أكّدَ النّقّادُ جميعًا على أهمّيّةِ الّلغةِ الشِّعريّةِ، هذهِ الّلغةُ الّتي تُستعمَلُ استعمالًا جَماليًّا ووظيفيًّا، عكْسَ الّلغةِ العاديّةِ الّتي تهتمُّ بالإبلاغِ فقط.‏ ونستطيعُ أن نَلحظَ ببساطةٍ، التّمايُزَ في الّلغةِ الشّعريةِ عن مثيلاتِها مِن خِلالِ بعضِ الحُروفِ، ومِن خلالِ الّلفظةِ الواحدةِ، ومِن خلالِ التّركيبِ أيضًا، وهذهِ الأدواتُ ككُلٍّ؛ (الحرفُ والّلفظةُ والتّركيبُ)، تتناغمُ معَ البناءِ الكُلّيِّ للخطابِ الشّعريّ، والّذي أدرَكَتْهُ شاعرتُنا آمال، ووظّفَتْهُ أحسنَ توظيفِ، فالشّاعرُ المُبدِعُ يَستطيعُ مِن خلالِ لغتِهِ القدرةَ على العفويّةِ والقوّةِ في النّظم، ممّا يَجعلُهُ مُتفرِّدًا عمّن سواه.(13) 

الهوامش

المراجع العربيّة:

  • انظر: ديوان رحلة إلى عنوان مفقود، آمال عواد رضوان ص 37 - 40 ، دارِ الوسط اليوم للإعلامِ والنّشرِ، رام الله.
  • سيمياء العنوان، د. بسام موسى قطّوس، ص: 37.، مطبعة البهجة/ بدعم من وزارة الثقافة ـ عمان ـ الأردن .
  • علامات في الإبداع الجزائري، عبد الحميد هيمة، ص 64، مديرية الثقافة ولجنة الحفلات، سطيف، الجزائر، ط1، 2000.
  1. La stylistique, Pierre Guirand, Paris, PUF, 7édition, 1972, p9.
  2. Essais de stylistique structurale, p228
  3. المعجم الوسيط، إبراهيم أنيس ورفقائه،ص 905، القاهرة، ط2.
  4. لسان العرب، ابن منظور ص 6 – 7 ج3، دار الحديث، القاهرة، 2002
  5. أحمد الزعبي، ، التناص نظرياً وتطبيقياً ، مؤسسة عمون للنشر والتوزيع ، الأردن ، ط2 ، 2000 ، ص 12
  6. اللغة الشعرية بين القدماء والمحدثين الدكتور / محمد عبدو فلفل مجلة الجسرة، الأعداد من 16 - 20
  7. في نظرية العنوان.. مفتاح النص وجوهره...من الشعر إلى القصة والخطاب الدرامي عالم من الإبداع ومستويات العنونة، صحيفة الوطن، الأحد 03/31/2013

11.اللغة الشعرية بين القدماء والمحدثين الدكتور / محمد عبدو فلفل مجلة الجسرة، الأعداد من 16 - 20

12.المرجع نفسه. 

  1. صحيفة الفرات،اللــــغـــــة الشعــــريــــــة المـــــعــــاصـــــــرة، ، سراج جراد، العدد، الثلاثاء 13/9/2005

بعضُ ما قالَهُ الكُتّابُ والنّقّادُ في شاعريّةِ

الشّاعرة آمال عوّاد رضوان

يقولُ النّاقد نافِذ الرّفاعي في صحيفةِ الحياة الجديدة، الصّادرة يوم الأحد 6-3-2011 ما يلي: أنشدَتِ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان في ديوانِها ليسَ الأول ولا الأخير؛ «رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ» أربعَ قصائد مِن الشّعر النّثريّ. وقبلَ تذوُّقِ شِعرِها حاولتُ التّعرُّفَ لشَخصِها، وجدتُ أنّ آمال ليستْ إلّا طفلةً خضراءَ، تحملُ حُلمَ المستحيلِ مع طائرِ الفينيقِ النّاهضِ مِن مرقدِهِ، تَعشقُ الموسيقى، وشهوتُها للقراءةِ نوعٌ مِنَ التبتُّلِ الصّوفيّ، وحضورُها الّلائقُ إلى لقائِنا شعرًا نثريًّا جليليَّ المَنشأ، وهناكَ حيثُ البقاءُ لفلسطينيّي الثّبات.

أمسكَتْ ديوانَها "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود"، واختارتْ أربعَ قصائدَ منهُ، وقامتْ بإهدائِها، واحدةً لفلسطين، وأخرى للقدس، وثالثةً لبغدادَ، ورابعةً إلى بيروت، وكأنّ نبوءَتَها إلى كلّ عواصمِ العرَبِ وصولًا إلى طرابلس الغرب، وبدأ الفنّانُ عازفُ العودِ يُداعبُ أوتارَهُ، وآمال تشدو شعرًا لفلسطين في قصيدتِها: "فستانُ زفافِكِ اعشوْشَبَ كفنًا". قرأَتِ القصيدةَ وسمعتُها، وأعدْتُ قراءتَها بحثًا في فكِّ رموزِها واستكشافِ دلالاتِها، ووجدتُ أنّ آمال تغترفُ مِن بحرِ الكلماتِ الرّصينةِ، وتمزجُ جزالةَ ألفاظِها معَ وقْعٍ موسيقيٍّ يبدأ حزينًا في قصيدِها؛ "مِن وسائدَ ضبابيّة"، وتُكرّسُ رمزيّةً عاليةً، وصولًا إلى "وَسَمَتْهُ ألوانُ فراغِكِ بمواعيدَ رخوةٍ انطفأتْ صامتة".

البحثُ في دلالةِ المعنى عميقًا للمواعيدِ الرّخوةِ، وما تتّصلُ بهِ مِن قراراتٍ دُوليّةٍ وعربيّةٍ وغيرها. تَعلو نغمةُ القصيدةِ أيضًا، وتشتدُّ الّلغةُ الشّعريّةُ في "هشيمِ محابرِكِ المَغدورة"، ومِن ثمّ تصَاعدٌ وتطوُّرٌ في الوتيرةِ حيثُ تنشدُ: "توهّجَتْ دواةُ الطُّهرِ بآثامِها الشّاحبة". وتتعالى الّلغةُ وتنفَكُّ دلالاتُها أكثر: "سَلْمٌ يَصعدُ دركاتِ سُلّمِهِ/ يَفُكُّ خِمارَ انتظارٍ توارى........" وتكشفُ عن الأملِ تُعيدُهُ في قوْلِها: "ما طالَها زبدُ يأسٍ/ وإنْ عُلّقَتْ على أسوارِ أعراسٍ مُؤجّلة"، وتحضُّ وتُحرّضُ في انكشافٍ رمزيّ: "أيا أُقحوانةَ الثّغرِ اثْغرّي/ أسْقِطي أسنانَكِ الرّواضع.../ لتستوي عدلًا على جُزُرِ النّور".

وكأنّها ترسُمُ الفصلَ الأخيرَ لقصيدتِها. ومِن ثمّ قصائدها الأخرى والّتي وجدتُ أنّ تأويلَها يَحتاجُ إلى هضمِ كثافتِها، لمْ استَوْحِ مِن قصائد آمال سوى أنّها صعبةُ المَنال، تحتاجُ إلى سبْرٍ عميقٍ، مِن حيثُ الّلغة والدّلالة والجزالة، وقد ذكّرَتْني بالشّعرِ الميتافيزيقيّ وشُعرائِهِ مِن أندرو مارفل ووردز وورث.

وتُهدي القدسَ "نقشٌ في عتمةٍ حافية"، وهي عائدةٌ إلينا سنونوّة مِن أرضِ الرّحيل، "رنّتْ أزهارُ عودةِ الشّحاريرِ/ تستندي طلَّكِ الأيّوبيّ"، إلى نداءٍ لصلاح الدّينِ الأيّوبيّ. "يمامةَ قزٍّ استكَنْتِ بينَ أحضانِ توتي"، تطلُّ على القدس يمامة، وتحملُ اليمامةُ فألَ خيرِ. ولا تزالُ آمال تهدي قصائدَها للعربِ في بغدادَ، وتقولُ: "مرِّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأزرق"، وتتبغدَدُ بعدما تنيْرَنَتْ لتتحوّلَ إلى سرابِ حوريّةٍ، وما هذا العِطرُ إلّا الأملَ القادمَ، وهي بهِ مؤمنةٌ؛ لأنّها أرضعَتْ مِن نهدَيْها أبناءَ العراق حُبَّ الوطن والإيمانِ بالغد.

وأكثرُ ما يَصطحِبُكَ بَعدَ الّلقاءِ الأدبيّ، هو ما حملْتَهُ معكَ مِن تساؤلاتٍ أو عباراتٍ لم يتّسِعِ الوقتُ لأن تقولَها، أو أسئلةً لم يتسنَّ لكَ الوقت، أو هي بالأساس لم تكنْ تَجولُ في خاطرِك، خرجْتُ مِنَ الّلقاءِ في حالةِ هيَمانٍ، أُشفي غليلي مِن كثيرِ الأفكار، ولكن أفيضُ بأخرى، وقلتُ: هذا هو عبقُ الجليلِ الفلسطينيّ.    

أمّا جماعة الباب الأدبيّةِ الثقافيّة، فعقدتْ لقاءَها السّابع في بيت ساحور يومَ الخميس الموافق 24-2-2011، في مركز التّقاربِ بينَ الشّعوب، باستضافة الشّاعرةِ الجليليّةِ آمال عوّاد رضوان، ولنستمِعْ إلى أقوالِ بعضِ المُشاركين: رحّبَ مُنَسِّقُ الجَماعةِ الرّوائيّ نافذ الرفاعي بالشّاعرة "آمال عوّاد رضوان"، لتقرأ أربعَ قصائد من ديوانها الثّالث "رحلة إلى عنوان مفقود"، بمصاحبةِ تقاسيم على آلةِ العود.

بدأت الشّاعرةُ آمال حديثَها بأنّها تكتبُ الشّعرَ النّثريّ، وهو نوعٌ صعبٌ قد لا يَفهمُهُ كثيرٌ مِنَ الجمهور، وأنّ قراءةَ الشّعرِ هذه تحتاجُ إلى تركيزٍ غيرِ عاديّ. وأنشدَت قصيدتَها المهداة إلى فلسطين، "فستانُ زفافِكِ اعشوشبَ كفنًا" وجاء فيها: كَوْكَبَةٌ مِنْ وَسائِدَ ضَبابِيَّةٍ/ تَغَشَّتْ أَمْواجِي بِأَشْواكِ الشَّمْسِ/ وَلَمْلَمَتْ بِتَوْبَةٍ هادِرَةٍ حِبْرًا/ وَسَمَتْهُ أَلْوانُ فَراغِكِ بِمَواعِيدَ رَخْوَةٍ انْطَفَأَتْ صامِتَة! ثمّ أنشدتْ قصيدة "نقشٌ في عتمةٍ حافيةٍ"، مهداة إلى القدس: عَلَى شُطُورِ الْهُوَيْنَا رَكَضْتِ.. رَقَصْتِ/ بِجِلْدَةِ طَيْفِكِ الرَّطِبِ زَيَّنْتِ جِيدِي/ وَمَزنْتِ بِتَفَاصِيلِ فَرَائِضِكِ دُونِي!/ رَغْوَةُ نَدَاكِ الْمُمَلَّحَةُ/ جَ فْ فَ تْ/ عَلَى نَسْغِ قَلْبِي النَّازِفِ/ فتَكَمَّشتْ بُطُونُ أَيَائِلِي بَيْنَ هَاوِيَتَيْنِ! وأنشدتِ القصيدةُ الثّالثة "عينُ إبرتي تتثاءبك"، مهداة إلى بيروت: كَم تُشْقينِي أُذُنٌ صَمَّاءُ تَلْتَمِسُ تَمْتَمَةَ خَيالٍ/ تَ رْ ش قُ/ عَجيجَ ذاكِرَتي الْعاجِيَّةِ/ لِتُنَمِّشَ وَجْناتِ يَقَظَتي بِدَلالِكِ! والقصيدة الأخيرة "مرّغوا نهْديّ بعِطرِهِ الأزرق"، مهداة إلى بغداد: عَلى عَنَانِ بُشْرَى جَائِعَةٍ/ تَ مَ ا وَ جْ تَ../ وَبليْلٍ لاَئِلٍ اقْتَفَيْتَ فَيْضَ ظِلِّي الْمُبَلَّلِ/ بِضَوْضَاءِ أَصْفَادِي/ أَرْخَيْتَ مَنَادِيلَ عَتَبٍ مُطَرَّزٍ بتَعَبٍ/ تَسْتَدْرِجُ بِشْرِيَ الْمُسْتَحِيل/ وفِي تَمَامِ امْتِثَالِي الْمُتَمَرِّدِ تَوَرَّدْتَ!

وعلّق الأستاذ الدّيري على ذلك: بأنّها لأوّل مرّةٍ تُعرَضُ في الجماعة قصيدةٌ نثريّة، وجدَتْ صعوبةً في تقبُّلِ الجمهور لها، وهي بالتّأكيدِ مَثارُ جدَلٍ ما بينَ الشّعراءِ والنّقّاد في الوطن العربيّ، مع أنّها تُعطي مساحةً أكبرَ في التّحرّرِ مِن قيودِ قصيدةِ التّفعيلةِ والشّعر العموديّ، وتُتيحُ المَجالَ لعرضِ الحالةِ الصّوفيّةِ والصّوَرِ المُكثّفة.

هنا تساءلت د. نورما عن الفئة التي تستطيع إدراك هذا الشّعر؟

وعلق د. عبد الفتاح: أنّ هذا شِعرٌ صَعبٌ.

وهالة اليمني حضّت بضرورةِ الصّعودِ بالقرّاءِ دائمًا.

وكذلك الفنّانة سمر غطّاس، والأستاذ ناجي ود. مازن قمصيّة.

لقد أثارَ الّلقاءُ عديدَ الأسئلة، وأجابت الشّاعرة آمال على استفساراتِ الحضور.

وفي جريدة الغد الصّادرة في عمّان، الجمعة 5 نيسان 2013م- 24 جمادى الأولى 1434 هـ: رأى الشّاعر والنّاقد د. راشد عيسى:

إنّ الشّاعرة الفلسطينيّة آمال عوّاد رضوان تُعَدُّ مِن الأديباتِ الفارساتِ ذواتِ المَواقفِ الانتمائيّة، لافتًا إلى أنّها تُعزّزُ التجذُّرَ الوجدانيَّ في خصوصيّةِ المُنجَزِ العربيّ الحضاريّ، إيمانًا بأصالةِ الهُويّةِ لغةً وأدبًا وفِكرًا.

وأضافَ د.عيسى في النّدوةِ الّتي أقامتْها رابطةُ الكُتّابِ الأردنيّينَ للشّاعرةِ رضوان، وقرأتْ خلالَها مجموعةً مِنْ قَصائدِها، وقدّمَ عيسى رؤيةً أدبيّةً في ديوانِها "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود"، وأطلقَ عليْها "زهرةَ قرنِ الغزال"، إذ أنّ رضوان ارتقتْ إلى التّنويرِ الّذي يطاردُ أسبابَ الحُرّيّةِ، ويُحرجُ العتمةَ، ويَنحازُ إلى نصرةِ الإنسانِ، ويُبجِّلُ القِيَمَ الجَماليّةَ السّامية.

وأشارَ المُحاضرُ إلى مقالاتِ رضوان، الّتي تُؤكّدُ فيها أهمّيّةَ الّلغةِ العربيّةِ وهُويّتِها في فلسطين، وتُنبِئ عن كفاءةِ رؤيةِ الكاتبةِ والّلغةِ العربيّةِ معًا، في الصّمودِ أمامَ زحْفِ العبريّةِ، الّتي تُحاولُ طمْسَ جَماليّاتِ الّلغةِ، والنّيْلِ مِن مَهابتِها القوميّة.

وتجتهدُ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان في حمْلِ مَشاعرِ الوعيِ والحُرّيّةِ  والتّخلُّصِ مِنَ الظّلام، وتُقاومُ أنماطَ الاستلابِ وأشكالِ القُبْح، لافتًا إلى أنّ شِعرَها يَنتصِرُ لعبقريّةِ الأنوثةِ، عبْرَ استفزازِ ذُكورةِ الكوْن.

وأوضحَ المُحاضِرُ أنّ شِعرَ رضوان توجدُ بهِ ذاتيّةٌ عاليةٌ، لكنّها مُتعدّدةُ المَنابعِ والرّوافدِ، فحينًا تكونُ الأنثى في شِعرها مشابهةً لـ"سافو" الشّاعرةِ الإغريقيّة، وحينًا تكونُ مُماثلةً لرابعةِ العدويّةِ في هسيسِها الصّوفيّ، وحينًا تكونُ الأنثى القرويّةُ البسيطةُ الجليلةُ، الّتي يَنامُ الّليلُ في خيمةِ شِعرِها، ويَنبُعُ النّهرُ مِن عُنقِها، ويَتشاجَرُ النّحلُ عندَ زهرةِ فمِها.

ورأى د.عيسى أنّهُ في نُصوصِ الشّاعرةِ ظواهرُ أسلوبيّةٍ مُتعدّدة، منها قِصَرُ الجُملةِ الشّعريّةِ، والاستنادُ إلى تراكيبِ المُفارقاتِ على غرارِ قوْلِها: "يا مَن كنتِ جِرارَ أمسي الآتي/ وغدَوْتِ أنفاسَ غدي الماضي/ اُسْكبيني/ في كأسِكِ الطّافِحِ بزبَدِ ضياعي/ ولا تَسقِنيها".

ونوّهَ المُحاضرُ إلى أنّ المُفارقةَ هي بينَ "أمسي الآتي وغدي الماضي"، حيثُ تُؤدّي إلى زمنيّةِ الحاضر، فنحنُ أمامَ تشويشٍ فنّيٍّ للحواسّ والذّاكرة، وأمامَ لعْبٍ لغويٍّ رشيقٍ، فهي تقولُ: "أنتِ وحدَكِ/ وجْدُ وحْدي".

وأشارَ د.عيسى إلى أنّ المَقصودَ بـ"وحدَك" الأولى "الذّاتُ الشّخصيّة"، وتعني "وحدي" الثّانية الذاتَ النّفسيّةَ المُتكاثِرةَ بمَواجِدِها ومَعارِجِ عُزلتِها الصّافية، إذ تُحيلُنا هذهِ العبارةُ إلى البثِّ الصّوفيِّ الّذي عرفناهُ في موروثِ التّصوُّفِ العربيّ.

ورأى المحاضرُ أنّ أبرزَ ظاهرةٍ في أسلوبِ الشّاعرةِ رضوان، هي البُنيةُ الاستعاريّةُ المُتعاقِبةُ في القصيدةِ الواحدة، وهي بُنيةٌ تأخذُ المَجازَ إلى أقاصي التّخيُّلِ عندما تقولُ: "عذارى الأشجانِ/ تُولِمُ مَحافِلَ الحزنِ/ تَقضِمُ تُفّاحةَ الفؤادِ/ يَندَسُّ نبيذُ حُسْنِها في دَمِ المَوْجِ".

وشرحَ عيسى تراكيبَ "عذارى الأشجانِ، ومَحافلَ الحزنِ، وتُفّاحةَ الفؤادِ، ونَبيذَ الحُسْنِ، ودمَ الموْج"، بحيثُ تنطوي كلُّها تحتَ سقفِ الاستعارةِ والتشبيهِ البليغ، في مُراوغةٍ بلاغيّةٍ نشِطَةٍ ومُكثّفةٍ. فالذّاتُ المُتكلِّمةُ أو المُخاطبةُ في نصوصِ الشّاعرةِ ذاتُ تكامليّةٍ، مُتعلّقةٍ بالكينونةِ الأنثويّةِ الخالصة.

يُذكَرُ أنّ رضوان صدَرَ لها العديدُ مِنَ الدّواوينِ الشّعريّةِ منها: "بسمَةٌ لوزيّةٌ تتوهّجٌ" في العام 2005، "سلامي لك مطرًا" في العام 2007، "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ" في العام 2010.

وجاء في  ديوان العرب عدد يوم الجمعة 5نيسان 2013:

في جاليري مركز التّراثِ عسفيا الكرمل، أقامَ منتدى الحوار الثقافيّ ندوةً يقودُها هدهدٌ لإلقاء الضوء على الكتابِ الشّعريِّ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مَفقودٍ" للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، وذلك بتاريخ 2011/6/16.

افتتحَ الّلقاءَ الشّاعرَ رشدي الماضي بكلمةٍ ترحيبيّةٍ جاءَ فيها: آمال والابداع توأمة فنيّة:

يَلذُّ لي جوعي إلى خبزِ إبداعِكِ، وظمئي إلى تدفُّقِكِ اللّغويِّ، لوحاتٍ نهريّةً تنسابُ شعرًا عاشقًا غيورًا، في شعابٍ تطوفُ حولَ عشيقتِها؛ كعبةِ الكلام.

كيف لا، وأنتِ الفراشةُ مِن حِبرٍ تُتقِنُ الدّخولَ خلفَ الكلمة، وتؤمنُ أنّ الكتابةَ مَشروعٌ شخصيٌّ ورحلةٌ، فصمّمْتِ ألاّ تقومي بها إلاّ وأنتِ مسافرةٌ وحدَكِ. لماذا؟ لأنّكِ مُفعمةٌ بالوعيِ الجَماليِّ في استثمارِ فضاءاتِ النّصِّ على مُختلفِ أنواعِها، وتَختزنينَ المشاعرَ والأحاسيسَ القويّةَ، لذلك قرّرتِ التّخلّصَ مِن النّفيِ اللّغويّ، ليظلَّ إبداعُكِ زفّةَ حُروفٍ مُترَعَةٍ بالتّغييرِ، ولتظلَّ كلماتُهُ أزهارًا تزخرُ بالرّحيق، وتداعب صهيلَ المعنى الدّاخليّ، لغةً مُكثّفةً نابضةً غنيّةً بالاستعاراتِ ووجوهِ المَجاز، ولتتجاوزَ الدّلالاتِ العاديّةَ للكلماتِ، ممّا يُبقي شكلَها الإبداعيَّ بَديلًا فيهِ تحَدٍّ للمعاييرِ التّقليديّةِ، كلُّ ذلكَ مِن أجلِ أنْ تَصِلي إلى خطابٍ جديدٍ، يُتيحُ لكِ أن تَنفُذي مِنَ اللّغةِ السّائدةِ إلى الآفاقِ الرّحبةِ، كي تَخرُجي مِنْ سجنِ التّموْضُعِ داخلَ موروثٍ أدبيٍّ خاصٍّ.

آمال.. يا أمل كلّ الآمال..

أعرفُكِ مؤمنةً حقيقيّةً بأنّ الإبداعَ لا يَعيشُ والأضواءُ مُسلّطةٌ عليهِ، لأنّكِ تَرفضينَ أن تكوني مُبدِعةً تبحثُ عن الشّهرةِ المُزيّفةِ والضّجّةِ الجوفاءِ، وحتّى لا تُغادرُنا عناوينُ الحُروفِ، تُصرّينَ الخُروجَ كلَّ صباحٍ فراشةً، زوّادتُها ورقٌ وقلمٌ وحبرٌ، فأنتِ والكلمةُ تعيشانِ توأمةً فنّيّةً، تَسعى إلى السّموّ الإبداعيِّ الّذي يَنسابُ دفقاتٍ عذبةً.

 

وجاءَ في مداخلةِ الشاعر د. فهد أبو خضرة :

"النّوعيّةُ حولَ موضوعِ المُغامرةِ اللّغويّةِ والتّحدّياتِ": كلُّ تجديدٍ في اللّغةِ هو مُغامرةٌ، وهذهِ المُغامرةُ في تجديدِها هي إحدى الوسائلِ الّتي تُطوِّرُ اللّغةَ، وبدونِ هذهِ المُغامرةِ والتّجديدِ يُمكنُ أن تتجمَّدَ الّلغةُ، وتَفقدَ قدرتَها على الإبداعِ الجيّدِ والتّطوُّرِ ومُعايشةِ العصر، وبناءً على هذا، فالمُغامرةُ مَبدئيًّا هي محاولةٌ ضروريّةٌ وهامّةٌ وإيجابيّةٌ، ومدى القبولِ للتّجديدِ يُقرّرُهُ المُبدعونَ الآخرونَ والسّنواتُ القادمةُ، فبعضُ هذهِ المُحاولاتِ يَنجحُ، مثلَ الأحرفِ المُقطّعةِ الّتي باتَتْ تحتلُّ مكانًا بارزًا في الشّعريّةِ الحديثةِ، وبعضُها يُثيرُ تحفّظاتٍ، لأنّهُ يمَسُّ بأصولِ اللّغةِ، مثل تَعْدِيَةِ الفِعلِ اللاّزم، وجعْلِ الأفعالِ العاديّة مثل أفعال القلوب، ولكن حتّى هذهِ يجبُ ألّا تكونَ مرفوضةً، وما بَعدَ الحداثةِ هذهِ المُحاولاتُ تَتماشى مع ما يَحدثُ في أدبِ ما بَعدَ الحداثةِ في العالم، سواءً اطّلعَ عليهِ شعراؤُنا أم لم يَطّلِعوا.

في كلِّ هذا التّجديدِ والمُغامراتِ والانزياحِ والأبعادِ في الاستعارةِ والإغرابِ شواهِدُ متشابهةٌ، ممّا يَدلُّ على أنّ هذا تيّارٌ عالميٌّ، ويَبدو أنّ الوقوفَ أمامَهُ ليسَ أمرًا سهلًا، والظّاهرُ أنّهُ يَنتشرُ خاصّةً في الكتاباتِ النّسائيّةِ، وهو جزءٌ ممّا بَعدَ الحداثةِ، كنوعٍ مِنَ الثّورةِ النّسائيّةِ على الأدبِ الرّجوليِّ الذّكوريّ، وحتّى في الأدبِ العربيّ، فكتابةُ الشّعرِ المنثورِ هو غالبٌ في الكتابةِ النسائيّة كنوعٍ مِنَ التّمرّد.

وعن قبولِ الآخَرِ يَجبُ أن يكونَ هناكَ نوعٌ مِنَ القبولِ لهذا الاتّجاهِ، ويَجبُ على هذا الاتّجاهِ قبولَ التّياراتِ الأخرى إيجابيًّا، وإلّا فهناك صراعاتٌ ممكن أنْ تنشأَ دونَ أن يستفيدَ منها أحدٌ، وهناكَ شواهِدُ على ما قلنا في كتاب "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ": هناك إضافاتٌ غيرُ مألوفةٍ: اِستدِرْ حَيْثُكَ؛ ص 122 أي حيْثُ أنتَ، مِئةُ عيونِكَ، بدلْ مِئةُ عيْنِكَ ص 112، اُنثرْ مئةَ عيونِهِ شموعًا ص 112، كماكَ ص 108 أي كما أنتَ وغيرها.

اشتقاقاتٌ غيرُ مألوفةٍ: ماضٍ تحَلْزَنَ بالحُزن ص 122، زوْبَعَتْني ص 112، كم شعشَعَ مُتفَيْرِزًا ص 122، فيرِزي صدْرَ سمائِي ص 119، كوْثِري نهرَ قلبِي ص 119، تُسَدّرُني بدعواتِ مَلائكتِكِ ص 119 مِن سُدرةِ المنتهى.

نُعوتٌ غيرُ مألوفة: مِنْ موجِها العَشتارِ ص 123.

تعْدِيَةُ الفِعلِ الّلازم: وتُلوّحُني مناديلُ الوداعِ ص 115، اُ ق ط ر ن ي ص 109 كأفعالِ القُلوبِ فيها الفاعلُ والمفعولُ واحد، يَتثاءَبُكِ ص 105، يَنبضُني جنونُ ضوئِهِ ص 106.

الاستعاراتُ البعيدةُ تَحتاجُ إلى خَيالٍ وتُشكّلُ صعوبةً: لا تَجُزِّي لؤلؤَ نبْضي ص 126، وفي شِعابِ غصّةِ اضمِحْلالي ص 107، الصّهيلُ الموشومُ بالنّدى ص 121، فكيفَ بالصّهيلِ المسموعِ والنّدى يَقَعُ على المَلموسِ؟ أمواهُ نارٍ ص 121، رمالُ الآهِ ص 121، في سراويلِ دَهرٍ ضارٍ ص 122، مُطعّمة ببياضِ وفائِكِ ص 119، تَغزلُ برموشِ حروفِكِ ص 111، وغيرها كثيرٌ جدّا.

تكرارُ الحروفِ بهدفِ الإيحاءِ بتِكرارِها لفظًا: ص 122 دُرْررررر، ص 103 آآآآآآآآآه، ص 105 تخوووووور وغيرها.

كلماتٌ بحروفٍ مُتقطّعةٍ أفقيّةً وعموديّةً تُشكّلُ معناها: و نَ ف ي ضُ صلاةَ صمتٍ ص 119، عَ لّ قْ تُ كِ ص 113، تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ ص 108، أَ شَ عَّ ن ي ، اِ سْ تَ عْ مَ رَ ن ي، وغيرها كثير.

قصيدةُ "فوضى ألواني المُشاكسة": الفِعلُ تَوارفَ غيرُ موجودٍ في المَعاجم، وَرَفَ الظّلُّ وأوْرَفَ الظِّلُّ، أي امتدَّ واتَّسعَ وصارَ وارفًا، لهذا فإنَّ قوْلَها توارفْتِ ضبابًا، يَحملُ صيغةً جديدةً للأصلِ وَرَفَ لها نفس المعنى.

رَهيفٌ مِنَ الأصلِ رَهُفَ يرهُفُ رهافةً ورهفًا، دقَّ ولطُفَ فهو رَهيفٌ، وقد استُعْمِلتِ الكلمةُ صفةً للجسم والخصر والسّيف، ووصفَ الشّعراءُ وغيرُهم الشّعورَ بقوْلِهم شعورًا مُرهفًا، أي لطيفًا ورقيقًا سريعَ التّأثّر، ولم يُوصَفُ الخطوُ بأنّهُ رهيفٌ، والمقصودُ أنّه لطيفٌ، وهذا الضّبابُ يُواعِدُ ظِباءَ روحِها (روح الشّاعرة)، ولعلّها تقصدُ روحَها الّتي تُشبهُ الظّباء.

بَحّةٌ ترامَحَتْ بباحاتِ بوْحي: الفِعلُ تَرامحَ مُرتبطٌ بالرّمح، يُقالُ تَرامَحَ القومُ أي تطاعَنوا بالرّماح، وهنا لا يُمكنُ أن يكونَ المَعنى المُعجميُّ هو المَقصودُ، ولعلّها أصبحتْ كالرّمح؟ باحاتُ بوْحي أي ساحاتُ اعترافي وتَعبيري.

غمَسْتِ أصابعَ نقاوتِكِ بفمِ أحلامٍ تشتعِلُ: جَعلتْ للنّقاوةِ أصابعَ، وللأحلامِ فمًا، وجعلتِ الأحلامَ تشتعلُ.

ومِن كوّةِ عتمتي سطعتِ أرتالَ أنوثةٍ صافيةٍ، أقربُ ما يكونُ للفهمِ والشّرحِ.

مددْتُ يَدي لألتقِطَ وهَجًا أسطوريًّا/ يُرمّمُ ظلِّيَ الهُلاميَّ! الهُلاميُّ الّذي يُشبهُ الهُلامَ، وهو مادّةٌ تُستخْرَجُ مِنَ الأنسجةِ الحيوانيّةِ، والظِّلُّ هُلامِيٌّ، أي وصفُ المَرئيِّ الّذي لا جِسمَ لهُ، وتُصوُّرُ الظِّلِّ الهُلاميِّ ليسَ سهلًا.

لكنّكِ أغمَضْتِ ورودَ غموضِكِ: جعلتْ للغموضِ ورودًا على طريقةِ الاستعارةِ المَكنيّةِ. ورشَقْتِ شقاوتِكِ المُشِعّةَ؛ جعلتِ الشّقاوةَ مُشِعّةً ولها سهمًا.

وانخطافًا اصطدْتِني، وتقصدُ اصطدتِني استِلابًا وانتزاعًا، معَ أنّ الفِعلَ انخطفَ لم يرِدْ في المَعاجمِ، إلّا أنّنا نستطيعُ اعتبارَهُ مُطاوعَ خطفَ أو اختطفَ قياسًا.

"كيف ذا.. وأنا مَنِ انْسَلَّ مِن خُرْمِ مُستحيلٍ؟" جعلَتْ للمُستحيلِ خرمًا على طريقةِ الاستعارةِ المَكنيّة، وتصَوُّرُ هذا الخرْم أمرٌ متعذّر!

وفي مُداخلةِ الشّاعر والنّاقد الدكتور منير توما حول: "الطّبيعةُ البنائيّةُ في قصائدِ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودِ" لآمال رضوان: قصائدُها ذات مزاجيّةٍ انفعاليّةٍ إيقاعيّةٍ هادئة، مِن خلال حرّيّةٍ لا تُلمَس، وعطرٍ لا يُلتقَطُ. ويقولُ أدونيس مُوضِّحًا معنى الكلمةَ في الشّعر: "إنّ للكلمةِ عادةً معنًى مُباشرًا، ولكنّها في الشّعرِ تتجاوزُهُ إلى معنى أوسعَ وأعمقَ، لا بُدّ للكلمةِ في الشّعرِ مِن أنْ تعْلُوَ على ذاتِها، وأن تزخرَ بأكثرَ ممّا تَعِدُ به، وأن تُشيرَ إلى أكثرَ ممّا تقولُ". هكذا كانت كلماتُ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان في مجموعتِها الشّعريّةِ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ"، فالكلمةُ في الشّعر وفقًا لأدونيس ليستْ مجموعةً متآلِفةً مِنَ الأصواتِ، تدلُّ اصطلاحًا على واقعٍ أو شيءٍ ما، وإنّما هي صورةٌ صوتيّةٌ وحدْسيّةٌ، وهذه المعاني نَلمَسُها في قصائدِ المجموعةِ الشّعريّةِ هذهِ، ومعظمُ القصائدِ فيها مَبنيّةٌ على أساسِ الرّجُلِ للأنثى، باعتبارِ الرّجُلِ أو الذّكَرِ عاشقًا للمرأة، أو الأنثى موضوعَ الخطابِ الشّعريِّ، حيثُ يَتمثّلُ المَشهدُ في هذهِ القصائدِ، في سيطرةِ نمطِ القصيدةِ الغنائيّةِ على مُجملِ تجربةِ شاعرتِنا هنا، فالقصيدةُ لديها تقولُ بوْحَ الذّات، همومَها، صدْمَها إزاءَ الآخَر، وما إلى ذلك مِن خصوصيّاتِ الإنسانِ العاشقِ والمعشوقِ، ولعلَّ القضيّةَ الرّئيسيّةَ، الّتي تُثري قصائدَ المجموعةِ، سيطرةُ ضميرِ الأنا، وبالتّالي، القصيدةُ الغنائيّةُ في مُجملِ المَشهدِ الشِّعريِّ عندَ آمال، إنّما يَتمثّلُ في تضخيمِ أنا الشّاعر، لتصيرَ هي المَرجعُ الرّئيسيّ لكلّ شيءٍ، وهي الحُكْمُ والحالةُ، وبالتّالي، دوَرانُ ثيماتِ النّصِّ حولَ ذاتِ الشّاعرة، ممّا يُقلّلُ مِن إمكانيّةِ التقاطٍ جمْعِيٍّ، لأنّ الذّاتَ لا تَرى إلّا خصوصيّتَها وخصوصيّةَ وعْيِها وموْقفِها، باعتبارِ هذا الوعيِ والموقفِ هُما الحقيقةُ الوحيدةُ المقبولةُ، وتَظلُّ عندَها مهارةُ الشّاعرةِ في البناءِ، وفي التقاطِ اليوْميِّ، وإعادةِ توظيفِهِ، وبناءِ التّفاصيلِ عبْرَ انزياحاتِ الّلغةِ، وعن طريق الصّورةِ الشّعريّةِ، ما يُميّزُ شاعرتَنا في هذا الإطار، فالكلمةُ الشّعريّةُ نابضةٌ بالعذوبةِ والحيويّة.

ص21 – كم موجِعٌ ألّا تكوني أنا": أنوثةً طاغيةً/ راقصْتُكِ على هفيفِ قُبلةٍ/ وفي رحابِ جنّتِكِ المُترَفةِ باعتكافِكِ الأثيريِّ/ غزلتُ مَلامحَ أصدائِكِ بحرائرِ الغوايةِ/ أيا ساحرةَ أشجاني/ كيفَ تلاشيْتُ.. قبلَ أنْ تندَهَني مَلائكةُ الرّوحِ؟ إنّ الأنا في هذا النّصِّ الشِّعريِّ تَفرضُ حُضورَها، على مُجملِ المَشهدِ الشّعريِّ لدى شاعرتِنا آمال عوّاد رضوان، ولو حاولنا التّوسُّعَ، فإنّنا نُشيرُ إلى الاقتباسِ مِن قصيدةِ: "وحدَكِ تُجيدينَ قراءةَ حرائقي" ص 27: منْ إِبطِ القمرِ/ تسلّلتُ أتأبّطُ هلالًا/ أطوي أحشاءَ المُزنِ ببطنِ السّحُبِ/ وعيني الوعرةُ تطوفُ بفراغٍ نيِّءٍ/ تَتلمّسُ ظِلَّ حوريّةٍ أمْتطيهِ إلى سُلّمِ العُذريّةِ!/ أيَا مَالِكةَ وحشي المُجَنّحِ/ إلى جزيرةِ عِفّتِكِ خذي بيَدِ ولَهي/ ذاك حجَلي المَشبوبُ/ منذُ الأزلِ .. حطَّ على فننِ زماني الصّدئِ: إنّ حضورَ الأنا يأخذُ دورَهُ الفاعلَ والمُباشرَ هنا، دونَ أيِّ إيهامٍ بوجودِ امتدادٍ أو بديلٍ للحضورِ الطّاغي للأنا.

وتَشهدُ قصيدةُ: "طعمُكِ مفعمٌ بعطرِ الآلهة" ص31 حيث جاءَ في مستهلّها: كؤوسُ ذكراكِ/ حطّمتني على شفاهِ فرحٍ/ لمْ ينسَ طعْمَكِ المُفعَمَ بعِطرِ الآلهة/ وأنا/ ما فتئتُ خيطًا معلّقًا بفضاءِ عينيْكِ/ ما نضُبتْ علائقي الورديّةُ منكِ/ ولا/ مِن نضرةِ سماواتٍ مرصّعةٍ بانثيالاتِكِ اللاّزورديّة! فنجدُ في الأسطرِ الأخيرةِ مِن هذا النّصّ إحالاتٍ إلى الأنا في مواجهةِ ذاتِها.

قضيّةٌ أخرى تُثيرُها القصائدُ الغنائيّةُ في هذهِ المجموعةِ الشِّعريَّةِ، تتمثّلُ نتاجًا لتمرْكُزِ النّصِّ الشِّعريِّ حوْلَ الذّات، بالتّالي تصيرُ الذّاتُ بديلًا للموضوعِ الآخَرِ، هنا يَحدُثُ تغييبٌ للموضوعيِّ على حسابِ الذّات، ممّا يتسبّبُ في حدوثِ انغلاقٍ للنّصّ على ذاتِه، حيث تُوظِّفُ شاعرتُنا هنا العامَّ في همِّها الخاصِّ، في تَركُّزِها حولَ ذاتِها بلسان الرّجل المُتكلّم، ومِن هنا تبرزُ قضيّةٌ مُهمّةٌ في قصائدِ هذهِ المجموعةِ الغنائيّةِ، والمتمثّلةُ في غياب "الثّيماتِ" العامّة، ممّا يَستتبعُ بالضّرورةِ استحالةَ قراءةِ العامِّ مِن خلالِ الخاصِّ، أي أنَّ الخاصَّ بتمَرْكُزِهِ الشّديدِ حوْلَ ذاتِهِ، يُفقِدُ تَواصلَهُ مع العامّ. إنّ الغيابَ الجزئيَّ للموضوعيِّ العامِّ في قصائدِ المجموعةِ، قدْ دَفعَ شاعرتَنا بمهارةٍ وانسيابيّةٍ دافقةٍ إلى تعويضِ النّصِّ في ثيماتِها القيميَّة العامَّة، إلى البحثِ عن تعويضٍ جَماليٍّ أو فنّيٍّ، تَمثَّلَ في حِرْصِها الشّديدِ على إبرازِ الصّورةِ الشِّعريَّةِ، والمُبالغةِ في الاعتناءِ بها، والتّعامُلِ معَها باعتبارِها هدفًا وليسَ وسيلةً، وكذلك التّركيزِ على الانزياحاتِ اللّغويّةِ، باعتبارِها لعبةً شكليّةً أكثرَ ممّا هي معاناة، علاوةً على أنّ الكثيرَ مِن الأنساقِ اللّغويّةِ المُستخدَمَةِ لدى شاعرتِنا، تتميّزُ بكثرةِ النّعوتِ أو توالي الصّفاتِ، حيثُ أنّ مُجمَلَ هذه الصّفاتِ تجيءُ باعتبارِها ضرورةً بنائيّةً داخلَ الجُملةِ الشّعريّةِ، يتأثّرُ بها المعنى والمبنى. ومِن أمثلةِ هذه الصّفاتِ أو النّعوتِ الواردةِ في قصائدِ المجموعةِ: نسيمُكِ الضّوئيّ، كوخي النّاعس، فضاءاتي الجداريّة، مطرًا عاصفًا ص71، دمعة ملجومة، إبائِكِ الوضّاء ص 75، طيني الباكي، رعودك الذابلة ص 80، فضائِكِ المائيّ، تقشُّفي الوثنيّ ص 105، وغير ذلك مِن الأمثلة الّتي يَضيقُ بها المكانُ لذِكرها. إنّ ما تكتبُهُ آمال عوّاد رضوان في هذه المجموعةِ قصائدُ عاطفيّةٌ رومنسيّةٌ مُباشِرةٌ وعاليةٌ، بلغةٍ شفّافةٍ رقيقةٍ يَحتلُّ فيها الخطابُ البؤرةَ، حيثُ يَظلُّ التّركيزُ على ما نقولُ وليسَ كيفَ نقول.

ص 71- 73 مِن قصيدةِ "لِلَوْعَةِ العَتماتِ نَذرْتُكِ": أيا مائيّةَ ابتهالاتي/ يا مَن انبجسَ نسيمُكِ الضّوئيّ/ واطئًا مُنحدراتِ كوخي النّاعسِ/ وهفهفتِ بفضاءاتي الجداريّةِ/ تنقشين فراغيَ الوثيرَ بمخالبِ أجنحتِكِ! يا أنتِ التتّقدينَ مطرًا عاصفًا/ وتنداحينَ ريحَ خيالاتٍ على ضفافِ جناني الخوالي!/ أنا مَن تأهّبتُ لمصابيحِ روحِكِ/ تُشعّني أعراسَ فرحٍ/ وفي دُروبِ الولادةِ / تتهجّاني ظلالَ حُلمٍ نافرٍ/ لكَمْ وكم وكَم نذرتُكِ للوعةِ العتماتِ!

تعتمدُ الشّاعرة في هذه النّصوص أسلوبَ التقاطِ المَشاهدِ الجزئيّة، عبْرَ تصويرٍ مُباشرٍ في الغالبِ لحدَثٍ، واستخدامِ الاستعاراتِ الآسرةِ والمَجازِ اللّغويِّ الواضح، وهنا تبرُزُ مهارةُ شاعرتِنا في اختيارِ وتوزيع المَشاهدِ الجزئيّةِ داخلَ العمل. إنّ قصائدَ آمال عوّاد رضوان في هذه المجموعةِ تعتمدُ أفكارًا تصويريّةً، فيها كثيرٌ مِنَ الإحساسِ، تجري صياغتُها بلغةٍ شعريّةٍ، تعتمدُ الصّورةَ الجزئيّةَ الّتي تتكاملُ معًا، لتُشكّلَ معَ نهايةِ القصيدةِ صورةً كلّيّةً، هي القصيدةُ ذاتُها، بحيثُ تُصبحُ الفكرةُ الرّئيسيّةُ في القصيدةِ هي عنوانُ القصيدةِ في الغالب. تمتازُ قصائدُ شاعرتِنا بالرّغبةِ في الانطلاقِ والمُغامرةِ والبحثِ عن جديدٍ، فهي أقربُ إلى النوستالجيا العاطفيّةِ الثقافيّةِ، ويَظَلُّ الشِّعرُ في هذهِ المَجموعةِ أمينًا على جوِّ الغنائيّةِ، بمَفهومِ بوْحِ الذّاتِ ورؤيةِ الذّاتِ، فالآخَرُ في المَشهدِ الشّعريّ ما هو إلّا صورةَ الذّاتِ نفسَها، أو ذات الشاعرة تُحاورُ ظلّها الآخر، حتّى ولو كانَ هذا الآخَرُ هو الحبيبةُ التي تمتزجُ أو تتداخلُ دلالتُها في قصائدِ آمال، بينَ الحبيبةِ الأنثى والحبيبِ الرّجُلِ، في مُزاوَجةٍ لا يَكادُ يُمكنُ الفصْلُ بينَهُما أو تحديدُهُما.

ص 104 قصيدة (عين إبرتي تتثاءبُكِ): صوتُكِ الممشوقُ بربريٌّ/ تربّعَ على عرشِ سهري في ا مْ تِ دَ ا دِ ي/ وتوالدَ حريرَ فقدٍ في كفوفِ لوعتي! كيفَ التفّتْ خيوطُ شقاوتِكِ طوقَ ريحٍ شجيّةٍ تُلملمُني؟/ كيفَ جعلتِ أطرافَ ليلِكِ الموصَدِ ملاذَ حُلمٍ؟/ صوتُكِ الذّهبِيُّ/ بغفلةٍ مِن عينِ قدرٍ تنفّستُ روحَهُ وامتثلْتُ غِيًّا/ تريّشْتُ.. وما تريّثت!/ خلجاتُكِ أنثويّةُ الصّخبِ مسّتْ شفتيّ بشهدِ الآلهةِ/ صاغتْ دمي تِرياقَ مُتيّمٍ/ وما صحوتُ من حُمّى سُكْري النّكتاريِّ/ إنّما.. طوتني بركةً سماويّةً في مراتعِ قلبٍ لانَ/ وما هانَ ربُّ المكان!

وأخيرًا يتّضحُ لنا ممّا تقدّمَ أنّ شاعرتَنا قد أكثرَتْ مِن استخدامِ الصُّوَرِ والأخيلةِ والاستعاراتِ، الّتي طغَتْ بشكلٍ بارزٍ على قصائدِ المجموعةِ، ممّا يُضافُ إلى الرّصيدِ الفنّيِّ لشاعرتنا، وذلك انطلاقًا لذكرى تجربةٍ عاطفيّةٍ أو إدراكيّةٍ غابرةٍ، ليستْ بالضّرورةِ بَصريّة، وكما عرّفها عزرا باوند: إنّ الصّورةَ هي "تلكَ الّتي تُقدِّمُ عقدةً فكريّةً وعاطفيّةً في برهةٍ مِنَ الزّمن، وهي توحيدٌ لأفكارٍ مُتفاوتة". أمّا فيما يَتعلّقُ بالاستخدامِ الطّاغي للاستعاراتِ عندَ شاعرتِنا، فإنّ ذلك يُضفي جَماليّةً على شِعرِها، لا سيّما وأنّ الاستعارةَ هي بُنيةٌ مَجازيّةٌ أساسًا، والمَجازُ يُشكّلُ ركنًا أساسيًّا في الشّعرِ الحديث، هذا المجازُ الّذي يُخرجُ "الواقع مِن سياقِهِ الأليفِ، فيما يُخرجُ الكلماتِ الّتي تتحدّثُ عنهُ مِن سِياقِها الأليفِ، ويُغيِّرُ معناهُ فيما يُغيِّرُ معناها، مُقيمًا في ذلكَ علاقاتٍ جديدةً بينَ الكلمةِ والكلمةِ، وبينَ الكلمةِ والواقع، مُغيّرًا صورةَ الكلامِ وصورةَ الواقعِ معًا"، على حدِّ تعبيرِ أدونيس. ورُبَّ قائلٍ يَقولُ في نهايةِ مداخلتي هذهِ، إنّني لم أتناولْ شِعرَ آمال عوّاد رضوان بالتفسيرِ في مجموعتِها الشّعريَّةِ هذه "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ"، فأجيبُهُ بما قالَهُ الشّاعرُ الّلبنانيُّ هنري زغيب: "كما الحرّيّةُ لا تُلمَس، والعِطرُ لا يُلتقَطُ، هكذا الشِّعرُ لا يُفسَّرُ، بل يُمارَسُ ويُعاش تَلقّيهِ في الإحساس به، هو هو تفسيرُهُ بكلّ وضوحِهِ، إنّه انفعالٌ وهنا مزاجيّتُهُ، ولكلّ انفعالٍ إيقاعٌ، غرابةٌ ونضارةٌ تضمّانِ كلَّ المَعرفةِ وكلَّ الكوْنِ، في مزيجٍ عجيبٍ لا يُمكنُ تفسيرُهُ".

وفي مُداخلةِ الشاعرة هيام قبلان: "قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ "مُزنّرٌ بمئزرِ ملاكي" للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، من مجموعتها الشّعريّةِ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ":

تنهضُ طفلةُ الرّمادِ، لتُلملمَ حلمًا سُفِكَ على أعتابِ وطنٍ صَعقَهُ النّزفُ، وتثاءبَ على دمْعِهِ الانتظارُ، تحمِلُ نايَ الحزنِ لتصَنعَ مِن المستحيلِ إشراقاتِها المُجنّحةِ، فتتَصاعدُ بها إلى لغةِ الجنونِ والحُلم، تُمارسُ هناكَ طقوسُ التّطهيرِ مِن أجلِ ولادةٍ نقيّةٍ، تُطلُّ ببهجتِها مِن نافذتيْن، تَهشَّمَ على زجاجِهِما الممنوعُ والمُغيّبُ، باعتبار أنّ الجنونَ والحُلمَ يُشخّصانِ عالمَيْنِ مِنَ المُحرَّمِ والمَحظورِ، قد تعتبرُهُما الشّاعرةُ مُحَفِّزيْنِ للتّمرّدِ والتّعبيرِ عن الفقدِ والغياب. الجنونُ في رحلةِ آمال هو التّحرّرُ مِن النّمطيّةِ، والانطلاقُ في الإيقاعِ الّذي شكّلَ في قصائدِها لغةً إبداعيّةً مُغايرةً، تجاوزَتِ المألوفَ عليهِ مِن أبعادٍ وانزياحاتٍ، وصورٍ شعريّة، ومِن تغريبٍ للذّاتِ المُتكلِّمةِ الّتي استبدَلتْها بصوتٍ ذكوريٍّ في قصائدِها.

وعلى حدِّ تعبير ميشال فوكو:"إنَّ الجنونَ يُعدُّ أحدُ أشكالِ العقلِ، حين يَندمجُ فيهِ صانعًا إحدى قواهُ الخفيّة، أو لحظةً مِن لحظاتِ التّجلّي وبشكلٍ متناقض". ولا ننسى أنَّ الكتابةَ بلغةِ الجنون والحُلم تُثري مِن الدّلالاتِ والرّمزِ، لتعديلِ المُنكسِر والمُهشّم الّذي تَراهُ الشّاعرةُ، فالحُلمُ يأخذُنا إلى البحثِ عن الذّاتِ الحقيقيّةِ، كي نستطيعَ أن نُشيرَ إلى أماكنِ الضّعفِ فينا مِن خيبةٍ وفقدانٍ وخسارةٍ، فيتَّحدُ الحُلمُ بالجنونِ، رغبةً في المغامرةِ في لحظاتِ رحيلِ الرّوح مِن الجسدِ أثناءَ النّوم، فإنّهُ أشبهُ بتعويضٍ عنِ الواقعِ المُعاشِ في الحُلمِ الكتابيِّ الإبداعيّ وحُلمِ اليقظةِ، ومِن هنا تحاولُ آمال خلْقَ توازنٍ نفسيٍّ للذّاتِ لتنقيّتِها، مِن خلالِ التّخيُّلِ الأفضلِ، واللّجوءِ إلى حضنٍ ومكانٍ تُحقّقُ فيهما رغبتَها المتمرّدة.

أعودُ إلى مَقولةِ ماكسيم جوركي: "جئتُ للعالمِ لكيْ أختلفَ معَهُ"، وذلك يقودُنا إلى اللّغةِ المتمرّدةِ بشهوةِ الكلام المتزنّرةِ بمفرداتٍ تجاوزتِ الجُملةَ العاديّةَ، ومِن هذا المُنطَلَقِ، فَضّلتُ أن أتناولَ قصيدةً مِن المجموعةِ، قد تتوافقُ بصورةٍ أو بأخرى معَ الرّغبةِ بالخروجِ عن المألوفِ، لتحقيقِ المستحيلِ عندَ الشاعرة، مُزّنَّرٌ بِمِئْزَرِ مَلاَكِي ص 91: مفتونٌ بليلِكِ العاري يَلبسُني عَهدًا/ يَتأبّطُني على حافّةِ الأفق/ أنا المسكونُ بِملامحِ براءتِكِ! لكِن/ وَحْيَكِ الأرعنَ راعٍ وَحشِيٌّ ثائر/ يَ تَ وَ ا ثَ بُ/ من مرعًى إلى مرمى/ يُطاردُ قطعانَ تَراتيلي/ في معابرِ معابدي/ يُثيرُ غُبارَ أنفاسِك/ على مَرمى خُطى القرنفلِ؛

لغةٌ ساخنة تلتقطُ تمزّقاتٍ جريحةً بضميرِ المتكلّم الرّجل في القصيدة، وبتوجُّهِ الدّالّ للمدلول بكتابةٍ تُدهِشُ بمُتناقضاتِها، حينَ يكونُ الفاعلُ المُتكلّمُ هو المفتونُ بليلِها العاري، ليتحوّلَ اللّيلُ إلى فاعلٍ آخرَ، يُرخي على المتكلّمِ رداءً يَلبسُهُ، كما وثيقةُ التّعهّدِ إلى الأبد، بالرّغم مِن أنّهُ مفتونٌ بالعُري، إلاّ أنّهُ يقودُنا إلى اللّذةِ حين يتأبّطُ اللّيلُ صديقًا لهُ، ليَصلَ إلى حافّةِ الأفق، لتَبدُوَ اللّذةُ هنا وليدةَ الرّغبةِ، بتفادي لحظاتٍ قادمةٍ تُراودُ المسكونُ بملامحِها البريئة، و"لكن"؛ المَفصَلَ بينَ الشّعورِ باللّذةِ وبين وحْيِها الأرعن، إذ تتغيّرُ لهجةُ الخطابِ في النّصِّ، حيثُ لحظةُ الكشْفِ تُثيرُ في القارىءِ الخوْفَ مِن هذهِ اللّغةِ الحَرونِ المُتمرّدةِ للشّاعرة، فالوحيُ ما هو إلّا "راعيًا وحشيًّا ثائرًا"، أمّا مَلامحُها البريئةُ الّتي سَكنَتِ العاشقَ، فتتحوّلُ إلى ملامحَ ثائرةٍ هائجةٍ تتواثبُ لمطاردةٍ وحشيّةٍ، مِن المَرعى الوديع إلى المَرمى، حيثُ يُطاردُ الرّاعي قطعانَ تراتيلِهِ، في معبدٍ يتحوّلُ إلى ساحةِ معركةٍ شبيهةٍ بمطاردةِ الثيران، يَعلوها الغبارُ، وما الغبارُ إلّا أنفاسَها الثّائرة، فيناديها: "يا البرّيّةُ الشّهيّةُ"، الّتي ليستْ على مَرمى حجَرٍ، بل على بُعدِ خطوةٍ مِنَ القرنفلِ، بينَ لحظةِ الحُلمِ وتحقيقِهِ تنفلتُ "الشّهقة مِن رئةٍ مفتونةٍ حُبًّا بها"، وهي "تزفرُهُ هزيمةً مُحرّمةً:  

"يا البرّيّةُ الشّهيّةُ/ بِرئةٍ مفتونةٍ شهقتُكِ حُبًّا/ لِمَ زفَرْتِني هزيمةً مُحَرّمةً في أزقّتِكِ الزّهراءِ/ تُطَوّقينني بأزيزِ الرُموزِ؟" وكأنّ الرّموزَ في لغةِ الجنونِ والحُلم تُطلِقُ رصاصاتِها، مُعلِنةً عن الحدِّ الفاصلِ بينَ المُحرَّمِ والمَرغوب. وهنا لا بدّ أن أتوقّفَ للتّنويهِ، بأنّ آمال أكثرتْ مِنَ استخدامِ حرفِ الزّاي، الّذي يُعَدُّ مِنَ الحروفِ الأسليّة، ومصدرُها مِن "أسلة" اللّسان، أي طرفُهُ الآخَر إذا كانَ يابسًا على النُّطقِ بحُروفِ الصّفير، مثل "السّين والصّاد والزّاي"، وهي الحروفُ الأسليّة، وفي بحثِ الصّوتيّاتِ لابنِ جني في كتابِهِ "سرُّ صناعةِ الإعراب"، فقد ذكرَ أحوالَ الحروفِ مُنفرِدةً، أو مُنتزِعةً مِن أبنيةِ الكلمةِ الّتي هي مصوغة فيها، ودراسةُ الحروفِ يَعتبرُها ابنُ جني عِلمًا قائمًا بحدِّ ذاتِهِ، لا يَقلُّ أهمّيّةً عن الصّرفِ والنّحوِ، واكتفى ابنُ جني بذِكْرِ الأعضاءِ الّتي تُؤلّفُ الجهازَ الصّوتيَّ على حدِّ قوْلِهِ: "الصّدْرَ والحَلْقَ والفَمَ والأنفَ". وكانَ العربُ قد خصُّوا كلَّ قسمٍ مِن أقسامِ اللّسانِ باسمٍ خاصٍّ فقالوا: "عُكْدَةُ الّلسان" أيّ أصْلُهُ، "أسلة الّلسان" أيّ طرفُهُ الآخَرُ اليابسُ عن النُّطقِ بحُروفِ الصّفيرِ، وهذا ما نحن بصددِهِ هنا. هكذا بتِكرارِ حرفِ الزّاي في الأبياتِ الّتي أمامَنا دلالةٌ، على أنّ الحُلمَ والأملَ كالفرحِ المكبوتِ المَبحوحِ اليابسِ تحتَ الّلسانِ، فحرفُ الزّاي كالصّاد والسّين، حيثُ يَلتقي طرفُ اللّسانِ بالأسنانِ، بغضِّ النّظرِ من التِقاءِ مقدمِ اللّسانِ باللّثّةِ، وهذا الالتقاءُ هو الّذي يُحدِثُ احتكاكًا يُؤدّي إلى النُّطق بالزّاي والصّاد والسّين، حيثُ أنّ حرفَ الزّاي المُتكرّرَ حرفٌ مجهورٌ، أي في حالِ النُّطقِ بالصّوتِ المجهورِ تَقتربُ الأوتارُ الصّوتيّةُ أثناءَ مرورِ الهواء، فيَضيقُ الفَراغُ ولا يَمرُّ النّفَسُ إلاّ باهتزازِ الأوتارِ، فتَحدُثُ عندَها ظاهرةُ "الجهر، sonorite "، والّتي يُرافقُها ما يُشبهُ "النّفخ" دونَ أن يكونَ لها الضّغطُ نفسُهُ، كحرْفِ الزّايِ والظّاءِ والذّال والضّادّ، وجميعُها حروفٌ مجهورةٌ كالّتي ورَدَتْ في الأبياتِ الشّعريّةِ، وأقتبس: "زفرْتِني، أزقّتُكِ الزّهراء، بأزيز الرّموز"..

وهيَ طبعًا عكسُ الصّوتِ المَهموسِ الّذي لا تَهتزُّ لهُ الأوتارُ الصّوتيّة في حالةِ النّطقِ، وهُنا النّشيجُ والتّشنُّجُ الوَتريُّ أدّى إلى ضيقٍ في النّفس، يكادُ يَصلُ إلى الاختناقِ والتّقطُّعِ، دلالةً على الصّوتِ الأخرسِ نُطقًا. كذلكَ أكثرَتْ مِنَ الأوصافِ والانزياحاتِ لخرْقِ جدارِ الرّموزِ، وتذويتِ اللّغةِ ببصمةٍ تُحيلُنا إلى مُعجمٍ خاصٍّ بالشّاعرةِ، مِن نحْتٍ في الجَمال والأنينِ والحُزنِ والألم.

أمّا الزّمنُ فمُتحوِّلٌ، نرى المُتكلِّمَ يَعودُ إلى الماضي، فيأخذُنا إلى عالمٍ تقاطرَ فيهِ الحُلمُ الوَرديّ برغمِ الحزن، بتوظيفِ رموزٍ تَزحَفُ بنا إلى تصويرٍ لانفعالٍ داخليٍّ، منَحَ الضّميرَ المتكلِّمَ رؤيةً أخرى، تلاقَحَتْ فيها المجازاتُ والأبعادُ لحدِّ السّعادةِ الوهميّةِ، وبجُنوحٍ وصْفيٍّ لمشهدٍ يُصوّرُ تلكَ المُتخيّلة.

للشّاعرة مُفرَداتٌ مِثل: "القوقعة، الغشاء، الشّذرات، العوسج، المغزل"، فترسمُ مشهدًا رائعًا لعمليّةِ ألمٍ لذيذٍ بكلّ مُعاناتِه، استحضرَتْ فيهِ "الحلزونة"، كرافدٍ مُحَرِّكٍ لتعريةِ النّداءاتِ الموشومةِ بالفقدِ والحرمانِ وانزلاقِ المَشاعرِ فتقولُ: كنتُ حلزَوْنَةً تغُطُّ بِسُباتِكِ/ بابَ قوقعةٍ.. قرَعْتِ/ غِشاءَ دَهشةٍ.. شقَقْتِ/ تُنْبينَها بِشذَراتِ رِهامِكِ الأوّل/ وَهادرةً/ سَرَتْ بِعَوْسجي حرارةُ رذاذِكِ المُتَرنِّم.

لماذا اختارتْ آمال الحلزونةَ؟ مِن المعروفِ أنّ القواقعَ تعيشُ داخلَ أصدافٍ، وأصدافُ القواقعِ تُماثِلُ في التّركيبِ أصدافَ المَحارِ واللّزّيقِ، ويوجدُ داخلَ القوقعةِ قلبُها ورئتُها وجميعُ أعضائِها الهامّة، ويستطيعُ القوقعُ عادةً إصلاحَ الصّدفة إذا كُسِرَتْ، ولكن إذا كانَ الكسْرُ خطيرًا، ولمْ يَستطِعِ القوقعُ إصلاحَهُ، فانّه عادةً يَموت.

لقد وظّفَتْ شاعرتُنا في هذه الأبياتِ أفعالًا لاءَمَتِ الإيقاعَ الرّاقصَ السّريعَ، في وصفِ صورةٍ شعريّةٍ لانزلاقِ الحبيبةِ إلى عالمِ العاشِق الّذي اخترَقَتْ بابَ قوقعَتِهِ، بعدَ أن كان في سباتٍ عميقٍ، وشقّتْ غشاءَ دهشتِه، والغشاءُ في الحلزونةِ متواجدٌ على فتحةِ القوقعةِ، ليَحمِيَ الحلزونةَ مِن الجفافِ عندَ سُباتِها، لذا فقدْ كانتِ الحبيبةُ بالنّسبةِ لهُ رذاذَ المطرِ الأوّلِ الهادرِ، الّذي شقَّ غشاءَ قوقعتِهِ برذاذِهِا المُترنِّم، لتُرطّبَ جفافَ عمْرِهِ، وانزلقتْ بهدوءٍ إلى "محبرتِهِ البيضاء النقيّة:

أَعْرَى مِنْ مِغْزَلٍ انْزَلَقْتِ/ إِلى مَحْبَرَتِي الْبَيْضَاء/ حُروفًا رَثَّةً/ ا نْ تَ ثَ رْ تِ/ تَتَدَحْرَجِينَ/ عَلى أَشْواكِ النِّدَاءَاتِ الْمَوْشُومَةِ بِالْفَقْد/ بِأَقْلامِ تَمَرُّغِكِ الْوَدِيعِ/ قَ لَّ مْ تُ/ أَمْواهَ خُطاكِ/ و ا قْ تَ فَ يْ تُ/ سُلاَلَةَ خَوْفِي الْمَخْبُوءِ بِزَهْرِ الزَّعْرُور!ِ

إذن؛ كانَ لها المُخلِّصَ مِن سيْرِها على الأشواكِ، حينَ انزلقتْ إلى محبرتِهِ النّاصعةِ النّقيّةِ بحروفِها الرّثّةِ، وبأقلامِ تمرُّغِها الوديعِ الجميلِ السّاكنِ، قلّمَ مياهَ خطواتِها واقتفى أثرَها. هنا في هذه الصّورة؛ "قلّمتُ أمواهَ خطاك"، تناصٌّ مِن عجائبِ السّيّد المسيح، حين مشى على سطحِ الماءِ، فالسفينةُ الّتي كانَ تَلاميذُهُ في داخلِها قدْ صارتْ في وسطِ البحر، ويَظهرُ أنّ الرّيحَ كانتْ مُضادّةً، فكانتْ تُعاكِسُ السّفينةَ وتَلعبُ بها، حتّى كادتْ تَنقلِبُ، فخافَ التّلاميذُ خوْفًا عظيمًا، وظنّوا أنّ نهايتَهُم قدِ اقترَبَتْ، وعندما رأى المسيحُ تَلاميذُهُ في خوْفِهم، أرادَ أنْ يُهدِّئَ مِنْ روْعِهِم، فذُهِلَ إليهم ماشيًا على الماء، "فلمَّا أبصرَهُ التّلاميذُ ماشيًا على البحرِ اضطربوا قائلينَ: إنّهُ خيالٌ.. ومِنَ الخوْفِ صرَخوا، فلِلوقتِ كلَّمَهُم يسوعُ قائلًا: تشّجعوا أنا هو.. لا تخافوا. (متى 14: 26-33).

وتُضيفُ الشّاعرة آمال: و ا قْ تَ فَ يْ تُ/ سُلالَةَ خَوْفي الْمَخْبُوءِ بِزَهْرِ الزَّعْرُور!ِ وكأنّه الأبُ المُخلّصُ الّذي جاءَ إلى الكينونةِ، ليقتفِيَ أثرَ سلالةِ خوْفِهِ مِنَ المَخبوءِ لَهُ "بزهرِ الزّعرور"! الزّعرورُ نبتةٌ كانتْ تُعرَفُ في القرونِ الوُسطى كرمزٍ "للأملِ" وتأخيرِ العِلل، وتُستخدَمُ اليومَ أيضًا لاضطراباتِ القلبِ ودورانِ الدّم وبخاصّةٍ الذّبحةِ الصّدريّة، وتزيدُ مِن تدفّقِ الدّمِ إلى عضلاتِ القلبِ، وتُعيدُ الخفقانَ السّويَّ إليهِ.

الزّعرورُ مِن فصيلةِ الورديّاتِ، وهي أشجارٌ حَرجيّةٌ متوسّطةُ الحجمِ فروعُها تنتهي بشوْكٍ، وأوراقُها مُجنّحةٌ صلبةٌ كالجِلْدِ، تُزهِرُ أزهارًا بيضاءَ، وأوراقُ الطّلْعِ فيها ورديّةٌ أو حمراءُ، وأثمارُها كرَويّةٌ حمراءُ، تَنبتُ في أسيجةِ الأشجارِ والغاباتِ الصّغيرة.

هناكَ خبّأَ العاشقُ خوْفَهُ، وبحثَ عن الأملِ داخلَ زهرةِ الزّعرورِ، ويُقالُ أيضًا إنّ للزعرورِ فائدةٌ تداوي مرضَ الشّرْجِ والشّفاءِ منهُ، وفي الحالتيْنِ؛ فانَّ هذهِ الصّورةَ بمثابةِ تأكيدٍ على حُبِّهِ وتضحِيتِهِ في سبيلِ إنقاذِها، هو الّذي كانَ يُؤمنُ بها، وقد تابَ على يديْها، بعدَ أن غرفَ مِن مآسي الحياة أشقاها: أَنا الطَّاعِنُ بِالْمَآسي/ بِأَسْفارِ صُفْصُفِ الْفِراخِ/ هَ رَّ بْ تُ كِ/ زَقْزَقَةَ إيمانٍ/ وَبِرَحيقِ تَوْبَةٍ رَقَّيْتُكِ/ لِتُمَوْسقِينِي بِغَيْبوبَتي/ غَديرًا يُناهِدُ غَديرَكِ

هذا هو المفتونُ بليلِها العاري قاسى المصاعبَ والمآسي بأسفارِهِ، منذ أن كانَ فرخًا يرفرفُ ولم ينبتْ زغبُهُ بعد، وهي تأتي تخترقُ حياتَهُ لتعلّمَهُ كيفَ يتوبُ على يديْها هي القدّيسة التي رقّاها مِن العين، لتتموسقَ في داخلِهِ في لحظاتٍ مِن غيبوبةِ الحلم، فيُناهدُ غديرُها غديرَه، ويُردّد: لكِنَّكِ/ مَضَيْتِ بِطَبَاشِيرِي الْحَزِينَةِ تَتَرَصَّدِينَنِي/ تَرْسُمِينَ أَنِينَ أَحْلاَمِي الزَّرْقَاءَ/ سَيْفًا يُغَازِلُ صَيْفًا مَاضِيًا فِي قَلَقِي! كالفَرَسِ الحَرون تمضي تترصّدُهُ، ترسُمُ لهُ أحلامَهُ التي تئنّ، وكأنّها السّيفَ الحادّ القاطعَ الّذي يُغازلُ صيفًا يَمرُّ في قلق.

يا الْمُعْجِزَةُ الْمُزْدَهِرَةُ فِي ثَنايا بَعْثي!/ بِتُؤْدَةِ الشُّمُوسِ الْمُبْتَلَّةِ بِالضِّياءِ/ امْتَشَقْتِ شَقاوَةَ طاؤُوسِ/ لتَغْزِلَ عُيونُ أَرْياشِكِ قَصائِدِي الْمَخْرُوطِيّةَ/ أَنْجُمًا مَسْحُورَةً؛/ تُ عَ لِّ قُ ني/ في رِقْعَةِ سَمائِكِ/ سَريرًا مَثــْ ــقُوبًا/ تَغْفُو فيهِ حَسَراتي!

كالمعجزةِ هي.. ستُزهرُ أيّامَهُ، هي البَعثُ الّذي سيُعيدُهُ للحياةِ مِن جديد، وببطءٍ تتحرّكُ الشّموسُ التي تبلّلتْ بالضّياءِ، هكذا وبكلِّ مُراوغةِ وبشقاوةِ الطّاووس الّذي بعيونِ أرياشِهِ أثّرتْ على قصائدِهِ، لتَغزلَها وتجعلَها أنجُمًا مَسحورة.

وقد وظّفَتِ الشّاعرةُ الطاووسَ رمزًا للشّقاوةِ بعرْضِهِ المُخادعِ، وهو ينشُرُ ذيلَهُ على شكلِ مِروحةٍ، كأنّهُ يُقابلُ أنثاهُ، ويُحاولُ أنْ يُرِيَها وسامتَهُ حتّى تُغرَمَ بهِ، وقدِ اختارَتِ الشاعرةُ ذَكَرَ الطاووس، لأنّهُ حينَ يَنشُرُ ذيلَهُ، تَظهَرُ العيونُ الكثيرةُ ببريقِها السّاحرِ على ذيْلِهِ، فالألوانُ الزّاهيةُ الّتي نَراها هي نتيجة انعكاسِ الضّوء، وانكسارِهِ على السّطوح المختلفةِ للرّيش، ممّا يَمنعُ لونُهُ الحقيقيّ البنيّ مِن الظّهور.

هذا دلالةٌ على العَرْضِ السِّحريِّ المُخادِعِ منها، والّذي رفعَهُ كالأنجُمِ، وعلّقَهُ في رِقعةِ سَمائِها، وألقاهُ على سريرٍ مَثقوبٍ مُهترئٍ تَغفو عليهِ حسراتُهُ، باتَ يُهدّدُهُ بالسّقوطِ مِن علْيائِها وبالموْت، فيتساءلُ متحدِّثًا: أَلَا يَبْزُغُ لَحْدِي الْماكِرُ مُكَلَّلًا/ بِقُزَحِكِ التَّوْأَمِ!؟

حتّى وهو على فِراشِ الموتِ يَحمِلُ الأملَ، بأنْ يَبزُغَ قوْسُ قُزحِها ثانيةً، ليُكلّلَ بهِ لحدَهُ! صورةٌ مُدهِشةٌ لانكسارِ الحُلمِ، واحتقانِ الأملِ داخلَ روحٍ تتزنّرُ بمئزرِ مَلاك.

وبعودةِ إلى عنوانِ القصيدةِ "مُزنّرٌ بمئزرِ ملاكي" أتساءلُ: هل يُمكنُ للعنوانِ أن يتنبّأ بحقلٍ دلاليٍّ للنّصّ؟ هنا أعتقدُ أنَّ العنوانَ يَدرُجُ في بابِ العناوينِ التّأويليّةِ، والّتي هي أكثرُ الأنواعِ قُدرةً في تنبّؤِ الحقلِ الدّلاليّ، وقد نجحَتِ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان في اختيارِ العنوانِ، الّذي شكّلَ محورًا أساسيًّا في مبنى القصيدةِ التّأويليِّ، وبرسْمِ مساحةٍ شاسعةٍ مِن الرّموزِ والإيحاءاتِ والأبعادِ الدّلاليّة.

 

وجاء في مداخلة د. محمّد خليل: "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ بينَ المُتخيَّل والواقع:

نحيّي، بدايةً، الأخت آمال على إبداعِها الموسومِ بـ "رحلةٌ إلى عنوان مفقود"، تحيةً مقرونةً بأسمى آياتِ التّهاني، وأرقِّ الأماني لهذهِ المناسبةِ السّعيدةِ، مُتمنّينَ لها استمرارَ العطاءِ والتألّقِ، ونقول لها: قدُمًا إلى الأمام، ومِن إبداعٍ إلى إبداع، ومِن إنجازٍ إلى إنجازٍ وبعد.. لقد أتحفتنا شاعرتُنا بلوحاتٍ فنيّةٍ رائعةٍ، في غالبيّتِها العظمى لوحاتٌ تُترجمُ عن إحساسٍ مُرهَفٍ، ووجدانٍ عميقٍ، وأفُقٍ فسيحٍ رحبٍ، لا تحدُّهُا حدودٌ، في لغةٍ رومانسيّةٍ تذوبُ رقّةً وعاطفةً، وصَلَتْ حدَّ الغموضِ حينًا، والإبهامِ أحيانًا، وإن كانتْ كما يبدو، قد لامسَتْ واقتربَتْ في بعضِها مِن ضِفافِ النّرجسيّة.

لكنّها، والحقُّ يُقالُ: نرجسيّةٌ مُعتدِلةٌ، ولهذا السّببِ فهيَ مَقبولةٌ، على أنّها تبقى مِن سِماتِ الكتابةِ الحداثيّةِ، لدى معظمِ الشّعراءِ الحَداثيّينَ تقريبًا. كأنّي بلسانِ حالِها يقولُ: الحداثةُ بالنسبةِ لي، كمُبدِعةٍ، هي أنْ أكتبَ ما أريدُ وبالشّكلِ الّذي أريدُ، وأن أتجاوزَ المَألوفَ والمَعروفَ والقوالبَ النمطيّة المعهودة، إلى ما هو مُدهِشٌ ومثيرٌ، وأحيانًا حتّى إلى ما هو مُستفِزٌّ.

هكذا نجدُها تدخُلُ الحداثةَ إلى ما بعدَ الحداثةِ مِن أوسعِ أبوابِها. فهي مسكونةٌ بهِما بكلِّ جَوارحِها ومَشاعرِها. لذلكَ نراها لا تَرضى بالتّقليدِ أبدًا. فالتّجديدُ في الشّكلِ والمَضمونِ دِينُها ودَيْدَنُها. وهي حينَ تكتبُ، نجدُها تكتبُ مِن وراءِ غيرِ قِناع، ما يَعني أهمّيّةَ المُتحوِّلِ لا الثّابتِ بالنّسبةِ لها، كما هو واقعُ الحالِ في قاموسِ الحداثةِ الّذي يَسكنُها وتَسكُنُهُ.

الشّاعرةُ تبدو في تجلّيّاتٍ ساحرةٍ مُتعدِّدةٍ، مِثالُ ذلك: الإنسانةُ النّاضجةُ والمُحِبَّةُ، والمرأةُ العاشقةُ، والشّاعرةُ المُختلفةُ، والفَراشةُ الطّائرةُ ذاتُ الألوانِ الجَميلةِ، والطّفلةُ الحالمةُ، وهو ما نقرؤُهُ في عيْنيْها وفي قسَماتِ وجهِها الّتي تُزيّنُ غِلافَي الكتاب، لكنّها في مُختلفِ الأحوال: مُفكِّرةٌ وذاتُ خيالٍ، وقلِقةٌ وحائرةٌ وربّما تائهةٌ أيضًا، الأمرُ الّذي يَتناغمُ كثيرًا معَ العنوان "رحلةٌ إلى عُنوانٍ مفقودٍ"!

أمّا بالنسبةِ للمعنى أو الفحوى، فأقولُ: النّصُّ الجيّدُ لا يَنغلِقُ على قراءةٍ واحدةٍ دونَ سِواها، إنّما هو المُنفتِحُ على قراءاتٍ متعدّدةٍ، وهو ما نَلمَسُهُ في أشعارِها. مِن جهةٍ أخرى، تلكَ إشكاليّةٌ لا تَعني بعضُهم كثيرًا، لأنّ تَصنيفَ المعنى عندَهم لا يَأتي في المرتبةِ الأولى، وهي ستَظلُّ مسألةً خلافيّةً فيها نظر؛ لذلك، لن أُطيلَ الوقوفَ عندَها كثيرًا، ولكنّي أريدُ أن أتساءلَ: مَتى يُغادرُ النّقّادُ مِن مَعنى القصيدة إلى مَبناها؟

وهنا يَحضرُني قولٌ للشّاعرِ العربيِّ المَعروفِ محمّد الماغوط، وهو يُعلِنُ في آخِرِ لقاءٍ صحافيّ معَهُ: أنا لستُ شاعرَ الفِكرةِ، أنا شاعرُ الصّورةِ.

وأمّا الجاحظ فقد سبق وأن قالَ: إنّ المَعاني مطروحةٌ في الطّريق، يَعرفُها العجميُّ والعربيُّ والقرويُّ والبدويُّ... وإنّما الشّعرُ صياغةٌ وضربٌ مِن النّسْج، وجِنسٌ مِن التّصويرِ، بكلماتٍ أخرى: إنّما الشّأنُ في الفنّ والصّياغة، في كيفيّةِ التعبيرِ والإخراج في لُبوسٍ جميلٍ وأنيقٍ، لهُ بريقٌ يَخطفُ الأبصارَ والبَصائرَ معًا، وذلكَ حسبَ اعتقادي ما أنجزَتْهُ الشّاعرةُ آمال على أكمَلِ وجهٍ.

شاعرتُنا جريئةٌ لا تَخشى الغرقَ حينَ تَغوصُ في لُجَجِ اللغةِ المُتدفّقة، لا ولا التّحليقَ في طبقاتِ فضائِها، لتُقدّمَ لنا مِن كنوزِها: جَواهرَ لامعةً تُثري بها لغتَنا وحركتَنا الأدبيّةَ المَحلّيّةَ وتُغنيها، وقبساتٍ مِن نجوم مُتلألئةٍ تُضيءُ بها سماءَها.

ففي أشعارِها مِنَ التّجدُّدِ والتّفرُّدِ ما يَأسُرُ القارئَ ويَشدُّهُ إليها، ناهيكَ بما في ثناياها مِنَ الأفكارِ الّتي تتماوجُ أمامَكَ فتُغريكَ، حتّى يُتخَيَّلَ إليك، للوهلة الأولى، أنّها ما أسهلَ أنْ تكونَ في متناولِ يديْكَ، لكنّكَ في كلّ مرّةٍ تُحاولُ الإمساكَ بها، سرعانَ ما تَفلتُ مِن بينِهما، الأمرُ الّذي يُغريكَ بأن تُعيدَ المُحاولةَ مِن جديد.

فتلكَ مِنَ الإشاراتِ الجديرةِ بأنْ تَبعَثَ فينا الرّغبةَ والقابليّةَ لإعادة القراءةِ المَرّة تلوَ الأخرى، في قراءةٍ تَفاعليّةٍ، مُضيئةٍ ومُنتِجةٍ، لا مُستهلِكةٍ فحسْب، وصولًا إلى المُتعةِ الحقيقيّةِ، تلكَ القيمةُ المُشتهاة.

معَ ذلكَ، أعتقدُ أنّ شاعرتَنا قد بالغَتْ بعضَ الشّيءِ في استخدامِ الانزياحَ، وتوظيفِ الاتّساعِ مِن حينٍ لآخر، فالاعتدالُ كانَ أوفقَ.

لا أبالغُ إنْ قلتُ: إنّ كلّ ما هو موجودٌ بينَ دفّتي الكتاب مُستفِزٌّ، لكن ما استوْقَفني، والأصحُّ أن أقولَ استفزّني أكثر، هو عنوانُ الكتابِ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود"، حتّى رحتُ أتساءلُ في قرارةِ نفسي: أحقًّا رحلةٌ وإلى عنوان مفقود؟! كيف للمعنى أن يَستقيمَ معنا؟ وكيفَ للرّحلةِ أن تَتحقّقَ أو تَتمَّ إذا ما فُقِدَ العنوانُ؟

العنوانُ كما يُفترَضُ، إشارةٌ موجّهة، أو علامةٌ سيميائيّة، أو لافتةٌ دلاليّةٌ ضروريّةٌ، لا يُمكنُ الاستغناءُ عنها. مِن هنا، أعتقدُ أنّ الرّحلةَ سوفَ تكونُ رحلةً صعبةً ومُستفِزّةً في الوقتِ نفسِهِ، لِما فيها مِنَ الكشْفِ عن أعماقِ الذّاتِ، والانكشافِ على الآخَرِ.

ثمّةَ تساؤلات مشروعة: هل هي رحلتُها هي، أم رحلةُ الإنسانِ وكلِّ إنسانٍ في هذهِ الحياة؟ هل هي رحلةُ الذّاتِ إلى الذّاتِ، بُغيةَ مَعرفةِ كُنْهَ الذّاتِ؟ أو كما يقولُ صاحبُ الطّلاسم: فمتى تعرفُ ذاتي كُنْهَ ذاتي؟ أم هي رحلةُ البحثِ عن الوطنِ المفقودِ؟ أم تلكَ هي رحلةُ البحثِ عن سِرِّ الوجودِ، أو سِرِّ الأُلوهيّةِ؟

وفي ذلكَ كلِّهِ ما يَشي بضرورةِ أن يُنصِتَ القارئُ أو المُتلقّي إلى لواعجِ قلبٍ يتدفّقُ بالعاطفةِ، ويَنهلَ مِن مَلكوتِ الحُبِّ، ويُعلنَ التّمرّدَ على كلِّ ما هو نمَطيٌّ وتقليديٌّ، ناهيكَ بتلكَ الجمرةِ المُتوهِّجةِ، أو النّاِر المُوقَدَةِ فيها! حقًّا؛ إنّها لَرحلةٌ صعبةٌ، ما أصعبَها مِن رحلةٍ! إلّا على مَن تعمّدَ في محرابِ المَعرفةِ والوعيِ والإبداع، وقليلٌ مَنْ هُمْ.

 

وجاءَ في مداخلةِ الشاعر والفنّان د. سليم مخّولي بعنوان: "الجُملةُ الشّعريّةُ عندَ الشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان في كتابها "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ": ممّا لا شكَّ فيهِ، أنّ الشّاعرةَ آمال قطعَتْ شوْطًا جليلًا في الكتابةِ الإبداعيّةِ شعرًا ونثرًا، ويبدو ذلك جليًّا في فنيّةِ حبْكِ الكلماتِ، وصياغةِ الجُملةِ الشّعريّةِ، في قصائدِها المشغولةِ بمهارةِ أناملِها وإبرتِها الطّيِّعةِ، وأيضًا في المقدّمةِ النّثريّةِ الجميلةِ الرّائعةِ مِن سيرتِها الذّاتيّة. كثيفةٌ الجُملةُ الشّعريّةُ عند آمال، مُطرّزةٌ بالمجازِ والتّرميز، تبدو الكلماتُ كأشجارٍ مُتشابكةِ الأطرافِ في غابة، يَصعُبُ المَشيُ بينَها بسهولةٍ، فعلى القارئِ أن يُبطِئَ خطْوَهُ، ويَتحسَّسَ طريقَهُ جيّدًا، كي يَعبُرَ في المَمرّاتِ الضيّقةِ بينَ جذوع شجيراتِ الكلام المَحبوكةِ بأنواعِها، يَلتفُّ فيها الغريبُ في قربِهِ مُتسلّقًا قاماتِها، فتتعذّرُ الرّؤيةُ في ظلالٍ، تحجُبُ ما تحتَها مِن نضارةِ الموجودِ، وعلى العابرِ أن يُجهدَ نفسَهُ ويَتعبَ كي يَصِلَ! حقيقةً أنّ علاماتِ الحركاتِ على كلِّ حرفٍ ساعدتْ على تخَطّي العقباتِ، ولولاها لتعذّرَتِ القراءةُ، وتعذّرَ السّيرُ في دروبِها!

يُمكنُنا أنْ نتعرَّفَ على سِماتِ شعر آمال في هذا الكتاب، في مراجعةٍ لإحدى القصائدِ، وقد اخترتُ بصورةٍ عفويّةٍ قصيدةً تبدأ في صفحة 85 بعنوان: "على مرمى خيبة"، تبدؤها: أَ رْ جَ حْ تِ نِ ي / على بارقةِ عرشٍ بين أسنانِ أكذوبةٍ: بدأتِ القصيدةَ بحُروفٍ مُتقطّعةٍ للكلمةِ، وهذا يَتكرّرُ في القصيدةِ وفي قصائدَ أخرى عديدةٍ، وفيهِ توكيدٌ في بعضِ الأحيانِ على المعنى، وجلْبِ انتباهِ القارئِ، وربّما استراحةٍ لهُ خلالَ رحلتِهِ المُتعَبة، فيقفُ عندَ كلمةٍ واضحةِ المعنى لذاتِها. وتأتي الاستعارةُ تلعبُ دوْرَها في كلِّ جُملةٍ، فلا تَفلِتُ مِنْ شرَكِها أيُّ كلمتيْنِ مُتجاورتيْنِ في أيّ جملةٍ إلّا لمامًا!

"بارقةُ عرشٍ بينَ أسنانِ أكذوبةٍ": بارقةُ العَرْشِ إشارةٌ إلى فرَحٍ سيكونُ، والأسنانُ تقضمُ وتُمزِّقُ وهي للأكذوبة، أي بينَ بارقةِ الأملِ في فرحٍ، وأكذوبةٍ تُمزّقُها بأسنانِها يَتأرجحُ! وتستمرُّ: "وبأرقِّ ريشةِ سنونوّةٍ/ دَوزَنْتِني على أوتارِ القلبِ شجنَ طيفٍ/ غابَ وعيُه في موجِ مواويلِكِ": كلامٌ رائعٌ وجميلٌ، رائعةٌ ريشةُ السّنونو الرّقيقةُ الّتي تشدو على أوتارِ القلبِ لحنَ شجنٍ لِطيْفٍ، ونُلاحظُ هنا أيضا كم كثيفةٌ هي الاستعارةُ في هذه الفقرة، وهي ظاهرةٌ تقريبًا في تزاوجِ كلِّ كلمتيْنِ.. "يا من نادَمَتْكِ طقوسُ خيالي الوثيرِ/ لِـمَ تركتِني في الّلامكانِ حجرَ مقلاعٍ يتأوَّهُ/ لِـمَ تَركتِني في الّلازمانِ بطاقةً بريديّةً ممزّقةَ الظّلِّ/ بعدما أدمَنَتْكِ كؤوسُ نرجسي الكسير": للقارئِ مُتأنّيًا المتعةَ والدّهشةَ، فمَنْ يَقفُ عندَ كلِّ جملةٍ ويَصطادُ المعنى، يجدُ عاطفةً جيّاشةً تَغلي في الصّوَرِ، مع استعاراتٍ تَزيدُها قوّةً وتأثيرًا. جميلٌ ومُكثّفٌ هذا الشّعرُ، وفي القصيدةِ تراكيبُ وصُوَرٌ جميلةٌ كثيرةٌ، نجدُها على مدى صفحاتِ ديوانها.

غيمةٌ مُخضّبةٌ برحيلِكِ/ زوبَعَتْ ثغورَ ريحي بوشوشةِ شكوى/ ومِلْءَ ضَيْمي/ دمعةٌ عاجيّةٌ احدَوْدَبَتْ في جداولِ أمانيَّ الخضراءِ/ تَصبُّنِي دِعَةً موجوعةً/ على كتِفِ نهرٍ طواني احتراقا: في هذهِ القصيدةِ كما في قصائدِها الأخرى، تستعملُ آمال تَعَدّي الاسمِ والفِعلِ الّلازم، فتكتبُ غيمةٌ مُخضَّبَةٌ برحيلِكِ/ زوبَعَتْ ثغورَ ريحي/ الاسمُ زوبعةٌ أصبحَ فِعلًا، كما تَستعملُ تَعَدِّي الفِعلِ الّلازمِ في "تنسابُني" وَ "تُلألئُني".

هذا الاستعمالُ الّذي كانَ غريبًا على ذهن القارئِ، وهو غريبٌ على الحاسوبِ أيضًا، أصبحَ مألوفًا في شِعرِ آمال وغيرها من الشّعراء والكُتّابِ أصحابِ التّجديد، والخروج على المألوف فيما يَكتبون. ليسَ لهم الحقُّ في هذا فحسْبُ، بل أصبحَ عندَهُم ميزةٌ جماليّةٌ في طريقةِ استعمالِ الغريبِ مِنَ التّعبيرِ في الكلام، فهو في مَكانِهِ المُناسِب. جميلةٌ الغيمةُ الّتي تُزَوْبعُني، والمصابيحُ الّتي تُلألِئُني.

تمضي آمال تصطادُ ما هو غريبٌ في مكانٍ آخرَ، في استعمالِ تَزاوجٍ بينَ كلمتيْنِ، وبينَهُما ما بينَهُما مِن بُعْدٍ في المعنى، فلا تجدُ رابطًا يَدُلُّكَ لماذا تمَّ هذا التّزاوج. فتقولُ: جَوْزَ عَفوٍ، هَديلِ احتِرابٍ، دمعةٌ عاجيّةٌ احدَودَبت، الرّيحُ المُقنّعةُ، شالاتُ الخرائبِ... وغيرُ ذلكَ في قصائدِ الدّيوان. هذا أيضًا حقُّها في استعمالِ الكلماتِ، لتَكتُبَ شِعرًا مُغايرًا لِما كانَ مألوفًا، بحثًا عن الإغرابِ ودهشةِ القارئِ، فيتساءلُ ما هذا؟ ولمَ هذا؟ وهذا التّساؤلُ ربّما مِن صفاتِ شِعرِنا المُعاصرِ؟!

إذا كانتِ القراءةُ مُتعِبةً للوصولِ، مع هذا الإغرابِ وكثافةِ الجُملةِ الشِّعريّةِ، فكمْ مِنْ جُهدٍ وأيُّ تَعَبٍ بَذلَتْهُ الشّاعرةُ في حَبْكِ جُملتِها؟ هل كانتِ الكلماتُ تَجيئُها عفويّةً طيِّعةً بكلِّ ما في ذلكَ مِن تعقيدٍ، أم كانتْ تُفكِّرُ كثيرًا لتَصوغَ هذهِ الخرَزاتِ في قلادةِ الجُملةِ الشّعريّةِ، خرزاتٍ مِن بلّوْرٍ وأبنوسٍ، إلى جانبِ أخرى مِنْ خشَبٍ وطين؟ فليكْنْ ما تكونُهُ الشّاعرةُ برهةَ الكتابةِ، غيرَ أنّ شيئًا واضحًا، هو أنّ هذا الأسلوبُ في الجُملةِ الشّعريّةِ عندها، يَنساقُ في الكتابِ مِنَ القصيدةِ الأولى حتّى الأخيرة، على شكلِ موجاتٍ تتبعُ الواحدةُ الأخرى في مدى مستوى بحرٍ لا تَعلو موجةٌ فيهِ على سِواها، وعليهِ ختْمُ الشّاعرةِ الخاصّ، فهو لها وصُنْعُ يديْها.

آمال المبدعةُ، الوادعةُ في الظّاهرِ، ثائرةٌ في صخبِ انفعالاتٍ في مَواطِنِ الرّوح، لا تعرفُ الهدوءَ والاستقرارَ، فتذهبُ راكضةً في كلِّ الاتّجاهاتِ، لتصطادَ المعنى في الموجودِ، أو تهدمَهُ بإزميلِها الّذي بواسطتِهِ تنحتُ في الكلام، عالِمًا لها على مَقاسِها بفنّيّةٍ راقيةٍ.. كانَ بالإمكانِ أن يكونَ صخبُها أقلَّ جموحًا، لو تخلَّتْ عن رصْفِ الجُملةِ باستعاراتٍ تَكتظُّ بها كلُّ الجُملِ، وتركَتْ مُتنفَّسًا هادئًا لاستراحةِ القارئ، فيَنعكسُ أثرُ الجُمَلِ الأخرى بصورةٍ أشدَّ وأقوى، وكما قالَ درويش: "في القصيدةِ يكونُ الهامشيُّ إلى جانبِ الجوهريِّ، وإن كانَ المَعنى هو المقصودُ بهذا، فإنّهُ يَنطبقُ على المَبنى أيضًا، الّذي أصبحَ في منزلةِ الجوْهريِّ في هذا الأسلوبِ مِنَ الكتابةِ، الّذي يَتبعُهُ البعضُ في الشِّعرِ والنّثرِ أيضًا".

وبكلماتٍ أخرى أقولُ: هذا المبنى في الجُملةِ الشّعريّةِ على مدى صفحاتِ القصيدة، يحتاجُ إلى "تهويةٍ" وبعض الأكسجين، تمامًا كما يَفعلُ الرّسّامُ في لوحتِهِ، فإذا رآها مُكتظّةَ الأشكالِ والألوان، راحَ يَعملُ بُقَعًا ومساحاتٍ لونيّةً لتهويةِ الّلوحةِ مَجازًا، فتظهرُ بصورةٍ أجملَ وأقوى تلكَ الأشكالُ الّتي أرادَ لها أنْ تكون! أظنُّني لا أخطئُ ظنًّا، إذا اتّهمتُ آمال بالشّاعرةِ الوجدانيّةِ والرومانسيّةِ الصّعبةِ في حداثةِ شِعرِها، فهل تجوزُ الرّومانسيَةُ معَ الحداثة؟ هذا الطّريقُ الّذي مهَّدَتْهُ آمال تسيرُ عليهِ بخُطًى واسعةٍ، ولا شكَّ أنَّ آمالَ شاعرتَنا مُبدِعةٌ، ولنا منها توقُّعاتٌ مُستقبليّةٌ مُدهِشةٌ، كما عوّدَتْنا ولمَسْنا في ديوانِها الأخيرِ، فأطيَبُ الأمنياتِ لشاعرتِنا المُبدعةِ، ودمتِ صاعدةً سُلّمَ العطاءِ.

 

أمّا مُداخلةُ القاصة والروائيّة فاطمة ذياب، فكانت بعنوانِ: رحلةٌ مُستفِزّة إلى عنوانٍ مفقودٍ للشّاعرة آمال عوّاد رضوان: عزيزتي آمال.. أوّلًا وقبلَ كلِّ شيءٍ، اسْمَحي لي بالإبحارِ معَكِ على ذاتِ القاربِ، في رحلةٍ وجوْلةٍ مِن تناصٍّ في اللّغةِ والمُفرداتِ، بقراءةٍ أنثويّةٍ وبعيونٍ نسائيّةٍ لديوانِكِ الشّعريِّ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ"!

عزيزتي الشّاعرةُ المقتحمةُ للمُدُنِ والمَواقعِ الأخرى الّتي تأسُرُني بدونِ سابقِ إنذارٍ.. معَكِ تكونُ البدايةُ والقراءةُ، وبصراحةٍ، حاولتُ جاهدةً أن أفُكَّ الطّلاسِمَ، وأُفَكِّكَ الحُروفَ والكلماتِ، وأَسْبُرَ الأغوارَ وأمضي، كي أصِلَ معَكِ إلى مَعالِم هذا العنوان. وألهثُ وراءَ مدادِ حِبرِكِ، وهو يَخُطُّ لغةً عصيّةً تُدخلُني إلى متاهاتِ الأبجديّةِ، و"كَم مُوجِعٌ أَلاَّ تَكُونِي أَنَا"، تستوقفُني ضراوةُ حروفِها: أُنُوثَةً طاغِيَةً/ راقَصْتُكِ عَلى هَفيفِ قُبْلَةٍ/ وَفي رِحابِ جَنَّتِكِ الْمُتْرَفَةِ بِاعْتِكافِكِ الأَثيرِيِّ/ غَزَلْتُ مَلامِحَ أَصْدائِكِ بِحَرائِرِ الْغُوايَةِ/ أيا ساحِرَةَ أَشْجاني/ كَيْفَ تَلاشَيْتُ.. قَبْلَ أَنْ تَنْدَهَنِي مَلائِكَةُ الرُّوحِ؟ مساحاتٌ فاصلةٌ مِنَ "الاعتكافِ الأثيريِّ ومَلامِحِ أصداءِ الغوايةِ يُحرّكُ سِحرَ الشّجونِ"، فأيُّ إبداعٍ وأيُّ مَدادِ حِبرٍ هذا الّذي يُعربدُ في مَملكةِ شِعرِكِ، ويُجيدُ انتقاءَ البحرِ وأعماقِهِ وأصدافِهِ؟

هو الغوصُ المُستترُ المُبْهَمُ في اللّغةِ والحُروفِ الأبجديّةِ، في تحايلٍ ذكيٍّ يَغوصُ غوْصَ العاشقِ المُتيَّمِ بأدواتِهِ وميادينِ تَعامُلِهِ، وهكذا على هَفيفِ قبلةٍ ترقصينَ لغةً وتعبيرًا مُشفّرًا، عصيًّا في استجلابِ ما وراءَ الـ..، وأحاولُ أن ألتقِيَ احتراقَ امرأةٍ أنثى/ "تُفجّرُها وتُجسّدُها الأحلامُ المنسيّة في عربةٍ مِن نار"، تحترقُ وتخترقُ العتمةَ، كي تَظلَّ نجمةً في الدّوائرِ المُغلقَةِ تتدوَّرُ وتتوجَّعُ وتقولُ: "آهٍ كم موجِعٌ ألاّ تكوني أنا". وحين تنظرُ إلى "ميلادِها المضيءِ بالجنون/ ترجوه أن يُشعلَها بجمرِ جَمالِها"، باستخدامٍ للّغةِ بعُمقٍ وصِدقٍ أقربُ ما تكونُ إلى الذّاتِ الإنسانيّةِ الشّفّافةِ، وإلّا كيفَ يُصبحُ الجَمالُ "جمرًا لا يَؤولُ إلى رمادٍ"، إلّا إذا وطّنَ النّفسَ على البقاءِ والاستمرارِ، مِن خلالِ روحِهِ وأنفاسِهِ وأعمالِهِ المُتقَنةِ بإبداعٍ؟

آمال.. أيّتها الصّوفيّةُ المُتعبِّدةُ النّاسِكةُ في مَعبَدِ الحُروفِ والمُفرداتِ، خُذيني بحِلْمِكِ، وأنا أحاولُ أنْ أستفيضَ و"أتوهّجَ مِن عينيْن عسليّتيْن، كي نَصنعَ مِن هذا التّوهُّجِ شموسًا، تغسِلُ العتمةَ عن رمشِ حلمٍ لا يتعدّى حجمَ دمعةٍ"، وما بينَ أحلامِ الرّوحِ وأماني الجسدِ بقاءٌ وتَفانٍ وعبادةٌ! عبثًا أحاولُ أن "أتسلّقَ عرائشَ كرومكِ"، وأن "أتعربشَ ذِكراك"، كي أصلَ إلى ذاكَ "المُحصْرَم بهَواكِ" و"ألتقطَهُ فجًّا"، وأنتبهُ إلى الشّعلةِ الّتي تُتقِنُ البكاءَ والارتدادَ والتجلّي في حضرةِ الوعيِ المُطلَقِ، "هل تغفرينَ لي زلاّتِ اهتزازي في عُمقِ أنفاسِكِ"، كي أُخْضِعَني في المِضيِ برحلةٍ جنونيّةٍ مستفَزَّةً إلى عنوانٍ مفقودٍ!

إلى أيّة مدرسةٍ شِعريّةٍ ومذهبٍ تعبيريٍّ ينتمي هذا الانعتاقُ المتعمّدُ والمُعمّدُ "بثلوجٍ مِلحيّةٍ"؟ كيفَ لي أنْ أتتبَّعَ "رجفةَ الانكسارِ"، حينَ آمال صديقتي "تمتطي صهوةَ الحنينِ، مُنطلِقةً مِن تحتِ إبطِ قمر"، والقمرُ أنثى، أسْقطَ الشّعراءُ عليهِ وجهَ الحبيبةِ؟ كيف أجدُهُ عندَكِ رجلًا بكتفٍ وإبطٍ؟ فيا "ابنة الماء"، "عندَ حدودِ بلاغتِكِ، ومَرامي انشطارِكِ، وعيونِ أصدافِكِ، أحاولُ أن أطاردَ ريحَكِ"، علّني ألتقي هوامشَكِ، وأفيقُ مِن ذهولي ودهشتي، وأنا أراكِ غجريّةً ترقصينَ و"تُراقصينَ الأبجديّة على هفيف قبلة"، وكأنّني أمامَ حِبرٍ سرّيٍّ لا يُسلِّمُ ذاتَهُ، إلّا لِمَنْ يَمتلِكُ "قارورةَ عطرٍ أثيريٍّ سحريّ"، يَنثرُها بِرِقّةٍ ومهارةٍ وإتقان، كي يصِلَ إلى عنوانِكِ المفقودِ، لاستخراجِ المَحارِ مِن غيرِ "تلصُّصٍ أو تصنُّتٍ"، ودونَ أن أصرخَ "رحماكِ".

عزيزتي آمال عوّاد رضوان.. قولي لي بربّكِ، هل حقَّا "تنفّستِ عِطرَ الآلهة"؟ وكيفَ يكون هذا العطرُ، حين "ينبثقُ مِن قواريرِ الذّاكرة المشتهاة، ليظلّ الخيطَ المُعلّقَ بفضاءِ العيون، مُرصَّعًا بهذهِ "الّلازوَرديّة" الّتي تُماحِكُ حقولَ أناملي وثرثرةَ شقاوتي؟ أيّتها "العصفورة النّديّة" وا"لمُهرةُ الحافية"، "كوكبةٌ أنتِ بفستانِ زفافٍ"، ترفضُ أن يكونَ لها الكفنُ، فهذهِ لغتُكِ القاتلةُ، وهذا "العزفُ النّائحُ على إيقاعاتٍ جنائزيّةٍ، لا يَليقُ إلّا بعميقِ مجدٍ عتيقٍ مُعتّقٍ بنبيذٍ وعيونٍ بنفسجيّةٍ"، يتفتّحُ في رياضِها وبساتينِها ألفُ ربيعٍ، وأشرعتُكِ لم تَزَلْ تَمتدُّ في عرْضِ البحرِ وصخَبِ الموج، لتُنقِذَ غرْقى الأيّامِ والظّروفِ. "أيّتُها النّاقشةُ شِعرَكِ في عتمةٍ حافية"، "اِمنحيني حِصّةً مِنْ مُزنٍ مضيءٍ"، كي "يَستحمَّ السّوسنُ ويتمدّدَ الحلمُ في أعشاشِ صومعتِكِ"، اِمنحيني الأرضَ والسّماءَ الّتي تَحتملُ هذهِ الشّقاوةَ الضّاريةَ بمدادِ عطائِها حدائقَ الإبداع، اِمنحيني فرصةً عند "حدودِ مراعيك"، مُنهكةٌ أنا مِنَ الرّكضِ حافيةً ما بينَ القوافي والبحور، مشطورةٌ أبلعُ دهشتي، وأراهنُ على "أن أتوسّدَ المُستحيلَ"، كي أقدّمَهُ شهيًّا "لا يَحترقُ في طوابينِ الورق"، ولا "يَذوبُ في مِلحِ البراعم"، بل "يتورّقُ وطنًا"، "على مدارجِ الموْج الوَعِر"، باسقًا يُطاولُ عنانَ السّماء.

وهذهِ مقولتُكِ: "كيفَ لأعمًى يقودُ كفيفًا بحفنةٍ مِن لونِ العتمة"، تُذكّرُني بصرخةِ شكسبير في مسرحيّةِ المَلك لير، عن ذاكَ المجنونِ الّذي يقودُ طابورَ العميانِ، نعم؛ هكذا هو الحالُ، وليسَ أدقُّ مِن هذا التّوظيفِ والتّوصيفِ لهذهِ الوضعيّةِ التي نُعايشُها، على مستوى أفرادٍ وجَماعاتٍ وشعوبٍ وقبائلَ، لكن؛ لا أعرفُ بالتّحديدِ إلى أينَ يَأخذُنا نصُّكِ، وإلى أيُّ الميادينِ والمُدرّجاتِ، وفي أيّ ملعبٍ تقذفينَ كُراتِكِ الصّاروخيّةَ المُغلّفةَ بأسرارٍ نرجسيّةٍ تعبقُ بشذى الياسمين، هل هي ذاتيّةٌ مَحضة، أم شاملةٌ شمولَ القصيدةِ ومَعانيها؟

فيها نبرةٌ تُجسّدُني كأنثى، وتُجسّدُكِ كشاعرةٍ مُتمكّنةٍ مِن لغتِها، تُطوّعُها كي تصنعَ منها سبائكَ ذهبيّةً، تُلبسُها الحواري بينَ سطورِ القوافي، وأحيانًا تجعلُها كما البحر وكما الفضاءِ وكما الأرض، مِن دموعٍ ومطرٍ تغتسلُ بهِ، كي تُطهّرَنا مِن عُريِنا وعُهرِنا ونِفاقِنا، وهذا الزّنى الذي نُمارسُهُ علنًا، دونَ خجلٍ مِن أنفسِنا، ومع كلّ ما حولَنا وحتّى مع الوطنِ. صدّقيني عزيزتي آمال.. "عندَ اتّساعِ نعاسِكِ الفوضويّ" تستلقي حروفي، وأحاولُ أنْ أُهندِسَها لتلائمَ "سطورَ عصيانِكِ"، ليأتي إلى "حدودِ ناصيةِ هواكِ"، وخيالُكِ الجامحُ الذي يُغافلُ الزّمنَ، "يُقلّمُ بفَكَّيْ مِقراضِهِ آتيًا شاغرًا إلّا منكِ"، وأجدُكِ "نبضَ دهاءٍ يَتربَّصُ بالرّيحِ السّافرة"، كي "لا تظلّي مُجرّدَ نقطةٍ في سِجلّ الغرباءِ"، "تكتحلُ بلهيبِ الفقْدِ المُرِّ".

هكذا "تماوجتِ بينَ ضوضاءِ الأصفادِ أنثًى في تمرّدٍ متورّد، يومضُ مِن عطرٍ عابثٍ مُتخّفٍّ بشالٍ شفّافٍ"، واصفٍ ومُجسِّدٍ، ومِن "مَرِّغوا نهدَيَّ بعِطرهِ الأزرق، وزُفّوا إليّ ذيليَ الوضّاء"، أظلُّ أعبُرُ الطّوفانَ فيكِ، لألتقيَ "تجاعيدَ نارِكِ الموشومةِ بالعزلةِ"، وعندها "يُفضفضُ ضوءَ الأنفاسِ"، ومعكِ "أستوي على هالةِ شهقةٍ". مِن غيرِ تَوتُّرٍ ولا حرَجٍ، أقتبسُ مِن توهُّجِ صرختِكِ بعضَ تماهٍ أو تناصٍّ، يَحتلُّني حتّى آخِرَ شَهقةٍ وآخِرَ حشرجةٍ، وأقطفُ مِن ذاكَ "الطّيف الخرافيّ المُزلزِلِ رقصةً مُشاكِسةً"، حتّى لو كنتِ ممّن احترفنَ "اشتهاءَ رقّة شرارةٍ تجرّدتْ مِن شَررِها"!

ومعَ "نعاسِ السّؤالِ يتناغمُ الدّمعُ على شِفاهِ الصّبحِ"، وقهوةُ الصّباح، لحظةَ عناقِ ومذاقِ أحبّةٍ، تستفيقُ بِحارًا وشبكةَ صيدٍ وصنّارة، يتلو عليها "تعويذةَ الفجر"، ويقذفُها هناكَ في عرضِ البحر مُتيقّنًا، كأنّه مهندسٌ "يُجيدُ هيْكلةَ الأسرارِ"، وعندَ الظهيرةِ والشّمسُ تسطعُ وتلسعُ وتضيءُ وتَحترقُ، "أعودُ إلى شفيفِ سواحلِكِ، وأؤوبُ بعصْفٍ شِعريٍّ، وبغفلةٍ مِن عيونِ المدى، تُهدهدُ واحاتُكِ أصابعَ مَداي"، وهنا لا بدَّ مِنْ وقفة تَجَلٍّ، تُعلنُ لكِ أنّ كلَّ عنوانٍ مِن عناوينِ ديوانِكِ هو قصيدةٌ مكتمِلةٌ بغاباتِها وغاياتِها، مُكثّفةُ المَعاني، ولا تحتاجُ إلّا لعزفٍ منفردٍ مِن الأبياتِ، كي تنفكَّ القصيدةُ مِن غوايتِها، وتنطلقَ حرّةً تتهادى على أفواهِ القصائد.

آمال.. مغناةً شعريّةً تفجّرتِ على غفلةٍ منّي، حينَ كنتُ في صومعتِكِ، تُقاطعُني حروفُ أبجديّتِكِ طوعًا وكُرهًا، وعلى عجلٍ جئتِ بهذا الزّخم تملئينَ جُعبتي بصحوةٍ تستنهضُني وتستنفِرُني، وتُحفّزُ كوامنَ نفسي، فأراني أعترفُ مِن جديدٍ بدوّامةِ مَخاضي القادم "مدينةُ الرّيح"! أيّتُها الشّاعرةُ آمال.. أيّتُها القابلةُ التي ترقُبُ وتترقّبُ معي هذا الميلادِ الآتي مِن جحافلِ لهفتِكِ وخِدرِ فضائي، ولا عجبَ "أيّتُها المزاميرُ التي تتلوّى ألغازًا في ضجيج الوحدة"، ولا عجبَ "أن تزرعي ريحَكِ جسدًا لرجفاتِ الأحلام"، و"زنابقُ زوابعِكِ لمّا تزلْ تقطفُني طاقاتٍ، تتشهّى شهقةَ الفجرِ وشقشقةِ العصافيرِ في منافي الفضاء"، "فطوبى لعِفّةِ حمائمَ تنحَدِرُ بعليائِها مِن ذاكَ الفجرِ، كي يَحرُسَ نَوافذَ المَعابدِ، ويَنقُشَ الهديلَ على ربيعِ القداسة"!

أيا أختي آمال المشاغبة المتعطّشة، أخبريني بربِّك، "كم وشى همسُ ليلِكِ في الغفوةِ اللاّسعةِ لسلطانِ الشِّعرِ والظّمأ، كي يتفجّرَ صرخةً لا يَعتريها ذبولٌ أو تقادم"، حتّى صرتِ كما النّهر على "السّفوح الحريريّة"، تحاولينَ بل تُصرّينَ على البقاءِ الأبديِّ، كي يَرنُوَ كلُّ مُبدعٍ في "دهشة المواسم"؟ هكذا أراني وأراكِ.. "موسيقيّةٌ مساءاتُنا تُلامِسُ حدودَ السّماء، جمريّةٌ تتألّقُ دونَ ذوبان، ومِن عنقِ قلبِ القيثارةِ تتهادَيْنَ حنجرةً مِن لحمٍ ودم، وأسمعُها زفراتُكِ وآهاتُكِ، كلُّ الأوزانِ لها، ومِنَ الآهِ ألفُ عزفٍ يُطاولُ عناقيدَ الانبهارِ والدّهشة".

نعم مبهورةٌ أنا بعزفِكِ الآهيّ "أيّتها المائيّةُ الابتهالات"، حيثُ "الفضاءات الجداريّة تنقشين الفراغَ بمخالبِ أجنحتِكِ"، كيفَ للأجنحةِ أنْ تَحمِلَ في أطرافِها تلكَ المَخالبِ، إنْ لمْ تَكُنْ صقريّةً أو بوميّةً أو غرابيّة؟ حتى لو كانت، فإنّ مخالبَها بأرجلِها، وحين تصيرُ الأجنحةُ مَخلبيّةً، فهذا الوجهُ الآخَرُ، بل وَجهُنا الّذي لا نريدُ أن نَراهُ، فنحن نحتاجُ حقًّا إلى مخالبِ الأجنحة، كي نَمضِيَ إلى العنوانِ المفقودِ، ونحافظَ على أنوثتِنا مِن الانقراضِ في زحمةِ المعاني والتّعابيرِ المُزدَوَجةِ. نعم؛ نريدُها مخالبَ لهكذا زمان، تُغتصَبُ فيهِ الأنثى وتُعتصَرُ في اللّوعات، و"ننذرُها على ضفافِ الجنان الخوالي"، كي نتأهّبَ لصدٍّ مُشاكسٍ يتأبّطُ الذّكوريّة بقرونٍ وثغاءٍ وزئيرٍ ومواءٍ، و"جامحًا يَصهلُ الوقت". وأسمحُ لنفسي بأخذ نفسٍ عميق، كي أتابعَ الإبحارَ في "استدرارِ العصائرِ مِن فمِ عناقيدِكِ"، عبْرَ زوْرقِ فصاحَتِكِ، و"أظلُّ أستندُ على هامةِ ذهولي"، وأطلبُ منكِ أن تظلّي "لحمًا وحبرًا يا مَن أحسنتِ قراءةَ أمّيّتي، "يَستمطرُكِ الوجعُ وترانيمُ الرّوح وتهاليلُ الجسد"، وما بينَ نقاطِكِ وفواصلِكِ هوامشُ كثيرةٌ جهنّميّة، تتركُني "على مرمى خيبة"، "بينَ أسنان أكذوبة"، كي تغزلَ لنا وطنًا آخَرَ نحضنُهُ ونشتهيهِ، كي لا نظلَّ "بطاقةً بريديّةً ممزّقةَ الظّلّ احدودبتْ في جداولِ الأماني"!

آمال.. مِن فوضى الحروفِ ورحلةِ الإبحارِ في عناوينِكِ المفقودة، أراني "مُزنّرةً بمئزرِكِ، يتأبّطُني الأفقُ والشّفقُ على حافّةِ سكّين"، وأدخلُ لجّتَهُ والقلمُ بيدي يتواثبُ مِن "مرعًى إلى مرمى"، "يَترصَّدُكِ بالطّباشيرِ الحزينة"، والطّفولةُ تُخربشُ وترسُمُ الأحلامَ الزرقاءَ نجومًا مُشاكسةً بأفلاكِ لغتِكِ وفوضى ألوانِكِ، فتغدينَ صديقتي "وهجًا أسطوريًّا يُرمّمُ الظّلالَ الهُلاميّة"، وما أكثرَها في هذا اللاّمكان واللاّزمان. نحتاجُها "أناملُكِ لوزًا يتلهّجُ ببساتينِ الوقتِ، وحقولُ الكلامِ زخّاتٌ أبديّةُ الضّياءِ"، تضيءُ فضاءَنا، كما تضيءُ فضاءَ الشّامِ وبغدادَ وبيروتَ والقدسِ ولا فرْق، فنحنُ "نتسوّلُ ونتوسّلُ تلاوةَ اللقاءِ وإن كانَ مجبولاً بغبارِ حُلم رديء"، إذن؛ ما زلتُ في روْضِ لغتِكِ لم تُسقطْني أدواتُكِ، وكلُّ نبضةٍ في المقالةِ "غزلتُها بمسلّتي ومِن رموش حروفِكِ الحريريّة، ومِن خيوطِ مبتدئِكِ وخبرِكِ تناصًّا يأتي على استحياء"، أمامَ هذا التجلّي الذي يخترقُ حدودَ الانبهار.

فيا "ابنةَ السّواقي لا تجُزّي لؤلؤَ نبضي، فما اكتملتْ مساءاتُ بريقي إلاّ بهطولِكِ المُشرق". هكذا أقرؤُكِ قصيدةً مكتملةً مِن عناوينِ قصائدِكِ التي شكّلْتِها ولوّنْتِها في دوائرِ معاصمِنا، "تنطرُ الدّجى من ظلالِ تسابيحِنا"، و"ترنو إلى تيَقُّظِها مِن مَكامنِها"، كي نطرّزَ مِن العناوين "فستانًا شعريًّا يتهادى مِن خفقِ المَجهولِ"، و"انبعاثِ الحياة مِن وهْجِ الرّماد"! العناوينُ وحدها شكّلت قصيدة: أيّها الرّجلُ وأيّتُها الأنثى/ على هفيفِ قبلةٍ وشوشني الأثير/ أقِمْ محرقةَ أقمارِكَ بأدغالِ مائي/ آهٍ كم موجِعٌ ألّا تكوني أنا/ وحدَكِ تُجيدينَ قراءةَ حرائقي/ طعمُكِ مُفعَمٌ بعطرِ الآلهة/ فستانُ زفافِكِ اعشوشبَ كفنًا/ نقشٌ في عتمةٍ حافية/ على مدارجِ موجِكِ الوعِرِ/ آتٍ أنا على ناصيةِ قافية/ مرّغوا نهْدَيَّ بعِطرِهِ الأزرق/ تجاعيدُ ناري موشومةٌ بالعزلة/ نُعاسُ سؤالي تنغّمَ بالدّمع/ إلى شفيفِ سواحلي أؤوبُ/ مِرجلُ انتظاري الثّلجيّ/ مَلكُ الثّلجِ أنا/ ولوعة العتمات/ جامحًا يصهلُ الوقتُ/ على مرمى خيبةٍ/ مُزنّرٌ بمئزرٍ ليلكيّ/ وفوضى ألواني المُشاكسة/ بشامةٍ حنينٍ تلوذين/ وفي عين إبرةٍ تتثاءبُ وجعًا/ برفير غروب وأسطورة التياع/ يا قيثارة المساء/ ناطور الدّجى/ مرجلُ لوعتي!

ولم أزلْ ألهثُ وأطاردُ العناوينَ المُماحِكةَ أراها تدلعُ لسانَها مِن وراءِ كلّ عنوان، لتُشكّلَ العناوينُ مجتمعةً قصيدةً مؤتلِفةً، فهل تراكِ تعمّدتِ ذلك، أم هو وحيُ الشِّعرِ وحدْسُ الشّاعرة، تُظلّلُ الوجعَ ليتناثرَ ما بين مِحرقةِ وحدائقِ حروفِكِ، وكفنٍ وعتمةٍ، وموجٍ وعِرٍ وناصيةٍ وعزلةٍ وشفيفِ سواحل؟ يا "ابنةَ الماءِ ويا هديرَ السّواقي، تهدُرُ فيكِ الحروفُ وتتفجّرُ، وتنعتِقُ القوافي قصائدَ"، تستوقفُنا باستحياءٍ مُبرقَعٍ عصيٍّ على المُعاقرة، ويَرفضُ أن يُسلّمَ نفسَهُ مِن المُعاشرةِ الأولى وحتّى العاشرة، فأنا أعترفُ أنّني تهجّأتُ حروفَكِ، علّني أَلِجُ نورَ مَعانيكِ في تراقصِ النّغم، فقط كي أصِلَ إلى عنوانِكِ المفقودِ، أرنو إليهِ، عنوانٌ غيرُ كلِّ العناوين، فيهِ تتجلّى الرّوحُ، وتسمو إلى ما أبعدَ مِن حدودِ المَدى وحدودِ العنوانِ المفقودِ.

بمداخلةِ الشّاعرِ وهيب نديم وهبة "مطرٌ خفيفٌ على حفيفِ زجاجِ نافذةٍ مكسورةِ"، للشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان في كِتابِها الشِّعريِّ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ"، يقول:

هذهِ هيَ الرّحلةُ الأبديّةُ؛ "غزالةٌ شردَتْ" هيَ القصيدة.. هي العنوانُ المفتوحُ على سماءِ الحرفِ.. والمجهولُ مِن أينَ يأتي.. وكيفَ يُغادِرُ المكانَ.. وهنا في رحلتي معَ غزالةِ نواطيرِ الثّلجِ، "ملكُ الثّلج أنا"، و"عصفورةُ النّار"، وذهبُ الدّمعِ، والحُلمُ والنّعاسُ بينَ جفونِ الكلماتِ والبراري.

يَغارُ البيانُ، ويتّكئُ البديعُ على روائعِ الشّجرِ الباسقِ في غاباتِ الكلماتِ.. هذهِ الكلماتُ المُمتدّةُ ما بينَ الرّوحِ والجَسدِ.. ونبْضِ الشّجرِ الوارفِ بالحياةِ.. تشتعلُ كمثلِ حريقِ الكرملِ بجحيمِ النّارِ وحِممِ اللّهبِ.

"يا ابنةَ النّورِ الموغلةَ في النّار/ فدَتْكِ أجنحةُ الرّحمةِ أبديّة الرّجاء!" موغلةٌ بالشّوقِ والعشقِ وغياهبِ الفجْرِ والغسَقِ. وأنتِ غزالةُ الشّعرِ بينَ حقولِ القلبِ والعاطفةِ.. تقفزُ وتركضُ، تبحثُ عن نهاراتٍ جديدةٍ.. تُشرقُ فيها شمسُ حرّيّةِ القصيدةِ في ربيعِ الحداثةِ والتّجديدِ. من ص 65 في قصيدةٍ "إلى شفيفِ سواحلِكِ أؤوبُ": أَنفاسُ نارِكِ تَمَسُّ روحِيَ/ وَبِغَفلةٍ مِن عيونِ المدى/ تُهَدهِدُ واحاتِيَ أَصابعُ صَداكِ/ أَتُخَلِّصُني قُبَلُ غزالةٍ شرَدَتْ/ وما انفكّتْ تتوارَفُ غوايَةً على أَفواهِ قصائدي؟ ألَمْ أقُلْ إنّ الغزالةَ كانتْ تَجوبُ أرضَ كنعان.. وتصعدُ على قمّةِ جبل اللّوزِ.. تَغيبُ بينَ البياضِ والزّهر.. ثمّ تعودُ حاملةً الشّمسَ إلى العيونِ الّتي أدمَنَتِ العتمةَ.. كي تُبصِرَ الحُرّيّةَ باللهِ والحُبّ والثّورة.

ص 42 – 43 مِن قصيدةِ "فستانُ زفافِكِ اعشوشبَ كفنًا": أيا أُقحُوانةَ الثّغرِ اثْغَرّي/ أسقِطي أسنانَكِ الرّواضِع/ قلِّديني بفوْحِ مِسكِكِ وسامةً/ شُدّيني وَمْضَ نقاءٍ إلى عينِ ربيعِكِ/ وفي تهاويمِ مَجدِكِ/ أَنبتيني أيدي طفولةٍ تُمسِكُ بالشّمسِ/ لِتَسْتوِيَ عدلًا على جُزرِ النّورِ!

الآنَ، تتراقصُ الكلماتُ أمامي كمِثلِ النّجوم اللاّمعةِ التي رصّعتْ فستانَ السّماء.. حينَ نزلَتِ النّجومُ عندَ غاباتِ الغزالةِ، ورصّعتْ فساتينَ اللّغةِ.. بهذهِ الشّفافيّةِ والرّقّةِ الّتي تَسرِقُ مِنكَ حتّى المنام.. وتَفضحُ رقّةَ الكلماتِ الّتي تقودُكَ إلى الثّورةِ.. وتلكَ الّتي تأخذُكَ إلى البحرِ.. البحرُ يُعطيكَ ما تريدُ أنْ تَراهُ.. والغزالةُ بينَ بياضِ اللّوزِ ونقاءِ العِشقِ.. تُعطيكَ مِنَ البياضِ ما تُريدُ.. ومِنَ الحزنِ والحُبِّ ما تُريدُ.. تَعتقدُ مِن خِلالِ الشّفافيّةِ أنّ الغزالةَ تكشِفُ لكَ الغابةَ.. تَخدَعُكَ اللّغةُ.. تلكَ مقدرةُ الشّاعرةِ الغزالةِ، الّتي تَجْمَعُ ما بينَ الرّقّةِ والفِكرِ والرّمزِ والغموضِ والحداثةِ.

مِن قصيدةِ "بشامةِ حنينٍ تلوذينَ" ص 101 -102: مشبووووبًا/ أبحَرْتُ على مَتنِ أمنيةٍ/ وعرائشُ الماءِ تُوشوشُ نواعيرَ اشتعالي/ بشذاكِ الغضّ!/ توسّدتُ شراعَ أُفقِكِ النّديّ!/ تسَرْبلْتُ ماءَكَ طلاسمَ وِشاحٍ/ وَطُفتُ بحلقاتِ مدادٍ زئبقِيٍّ/ أُنصِتُ لشفافيّةِ جنائِنِ قرُنفُلِكِ!/ أأفترِشُ صدرَ سماءٍ تكدّسَتْ بنقائِكِ/ وما اتّسعَتْ لابتساماتِ ربيعي؟/ أصابعُ لوزِكِ استأثرَتْ برهامِ فيحائي/ وانهمَرْتُ ضَحِكًا فيروزيًّا!/ مَزْهُوًّا؛/ تولّهْتُ بتسابيحِ مُراوغتِكِ/ واتّكأتُ على فُسْحَةِ لحاظِكِ تُلألِئُني/ وتلهَجُكِ بساتينُ وقتي!/ عرّيْتِ أنفاسَ صمتي بإغواءاتِكِ المُقدّسةِ/ وعُنوَةً/ انسَدَلْتُ انثيالاتٍ تتوَهّجُ/ على عتباتِ غمامِ الحروفِ/ أيا وجدي الصّاخبُ/ كم بِتُّ أستجْدي مُحالَكِ!/ في حقولِ الكلامِ تَعصفُني رياحينُكِ/ وتَستمْرئُني سُحُبي التجْهشُكِ/ زخّاتٍ أبديّةِ الضّياء!

وأعودُ إلى غزالةِ المروجِ الشّاعرة آمال، وهي تزفّ نزيفَ القلبِ، بينَ المروجِ وأيائلِ الغاباتِ الموغلةِ في الهجرةِ والغيابِ.. حيثُ يَرتفعُ النّداءُ حدَّ هاويتَيْنِ! هذهِ القصيدةُ وغيرُها كما قلتُ سابقًا، "تحملُ همَّ الغربةِ والعودةِ والوطنِ "بتلك الشّفافيّةِ"، دونَ أن تتحوّلَ إلى شعاراتٍ وخطاباتٍ ولغةٍ مباشرةٍ.. إنّها الحداثةُ في مَفهومِ الوطنِ والعودةِ.. لنستمِعْ لروعةِ هذا النّداءِ مِن قصيدةِ: "نقشٌ في عتمةٍ حافيةٍ" ص 42-43: رغوَةُ نداكِ المُمَلّحةُ/ جَ فْ فَ تْ/ على نسْغِ قلبي النّازفِ/ تكَمّشتْ بطونُ أيائلي بينَ هاويتيْنِ!/ غاباتُ هَجْرِكِ سافرةُ النّيرانِ/ أزهرَتْني تباريحَ ظمأٍ/ على بورِ فؤادٍ اعشوْشبَ بغيابِكِ/ وما كانَ مِنْ مُتّسَعٍ لألمي المُخمليّ/ مِن أرضِ الرّحيلِ البَعيدِ عُدْتُ سنونوّةً؛/ أنبَتَتْها عتمةُ مسافاتٍ متأرجحةٍ/ فوقَ ظمَأِ الصّدى المُعتّقِ في شِباكِ العناكبِ!/ رنّتْ أزهارُ عودةِ الشّحاريرِ/ تستندي طَلَّكِ الأيّوبيّ/ تسْتسقي قُبّتَكِ النّبيذيّةَ: اِمْنحيني حصّةً مِن مُزنٍ مُضيءٍ/ يَسْتحِمُّ به سوْسنِي/ لأتمدّدَ حُلمًا/ في أعشاشِ صوامِعِكِ!

ويَعلو التّحدّي والتّمرّدُ والعنفوانُ.. حينَ تسمو القصيدةُ في خيالِ الشّاعرةِ الغزالةِ آمال، وهي تُغازلُ جنونَ هذا الوطنِ بهذهِ النّبرةِ العاليةِ، الّتي تَحملُ الكبرياءَ وصفاءَ الفِكرِ وجَمالِ الحضور.. ومن ص 33 (طعمُكِ مفعَمٌ بعطرِ الآلهةِ): تمرُّدُ خفقتي المَهووسَةِ لا تلجُميها/ لا تُحيليني وَطنًا مُثقَلًا بالمَناقيرِ/ أبدًا/ مَناقيري ما خنعَتْ لدساتيرِ هُرائِهِم! وأختمُ ككلِّ البداياتِ الرّائعةِ ما بينَ الغزالةِ والحُلم.. هذا الحنانُ الصّارخُ، أفقدَني ماذا أختارُ مِن قصيدةِ "فوضى ألواني المشاكسة"، ولكنّ محبّتي العميقةَ لتلكَ الغاليةِ الّتي جَعَلتْ منّا ومنها هذا الهُيامَ..

أختارُ هذا المقطعَ ص 97 – 98 من قصيدة "فوضى ألواني المُشاكِسة": سِندريلايَ/ هيَ ذي ذاكرتي العاقرُ تحمِلُ بك/ تلدينني شاعرًا يَتفتّقُ وجْدًا/ يَهيمُ بنيرانِ تيهِكِ/ وأنا المُفعَمُ بخريرِ غديرِكِ/ أَ تَ أَ مَّ لُ كِ/ بمِجَسّاتِ حُروفي/ أتَحَسّسُ رِهامَ خطْوِكِ/ يُوشْوشُني غُوايةَ قصيدةٍ راعدة!

إشارات: هذه ليستْ مادّةً نقديّةً.. هذا النّشيدُ الممتدُّ مِن سهوبِ الكرملِ، إلى كرومِ وبساتينِ وحدائقِ الشِّعرِ المُعلّقةِ فوقَ أرضِ الجِنانِ.. تَحمِلُ طيبَ المرأةِ الأنثى، "أرضَ الخصْبِ وبُستانَ الحياةِ"، كي تَحصُدَ البشريّةُ.. الزّهرَ، الشِّعرَ، العِطرَ، مِن أجلِ أن تَسمُوَ الرّوحُ في فضاءِ العِشقِ والمَحبّة.

"رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ"؛ مجموعةٌ شعريّةٌ للشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان.. إصدارُ "دار الوسط اليوم" رام الله- فلسطين/ حجم متوسط الصّفحات-126 ومجموعةٌ من اللّوحاتِ الدّاخليّة. وفي نهاية اللقاءِ كانتْ إضافاتٌ للزّميلاتِ والزّملاءِ، وكلمةُ شُكرٍ للمُحتفى بها الشّاعرة آمال عوّاد رضوان، وعلى أنغامِ الموسيقى اختتمَ الّلقاءَ كلٌّ مِنَ الشّاعر نظير شمالي وابنتِهِ المُبدِعةِ غفران شمالي، بوَصْلةِ قراءاتٍ شِعريّة.

وفي مقالٍ طويلٍ  للأستاذِ محمّد عدنان بركات بعنوان: "عصفورةُ الإبداعِ المُشرِقِ آمال عوّاد رضوان" نُشِرَ في "موسوعةِ أبحاثٍ ودراساتٍ في الأدبِ الفلسطينيِّ الحديثِ"- الأدب المَحلّيّ- الكتاب الثّاني: 

إشراقاتٌ تعريفيّةٌ وتجلّياتُ نقدٍ: تُعدُّ آمال عوّاد رضوان ظاهرةٌ إبداعيّةٌ فريدٌ نوعُها؛ إذ استطاعتْ أنْ تَخُطَّ لنفسِها مَكانةً في خريطةِ النّثرِ العربيِّ الحداثيِّ، وتأتي الدّراسةُ الحاليّةُ لتُلقِيَ بالضّوءِ على ما تَناثَرَ مِن عبَقِ إبداعِ الأديبةِ هنا وهناك؛ وتَلمُّهُ في دراسةٍ واحدةٍ؛ علّها تكونُ مُتَّكَأً لدراساتٍ أخرى تَفيها حقَّها.

بدأتُ الدّراسةَ بالسّيرةِ الذّاتيّةِ للكاتبةِ آمال؛ ثمَّ بآثارِها الإبداعيّةِ والوظيفيّةِ، وأبرَزُ ما تَمايَزَتْ بهِ تلكَ الآثارُ مِن إشراقاتٍ شكلًا ومضمونًا. طلبتُ مِنَ الكاتبةِ أنْ تَمُدَّني بسيرتِها الذّاتيّةِ؛ فأجابتْني: ليسَ لي سوی اسْمي وبَلدي وصورتي.

آمال عوّاد رضوان أديبةٌ وباحثةٌ فلسطينيّةٌ؛ وُلدَتْ في قرية عبلّين في الجليل؛ وهي كما تقولُ: "ليستْ سوى طِفلةً خضراءَ انبثقتْ مِن رمادِ وطنٍ مسفوكٍ في عُشٍّ فينيقيٍّ منذ أمدٍ بعيد! أتتْ بها الأقدارُ على مُنحنى لحظةٍ تتّقدُ بأحلامٍ مُستحيلةٍ؛ في لُجّةِ عتمٍ يَزدهرُ بالمآسي، وما فتِئَتْ تَتبتّلُ، وتَعزفُ بنايِ حزنِها المَبحوحِ إشراقاتِها الغائمةَ، وما انفكَّتْ تتهادى على حَوافِّ قطرةٍ مُقدَّسةٍ مُفعَمةٍ بنبضِ شعاعٍ؛ أسمَوْهُ الحياةَ!"

عشِقتْ آمال الموسيقى والغناءَ، فتعلّمَتِ العزفَ على الكمانِ منذُ طفولتِها، وقدْ داعبتْ حنجرتُها الأناشيدَ المدرسِيَّةَ، وشاركتْ وما تزالُ في الكورال العبلينِي؛ "جَوْقةِ الكروان" الغنائيّة!

أمّا مُطالعةُ القصصِ والرّواياتِ، فكانتْ منذُ أن تعلّقتْ عيناها بأرجوحةِ فكِّ الحروفِ، وكانَ للقلمِ المَخفيِّ في جيْبِ سُترتِها وتحتَ وسادتِها صليلٌ يُناكفُها، كلّما شحَّ رذاذُ نبضِهِ في بياضِها. ما بَعدَ الفترةِ الثّانويّةِ حلّتْ مَرحلةُ منفاها الحقيقيِّ عن طفولتِها الزّاهيةِ، حينَ استلَبَتْها مَخادعُ الدِّراسةِ الثّلجيّةِ مِن أجيجِ نشاطاتِها، ومِن ثُمّ؛ تملّكَتْها مسؤوليّاتُ الزَّواجِ والْأسرةِ ومهنةِ التّدريسِ، واقتصرَ دوْرُها الأساسيُّ على مَرحلةٍ جديدة؛ هو بناءُ عالَمٍ مُحبَّبٍ آخَر، بعيدًا عنها قريبًا جدًّا منها، الأسرةِ بكاملِ مسؤوليّاتِها الجَمّةِ. بدأ قلبُ آمال ينبضُ بعبقِ العربيّةِ، وبنقدِ مَشاهِدَ مُجتمعيّةٍ؛ فنشرتْ مَقالاتِها في الصّحفِ المَحلّيّة، ومواقعِ الشّبكةِ العنكبوتيّة، ونشرتْ دَواوينَها الشّاعريّةَ في كتبٍ مُستقِلّةٍ، فما هي تلك الآثارُ الّتي انبَجَستْ مِن مَعينِ إبداعِها؟

آثارُها: تنوّعَ غديرُ آمال عوّاد رضوان الأدبيّ؛ فضمّ: دواوينَ شاعريّةً ونثريّاتٍ، وكتابَ "رؤى" في مجموعةٍ من المَقالاتِ والبُحوثِ، وكُتبًا بالاشتراكِ معَ الشّاعرِ والمُترجِمِ محمّد حلمي الرّيشة،.

قصائدُ النثرِ: ثلاثةُ دواوينَ شاعريّةٍ تَندرجُ تحتَ ما يُسمّى "قصيدةُ النّثر"؛ هي لآلئُ آمال المتجدّدة:

*"بَسْمَةٌ لَوْزِيَّةٌ تَتَوَهَّجُ": يُعَدُّ ديوانُ الكاتبةِ الأوّلُ؛ وقد نُشِرَ عَام 2005م. ولعلَّ عنوانَ هذا الديوانِ جاءَ مِن صدى قوْلِها في قصيدة "شوقي إليكَ يُشعِلُني": "ماذا أقولُ فيمَن/ يَزْرَعُ شِفاهِيَ بأغراسٍ مِنْ قُبَلِ رِضَىً؟/ حينَ يُوَشّي عيْنَيَّ/ بِبَسْمَةٍ لَوْزِيَّةٍ تَتَوَهَّجُ حَياةً وَحَياءً؟" ضمَّ هذا الدّيوانُ تسعةَ قصاصاتٍ شاعريّةٍ هي: "أحنُّ إلى حفيفِ صوتِكَ"، و"في مهبِّ رصيفِ عزلةٍ"، و"أوتارٌ متقاطعةٌ"، و"عصفورةُ النّارِ"، و"اُنْفُضِ الغبارَ عنْ متحفِ فمِكَ"، و"كي لا تتهاوى"، و"شوْقي إليكَ يُشعِلُني"، و"أيائلُ مُشبعةٌ برائحةِ الهَلعِ"، و"غيرةُ حبيبي"؛ وكان ختامُ هذا الدّيوانِ تعليقًا شاعريًّا قالتْ فيهِ: "ها أنتَ/ بعدَ تِرحالِكَ المُضني في البيداءِ/ بعدَ الكَللِ والعَناءِ تَحُطُّ الرّحالَ/ وتَمضي../ تَمضي خلفَ قوافلِ الكلماتِ..".

كيفَ لا يكونُ هذا التّرحالُ مُضنِيًا؟! كيفَ لا يكونُ مِضي الآخَرِ المُتعَبِ خلفَ قوافلِ الكلماتِ؟ وأيّ كلمات!

يُقدّمُ الشاعرُ محمّد حلمي الريشة لهذا الديوان بتقديمٍ، هو أشبهُ بمقالٍ يَسيرُ في مَسالِكِ الكشفِ على منابرِ الحقيقةِ؛ ليَنشُرَ عبقَ كُنْهِهِ، وقد عنوَنَهُ بـ :"بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ على شفاهِ الشِّعرِ": "لِمَ فِي اشْتِعالِ الشِّعرِ، دائِمًا، داخِلَ كَينُونَةِ الشَّاعِرِ، رُغمَ فُجأَتِهِ الَّتي تُقَلِّبُ جِمارَ حَواسِّهِ السَّاكِنَةِ كَزَلزَلَةٍ تَنهَضُ مِن نَوْمِها، يَسعى الشَّاعِرُ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرَّاتِ ثُبوتِ قِيامَتِها، إِلى تَرويضِ فِكرَتهِ العالِيَةِ؟".

ثمّ يجيبُ علَّهُ يُشفي ما يَشعرُ بهِ من وَهجِ الحقيقةِ المُستترةِ: "رُبَّما.. لأَنَّها (الفِكرَةُ) تُشيرُ بُوصَلَتُها إِلى الغِيابِ، أَو قُلْ: هِيَ الغِيابُ نَفْسُهُ، إِنْ لَمْ تَكُنْ تَعني الفَقْدَ، أَو هِيَ الفَقْدُ بِتَماهيهِ في ذاتِهِ حينًا، وفي ذاتِ الشَّاعِرِ حينًا آخَر.. لكِنْ، وَهذا مِن بَواعِثِ المُثابَرَةِ الشَّاعِرِيَّةِ المَجنونَةِ؛ ثَمَّةَ ما يُقَلِّدُ الفَرَحَ في الذَّاتِ، وَلِلذَّاتِ الشَّاعِرَةِ لَذَّةٌ دُونَ إِطارِها الزَّمَنِيِّ؛ تِلكَ الذَّاتُ الَّتِي تَحتَضِنُ آخَرَها داخِلَها، بِكُلِّ مَيَلانٍ أَوِ انْطِلاقٍ".

إنّ مَن يُريدُ أن يخوضَ غمارَ تجربةٍ قرائيّةٍ لهذه المجموعةِ الشاعريّةِ، أو غيرِها من إبداعاتِ الكاتبة آمال عوّاد رضوان، لا بدّ لهُ أنْ يَجعلَ عينيْهِ تُحاكي الكلماتِ وتَسكُنَ الاتّجاهاتِ؛ اتّجاهاتِ القراءةِ المُتأنّيةِ في زوايا مختلفةٍ، أو أقلّها، أنْ يَقلِبَ وضْعَ عينيْهِ عكسًا؛ إلى الداخل؛ وهذا شعورُ مَن تسيلُ قطراتُ فِكرِهِ على مَحافلِ التّحليلِ؛ وكأنّي الرّيشة في إحساسِهِ؛ عندما قال: ".. إِذ أَحسَسْتُ، وَأَنا أَقرَأُ شِعرَ الشَّاعِرَةِ القادِمَةِ آمال عوّاد رَضوان، أَنَّها تَدعُو القارِئَ/ قارِئَها إِلى أَنْ يَقْلِبَ وَضْعَ عَيْنَيْهِ عَكْسًا؛ إِلى الدَّاخِلِ، لِيَرى، بِحِسِّ نَظَرِهِ أَوَّلًا، كَينُونَةَ بَواطِنِهِ المُغَيَّبَةِ بِفِعْلِ واقِعٍ يَضِجُّ شَراهَةً وَيَجنَحُ افْتِراسًا، مُغَيِّبًا حَراكًا جَمالِيًّا كَانَ يُسدِلُ ظِلالَهُ النَّدِيَّةَ، عَلى جَفافِ الحَياةِ وَعَطَشِها العُضال..".

ولذا؛ فإنّ القراءةَ النقديّةَ الصّادقةَ لا بدَّ أنْ تربطَ زخرفةَ الظّاهرِ بسَنابِكِ المُضْمَرِ؛ وهي الّتي عبّرَ عنها النّاقدُ العِراقيُّ علي حسن الفوّاز بقوْلِه: "لا يُمكنُ أن تكونَ القراءةُ النّقديّةُ إلّا محاولةً في استعادةِ تأمّلِ النّصِّ؛ النّصِّ المَفتوحِ والمُصمَّمِ والمُوحي، لأنّ هذهِ القراءةَ ستسعى إلى تفكيكِ التّماسُكِ الظّاهريِّ في النّصّ، والبحثِ عن الأبنيةِ الخَفِيّةِ والعميقةِ فيهِ".

والسّؤالُ الّذي يَستوقِفُ القارئَ: هل قصاصاتُ هذهِ المجموعةِ الشّاعريّةِ تُصيبُ تلكَ الاستعادةَ في الصّميمِ؟ يُمكنُ القوْلُ إنّ نصوصَ الكاتبةِ آمال عواّد رضوان، أو قصاصاتِ مجموعتِها تُصيبُ تلكَ الاستعادةَ، أو تتداخَلُ في تَماهيها الّلامَحدودِ؛ ومِن ذلكَ ما أشارَ إليهِ الفوّاز بقولِهِ: "وإزاءَ هذا، أجدُ أنّ أغلَبَ نصوصِ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان في مَجموعتِها الشّعريّةِ "بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ"، تتماهى معَ هذهِ الاستعادةِ الّتي تتكفّلُ بإعطاءِ نصوصِ المجموعةِ سِياقًا حُرًّا، تسعى مِن خلالِهِ الشّاعرةُ إلى توسيعِ فِكرةِ الاستعادةِ تلكَ، مِن خِلالِ استمالةِ الحِسّيِّ والجسدانيّ، والوصفِ الشّعوريِّ المُتورِّطِ بالكشْفِ عن تفاصيلِ التّجربةِ وترميزِها، ومَنْحِها إيقاعًا داخليًّا مُصمّمًا، وكأنّهُ تعويذةٌ للارتواءِ وبيانُ الإنشادِ العاطفيِّ، الّذي يَتماهى معَ نداءِ الآخَرِ، الحاضرِ عبْرَ صُوَرٍ ومَناخاتٍ حِسّيّةٍ وآيروسيّةٍ مُتعدّدة..".

تقولُ الكاتبةُ في قصيدة "شوقي إليكَ يُشعلني": "ماذا أقولُ فِيمَن/ يَصْهَرُني/ يُذَوِّبُني/ يُبَلْوِرُني/ يَجْعَلُني/ خاتَمَهُ الْمُرَصَّعَ السِّحْرِيّ؟" إنّ الأفعالَ المضارعةَ: يَصهرُني- يُذوّبُني- يُبلورُني- يَجعلُني؛ تُظهِرُ بدايةً الصّورةَ البسيطةَ لإعادةِ الخلقِ، وهو ما يَقبَلُهُ المدى العميقُ للمَعنى الّذي يَرتضيهِ النصّ! إنّ إعادةَ خلقِ الأنثى المُتجذّرةِ بصورةٍ جديدةٍ، بحاجةٍ إلى الغوْصِ في كُنْهِ الإمداداتِ "الحسّمَعْنَوِيّة"، أو ربطِ الظّاهرِ بالمُضْمَرِ، لجَعْلِها الخاتمَ المُرَصَّعَ السِّحْرِيَّ هي: الانصهار/ الذّوبان/ البَلْوَرة/ الخلق: خاتمَهُ المُرَصَّعَ السِّحْرِيّ.

إنّ الآخرَ الّذي بَلْوَرَ شخصيّتَها، لا بدَّ أن يكونَ لهُ مُواصَفاتٌ تخترقُ منابعَ قلبِها ومناهلَ فِكرِها؛ فتُرديهِ قتيلًا في بُؤرِ مَفاتِنِها؛ فلا يَهذي قلَمُهُ إلّا بحُروفِ اسمِها: "أهيمُ بِرَجُلٍ قَلْبُهُ مُلْكي/ وأنا القابِضَةُ عَلى أقفالِهِ/ مَرْهونٌ بأسْري../ يَلْتاعُ بِسِحْري../ قَلَمُهُ يَنْبِضُ بِحِبْرِ حُروفي/ قلبُهُ يتلوَّنُ بِخَمْرِ قُطوفي".

لكن، ما سرُّ سيطرَتِها؟ سرُّ سطوَتِها السّاديّةِ؛ أهو الشّعورُ بالّلاذاتيّةِ؟ أهو سَدُّ ثغراتٍ لزِمَتْ وجناتِها مِن وخْزِ إبرٍ مُجتمعيّةٍ؟! ألأنّها تُناظِرُ نفسَها بمَشهدِ حبيبٍ لوَّعَتْهُ شبقيّتَها العذراء؟ لعلَّ الإجابةَ المَغروسةَ في بَواطنِ كلماتِها، تُجيبُ عن بعضِ هذا التّساؤلِ: "هو ذا القَلبُ خاشعٌ/ راكعٌ في مِحرابِ الاعترافِ/ يُتمتمُ في صمتِهِ الصَّاخبِ/ يا مَنْ تَرْجمُني بِوابِلٍ مِن قُبُلاتٍ/ لأجْمَلِ اقْتِراف".

إنّ صورةَ الأنثى السّاديّةَ أو التّائهةَ، أو الباحثةَ عن نِصفِها المُكمّلِ لإشعاعِها المُتلوِّنِ في مَدارجِهِ، أو العاشقةَ جنونًا، يَتيهُ في وَمضاتِ سَطوَتِهِ، أو المُقيّدةِ بسَلاسلِ الانكسارِ والبؤسِ؛ نجدُها في قصاصاتٍ أخرى؛ بصُوَرٍ تُحاكي ما تُفضيهِ مِنَ انعكاسٍ وميضيٍّ؛ فها هي المشتاقةُ إلى مجنونِها تندلقُ في جنباته: "أَشتاقُكَ ../ أيُّها المَجنونُ/ إِلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك/ أَشتاقُك ../ وما مِن أحَدٍ يَراكَ شَفِيفًا كَمايَ".   وها هي الشّقيّةُ المُقيّدةُ؛ صورةٌ تُناجي الضّميرَ الحيَّ الممسوخَ عن الواقعِ المَريرِ: "آهٍ/ ما أَشقاها المرأةَ/ حينَ تُساقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ/ إلى زَنزانةِ أَحلامِها المُستَحِيلَة ..". لقد استطاعتِ الكاتبةُ آمال عوّاد رضوان بقُدرتِها الفائقةِ؛ بجنونِها: جنونِ العظمةِ الانسيابيّةِ الشّاعريّةِ الّذي لا يتأتّى إلّا لها، أو لِمن يَسيرُ في مَسالِكِ فِكرِها الخلّاق، أنْ ترسمَ صورةَ حوّاءَ بكلّ تفصيلاتِها، بهفَواتِها؛ بزفَراتِها؛ بتقلُّبِ شخْصِها الماثلِ في كينونةِ الشّعورِ الإنسانيّ؛ صورةً كليّةً كاملةً شاملةً في قصاصاتِ مجموعتِها كلِّها!

*"سَلَامِي لَكَ مَطَرًا": نُشر ديوان "سلامي لكَ مطرًا" عَام 2007م؛ بطبعتِهِ الأولى، وقد صدَرَ بالتّعاونِ معَ دار الزّاهرةِ للنّشرِ والتّوزيع؛ المَركز الثّقافيّ الفلسطينيّ- بيت الشّعر؛ في مدينة رام الله. ضمَّ هذا الديوان اثنتَيْ عشرةَ قصاصةً سحريّةً؛ حملَتْ زخارفَ مَعْلَمِه؛ هي: "خُرّافةُ فرَحٍ"، و"حوريّةٌ تقتاتُ مِن ضِرعِ النّجومِ"، و"سلامي لكَ مطرًا"، و"سماويّةُ غوايتي"، و"فتنةُ رؤًى عذراء"، و"ندًى مغموسٌ بغماماتِ سُهدٍ"، و"أنّى يُبلّلُني غبارُ التّثاؤُبِ جذلًا"، و"شاهدةٌ فوقَ لحْدِ النّهارِ"، و"اُسْكبيكِ في دَمي"، و"إليكِ أتوبُ غمامًا"، و"زغبٌ شمعيٌّ"، و"في مَلاجئِ البراءةِ".

برزَ عنوانُ الدّيوانِ بإشراقاتِ القصاصةِ الثالثةِ: "سلامي لك مطرًا". وقدْ قدّمَ لهُ الدّكتور إبراهيم سعد الدّين بزهْرَتِهِ المُعنْوَنةِ بـ: "سلامي لكَ مطرًا: مِن غوايةِ التّشكيلِ إلى فِتنةِ الرُّؤيا" :"في سياقِ هذا التّيّارِ الّذي يَجمعُ بينَ الأصالةِ والمُعاصَرةِ، ويَنبثقُ مِن مَنابعِ الشِّعرِ الخالِصِ، ويَصُبُّ في أنهارِه- تأتي تجربةُ الشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان، لتُشَكّلَ مَعْلمًا واضحَ القسَماتِ، جَلِيَّ الصّوتِ، مُتَميّزَ الحضورِ في ديوانِ الشّعرِ العربيِّ المُعاصِرِ. فهي تتحَرّرُ مِن بَعضِ مَوروثاتِ الشّعرِ العربيِّ وتقاليدِهِ- كالوزن والقافية- لكنّها تستعيضُ عن ذلكَ بموسيقى داخليّةٍ، تنسابُ انسيابَ النّسْغِ في قلبِ النّباتِ المُزهِرِ. وهي تَستغني عن التّفعيلةِ الخليليّةِ كوحدةٍ لبناءِ القصيدةِ، مُستبدِلةً إيّاها بتشكيلٍ صُوَريّ بالغِ الإيحاءِ عميقِ الدّلالةِ، يَظلُّ يَتواترُ على مَخايلِنا رُوَيْدًا، ويُلامِسُ مَنابتَ الحِسِّ فينا طيلةَ الوقت.."

إنّ ما يَجعلُ قصاصاتِ الكاتبةِ في مُقدّمةِ الأعمالِ الإبداعيّةِ النّثريّةِ، هو الجِرْسُ الموسيقيُّ المُنسابُ مِن كلماتِها؛ المتّصلُ بأفقِ الصّورِ الشّاعريّةِ؛ تلكَ الصّورِ الّتي تربطُ مَنابعَ الحِسِّ الحقيقيِّ عندَ القارئِ بتوارُفِ الإيحاءِ العميقِ، معَ نَسائجَ دلاليّةٍ بالغةِ التّأثيرِ فيها. لكن: ما الجديدُ الّذي أضافَتْهُ الكاتبةُ في هذهِ المَجموعةِ؟ إنّ مثلَ هذا السّؤالِ تُجيبُ عنهُ آمال بقصاصاتِ ديوانِها؛ تقولُ في قصيدةِ "خُرّافةُ فرَحٍ": "تَتَراءى لي خُرّافَةُ فَرَحٍ مِنْ أَقْبِيَةِ الشُّرودِ/ تُعانِقُ سُحُبَ الْمُخَيَّلَةِ/ وَفي أَرْوِقَةِ الخُلودِ/ تَتَماهى أُسْطورَةُ لِقاءٍ/ تَمْحو أَعْباءَ الخَطايا".

إنّها بخيالِها المُتدفّقِ حياةً، تُجيدُ العزْفَ على أوتارِ الّلغةِ دونَ نُبُوّ؛ كيف لا؛ وتلكَ الّلوحةُ السّماويّةُ تُشرقُ على تلالِ ذكرياتٍ، خطّها حبرُ إحساسِها في رائعتِها: "سلامي لكَ مطرًا": "يا مَنْ تَرْتَسِمينَ بَتولًا في أيْقونَةِ الطَّهارَةِ/ لَوْحَةً سَماوِيَّةً تُشْرِقينَ/ عَلى تِلالِ ذِكْرَياتي/ لأَظَلَّ ضَميرَكِ اليَسْتَتِرُ خَلْفَ جِبالِ صَمْتِكِ".

لقد أضافتْ في ديوانِها هذا الحسَّ الأكثرَ عُمقًا في هواجسِ الذّاتِ الواعيةِ؛ لتَجمعَ ما وقَعَ مِن ثغراتِ الأحاسيسِ؛ كي يَظهرَ خَلْقًا جديدًا ينبضُ بالحياةِ: فرَحِها وحُزنِها؛ وقد أشارَ الدّكتور إبراهيم سعد الدّين إلى ذلك؛ فقالَ: "التّشكيلُ الصُّوَريُّ والتّشكيلُ اللُّغويُّ هما- إذًا- جَناحا هذهِ التّجربةِ الشّعريّةِ، وهُما لُحْمَتُها وسَداتُها منذُ بواكيرِها الأولى. والشّاعرةُ آمال تَبلغُ في تَحليقِها بهذيْنِ الجَناحيْنِ شأوًا بعيدًا وذُرَى عالية، خاصّةً في قصائدِ مجموعتِها الأولى "بسْمةٌ لَوْزيّة تتوهّج"، غيرَ أنّها تُضيفُ إلى ذلك كُلِّهِ في ديوانِها هذا- "سلامي لكَ مطرًا"- فِتْنةَ الرُّؤيا، الّتي تَجمَعُ بينَ شفافيّةِ الحُلْمِ ودَهَشِ اليقظةِ، وتَصِلُ ما بينَ سَرْمديّةِ الرُّوحِ ونوازعِ الجسَدِ، وتَمزجُ بينَ هواجسِ العقلِ الباطنِ ونبوءةِ الذّاتِ المُدْرِكةِ، وتَضْفُرُ- في جَديلةٍ واحدةٍ- ما تَنافَرَ وتَباعَدَ مِنَ الأحاسيسِ والخلَجاتِ والدّلالاتِ والمَعاني، فإذا هيَ- القصيدة- مُستويةٌ خَلْقًا جديدًا، نابضًا بِدِفْء الحياةِ، وحرارةِ أنفاسِها، وتَناغُمِ إيقاعاتِها، رغمَ تَعُدّدِ الأصواتِ وتفاوُتِ النّبرات."

نُشر ديوان "رحلة إلى عنوان مفقود" عَام 2010م؛ بطبعته الأولى، وقد صَدَرَ عن دار الوسط اليوم؛ مدينة رام الله. وزُخرِفَ بإهداء بثته الكاتبة إلى الوطن من بوابة الحبّ الأزليّ عُنوِنَ بـِ: "إِلَيْكَ.. يَا الأُسْطُورَةُ!"

تقولَ: "يا مَنْ تُهْتَ مَسَرَّةً بِجَغْرافِيَّةِ الأَعْماقِ/ تُعِدُّكَ طَريقُ الْوَجَعِ قَواريرَ مِنْ بَتْلاتٍ/ مَغْمُوسَةٌ أَفْواهُها فِي الْولائِمِ/ لِمَ اسْتَعْصَى عَلَيْك فَضُّ صَمْتي/ وَإِعَادَتي إِلى سيرَتي الْعَذْرَاء؟/ ها ثَدْيُ تاريخِكَ/ تَيَقَّظَ مِن مَكامِنِهِ عَلى بَوَّاباتِ الْمَعابِدِ/ يُرْوي عِشْقًا مَكْنُونًا اعْتَراهُ بُكاءُ شَذاك/....../ تَجاعيدُ الْمَسافاتِ الصَّامِتَةِ يَلُوكُها وَهجُ الْجُنُونِ/ وَتَنْتَصِبُ أَعْمِدَةً ظَمْآى لِشَظايا أَنْفاسٍ/ تَتْلُو عَلى مَنابِعِ الظَّمَأِ بَعْضًا مِنْ مائِكَ الْمَكِينِ/ يَا الْوَطَن!"

ضمَّ هذا الدّيوانُ ستًّا وعِشرينَ لوحةً شاعريّةً؛ هي: "أقِمْ محرقةَ أقمارِكَ بأدغالِ مائي"، و"كَم موجِعٌ ألّا تكوني أنا"، و"وحدكِ تجيدينَ قراءةَ حرائقي"، و"طعمُكِ مُفعَمٌ بطعمِ الآلهة"، و"فستانُ زفافِكِ اعشوْشبَ كفنًا"، و"نقشٌ في عتمةٍ حافيةٍ"، و"على مدارجِ موجِكِ الوعِر"، و"آتٍ على ناصيةِ هوى"، و"مرِّغوا نهديَّ بعِطرِهِ الأزرق"، و"تجاعيدُ ناري موشومةٌ بالعُزلةِ"، و"نعاسُ السّؤالِ تنغّمَ دمعًا"، و"إلى شفيفِ سواحلي أؤوبُ"، و"مِرجَلُ انتظاري الثّلجيّ"، و"لِلوعةِ العتماتِ نذرتُكِ"، و"مَلِكُ الثَّلْج أنا"، و"جامحًا يَصهلُ الوقتُ"، و"على مَرمى خيبةٍ"، و"مُزنّرٌ بمئزرِ ملاكي"، و"فوضى ألواني المُشاكِسةِ"، و"بشامةِ حنينٍ تلوذينَ"، و"عينُ إبرتي تتثاءبُكِ"، و"برفيرُ غروبِكِ"، و"أسطورةُ التياعٍ"، و"قيثارةُ المساءِ"، و"ناطورُ الدّجى"، و"تحليقاتٌ سماويّة".

وقد أشارتِ الشّاعرةُ هيام مصطفى قبلان إلى هذا الديوان فقالت: ".. في المَجموعةِ الشّعريّةِ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ" للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، تَنهَضُ طفلةُ الرّمادِ، لتُلمْلِمَ حُلمًا سُفِكَ على أعتابِ وطنٍ صَعقَهُ النّزفُ، وتثاءبَ على دمْعِهِ الانتظارُ، تَحمِلُ نايَ الحزنِ، لتَصنعَ مِنَ المُستحيلِ إشراقاتِها المُجنّحةِ، فتتصاعدُ بها إلى لغةِ الجنونِ والحُلمِ، تُمارسُ هناكَ طقوسُ التّطهيرِ مِن أجل ولادةٍ نقيّةٍ، تُطلُّ ببهْجتِها مِن نافذتيْنِ، تَهشَّمَ على زجاجِهِما الممنوعُ والمُغيّبُ.." .

"سُحُبي الصُّوفِيَّةُ تَسْتَمْرِئُ مَراعِيَ الْمَلائِكَةِ/ أَجْهَشُكِ نُذُورَ صَمْتٍ/ أَنا الْمُكَلَّلُ بِثَرْثَرَةِ الدَّهْشَةِ!/ ولَمَّا تَزَلْ كُؤُوسُ أَبْجَدِيَّتِكِ الرَّاعِفَةِ/ تُنادِمُ تَضَرُّعِي/ تُشاكِسُ سَواحِلَ فَيْضِي/ وَما أَنْهَكَها فَنارُكِ!" لقد تناغمتْ أمامي، في هذا الدّيوانِ، لوحاتٌ إبداعيّةٌ لم أعهدْها في لوحاتٍ شاعريّةٍ أخرى، إنّها براعمُ دفنشيّة بقالبٍ شرقيٍّ؛ ازدادتْ عُمقًا صوفيًّا، لتبثُّ منهُ جنونًا مُحبّبًا إلى القارئ.

الْكُتُبُ الآتيةُ بالاشْتِراكِ: *الْإِشْراقَةُ الْمُجَنَّحَةُ- لَحْظَة الْبَيْتِ الأَوَّل مِنَ الْقَصيدَة: هذا الكتاب من تحرير الكاتبةِ آمال عوّاد رضوان بالاشتراك مع الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة؛ ومن تقديم: د.شربل داغر، وقد نُشر بطبعتِهِ الأولى عَام 2007م، على نفقةِ المُحرّرَيْنِ، وبدعمٍ مِن بيتِ الشِّعرِ الفلسطينيّ- رام الله، ويَعكسُ شهاداتٍ لـِ 131 شَاعِرٍ مِنَ الْعالَمِ الْعَرَبِيّ، ومنهم على سبيلِ الفيْضِ الأريجيِّ لا على سبيلِ الحصْرِ المُمَنهَجِ: آمال عوّاد رضوان، وآمال نوّار، وحنّا أبو حنّا، وسماح الشيخ، وسميح القاسم، وعزّ الدّين المَناصرة، وفاروق مواسي، وفهد أبو خضرة، ومحمّد بركات، ومحمّد حلمي الريشة، ومَرام إسلامبولي، ومنيرة مصباح، ووديع العبيدي، ويوسف رزوقة. قدّم د.شربل للكتاب بمقدّمةٍ عنوَنَها: "لحظة بأبدٍ.. إن أُتيحَ لها أنْ تُشرِقَ"؛ قائلًا: "هذا كتاب- شهادة، شهادات؛ بما يَشتمِلُ عليهِ مِن بوْحٍ، ووصفٍ، وتفسيرٍ، وسبرٍ لأغوارِ الشّاعرِ، فضلًا عن مَجاهلِ القصيدة. وفيهِ ما يَجعلُ الشّعراءَ يَنظرونَ إلى صنيعِهم، إلى ما يُصيبُهُم صُدْفةً، أو إثرَ تدبير. وشارك فيه 131 شاعرًا/ةً عربيًّا/ةً؛ من أجيالٍ وتجاربَ وحساسيّاتٍ مختلفةٍ، ما يُعَدُّ اجتماعًا نادرًا في حدِّ ذاتِهِ. وقد يكونُ مُناسِبًا طرْحُ السّؤالِ: كيف يَحدُثُ مثلُ هذا الاجتماع؟ ..".

ثمَّ تساءلَ: "أيقوى الشّاعرُ فعلًا على تذكُّرِ أو على مُباغتةِ خطوتهِ قبلَ أنْ "يَغمرَها العشبُ؟" ذلكَ أنّ لحظةَ القصيدةِ الأولى قد يَتّجهُ الشّاعرُ صوْبَها، إلّا أنّها قد تأتي إليهِ أيضًا، طالما أنّها لحظةَ تتعيّنُ في التّعبِ أو في الحماسِ الشّديدِ؛ في السُّكر أو في اليَقظةِ العاليةِ؛ في النوم أو في المُباغتةِ؛ في التّلهّي أو في الرّصدِ، وفي غيرِها ممّا يَنساهُ الشّاعرُ، طالما أنّ ما يَستفزُّهُ ويَستثيرُهُ، يَردُمُ وراءَهُ دومًا ما حصَلَ له- إنْ تنبَّهَ لهُ، في النّادر..".

أمّا الكاتبة آمال عوّاد رضوان؛ فكانت شهادتُها: "تُمْسِكُ بجمْرِ أجنِحتِها أصابعي النّاعسة"؛ قالتْ فيها: "هي القصيدةُ أنا، ذاتُ القلبِ المُتلوِّنِ بنورانيّةِ الّلحظاتِ الشّعريّةِ، المُشتعلةُ باخضرارِ نارِ الحواسِّ، والمُتجمِّرةُ المُتوثّبةُ بدهشةٍ لا تُحَدُّ. هي الإشراقةُ، لحيظةٌ وامضةٌ من سويعاتِ العُمر الغافلِ، تلوحُ في الأفق؛ بإحكامٍ تُعانقُني، تُكبّلُني بقيْدِها الذّهبيِّ، وفي غمْرةٍ مِن عِطرِها الأخّاذِ، تَسلِبُني مِن صخبِ الفلسفةِ وطلاسمِ الحياةِ المُمنطقةِ. هي الإشراقةُ؛ على أجنحةِ دمعةٍ باسمةٍ مَجيدةٍ، تُحلّقُ بي إلى سُدَفِ التأمُّلاتِ العشوائيّةِ، تتوشَّحُ بغيماتٍ هائمةٍ حائرةٍ لا واعيةٍ، تُومضُ لألاءةً، تَحُفُّ هامةَ قلمي بقُدسيّةِ ابتهالاتِ الرّوح، وتُسَربلُني عباءةً فضفاضةً من سِحْرِ الكلمات".

*نَوارِس مِنَ الْبَحْرِ الْبَعيدِ الْقَريبِ- الْمَشْهَدُ الشِّعْرِيُّ الْجَديدُ فِي فلسْطين الْمُحْتَلَّة 1948: صدَرَ هذا الكتابُ عن "بيتِ الشّعر الفلسطينيّ" في رام الله؛ مِن تحرير وتقديم: الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة والكاتبة آمال عوّاد رضوان، وقد نُشِرَ بطبْعتِهِ الأولى عام 2008م، وبَلغَ عددُ صفحاتِهِ 288 صفحةً مِنَ القطعِ المُتوسّطِ الخاصّ، ونُشِرَ بدَعْمٍ مِنَ الّلجنةِ الوطنيّةِ الفلسطينيّةِ للتّربيةِ والثّقافةِ والعلومِ. يُعَدُّ هذا الكتابُ العملَ الثّاني المُشترَكَ بينَ الرّيشةِ ورضوان؛ بعدَ كتابِ "الإشراقةُ المُجنّحةُ: لحظة البيتِ الأوّلِ مِنَ القصيدة". يَحتوي الكتابُ على سِيَرٍ ذاتيّةٍ أدبيّةٍ ومُختاراتٍ شِعريّةٍ لـ (44) شاعرًا، وقد رَكَّزَ الكِتابُ على الشّعراءِ مِن مَواليدِ العام «1950» فصاعدًا؛ وقد أشارَ المُحرّرانِ في المُقدّمةِ إلى ذلك: "لا بدَّ لنا هنا مِن توضيحٍ لعملِنا هذا؛ فقد كنَّا، بعْدَ تبَلْوُرِ فِكرَتِهِ، وبعدَ اعتمادِ مَنهجيَّتِهِ (نظرًا لعدمِ وضوحِ المَشهدِ الأدبيِّ في الجزءِ الفلسطينيِّ 1948، وعدمِ وصولِ النّتاجاتِ الأدبيّةِ إلى مرافئِها المَحلّيّةِ والعربيّةِ)، فإنّنا ارتأيْنا أنْ نَجتهِدَ ونَعملَ على إعدادِ مُختاراتٍ شِعريّةٍ (أنطولوجيا)، وأنْ تكونَ هذهِ المُختاراتُ للشّعراء/ الشّاعرات مِن مواليد العام 1950 فصاعدًا..".

والشعراء المشاركون هم حسب التسلسل الأبجديّ: أحمد فوزي أبو بكر، آمال عوّاد رضوان، أيمن كامل إغباريّة، بشير شلش، تركي عامر، جربس دبيّات، رافع يحيى، رانية إرشيد، رجاء غانم دنف، ريتا عودة، زهير دعيم، سامر خير، سامي شريف مهنّا، سلمان مصالحة، سليمان دغش، سهير أبو عقصة داوود، شوقيّة عروق منصور، صالح حبيب، صالح زيادنة، الطيّب غنايم، علي هيبي، غادة الشافعي، فهيم أبو ركن، كاظم إبراهيم، ليليان بشارة منصور، ماجد عليّان، ماهر رجا، محمّد حمزة غنايم، محمّد سليمان خضور، مروان مخول، مسلم محاميد، مصطفى مراد، معين حاطوم، معين شلبيّة، منى ظاهر، منير توما، نداء خوري، نزيه حسون، نظير شمالي، نمر سعدي، نهاية كنعان عرموش، هيام قبلان، وهيب نديم وهبة، يوسف الديك.

*مَحْمُود دَرْوِيش:صُورَةُ الشَّاعِرِ بِعُيُونٍ فلسْطِينِيَّةٍ خَضْرَاء: هذا الكتابُ حولَ الشّاعرِ الرّاحلِ محمود درويش، أعَدَّهُ وحرَّرَهُ: آمال عوّاد رضوان ومحمّد حِلمي الرّيشة، وقد حَمَلَ عنوانُ: "محمود درويش: صورةُ الشّاعرِ بعيونٍ فلسطينيّةٍ خضراءَ"؛ بنفقةِ المُحرِّرَيْنِ وبالتّعاون مع بيتِ الشّعرِ الفلسطينيّ، ونُشِرَ بطبْعتِهِ الأولى عام 2008م؛ واشتملَ على (292) صفحةً مِنَ القطْعِ المُتوسّط.

احتوى الكتابُ على نصوصٍ شعريّةٍ وشهاداتٍ وقراءاتٍ؛ أنجزَها عددٌ منَ الشّعراءِ والكتّابِ والمثقّفينَ والسّياسيّين بلغَ عددُهم في الكتاب (51)، وهم من الّذين يُقيمونَ في الجزءِ الفلسطينيّ المحتلّ سنة 1948م، وقد تمَّ جمْعُ هذهِ النّصوصِ المختلفةِ كإشراقات تقديريّة، وإشعاعاتِ شكرٍ للشّاعرِ الرّاحلِ، وكتوثيقٍ أوّليٍّ لِما كُتبَ عنهُ في ذلكَ الجزءِ الفلسطينيِّ، بدأ الكتابُ بكلمةٍ زَخرفتْ بوّابته؛ لبيت الشعر؛ عُنونت بِـ: "سلامٌ عليكَ يا صاحبَ الكلام": "..محمود درويش نقطةُ الضّوءِ العُليا الشّاسعة، وجمرةُ الشّعرِ الواسعةُ بحجمِ فلسطين، وماؤُنا الشّعريُّ الثّقيلُ الّذي أوصلَ فلسطينَ إلى العالمِ حُرّةً ومُعافاة ...".

وفي شِعريّات الكِتاب؛ بَرزَتِ الكاتبة آمال برائعتِها "أقِمْ مِحرقةَ أقمارِكَ بأدغالِ مائي"؛ قالت فيها: "ها الكرملُ غامَ في دُوارِ صَيْحَةٍ/ درويشُ بُحَّةُ وطَنٍ جاوزتْ أَنْفاسَ النُّواحِ/ يا المُستحيلُ تَمَهَّلْ/ لا تُبِحْ فيْضَ سنابِلِهِ في مَهَبِّ غَفوةٍ".

*"رؤى"؛ مقالاتٌ مِن مَشاهد الحياة ثقافيّة واجتماعيّة: نشر عام 2012.

عنوانُ الإصدارِ الجديدِ للكاتبة آمال عوّاد رضوان، والّذي أُصدِرَ عن دار الوسط اليوم للإعلام والنّشر في رام الله، وقد جاءَ في 232 صفحةً مِنَ القطعِ الكبير.  

كما ضمّنتْ إصدارَها الجديدَ إهداءً خاصًّا لموقعِ ديوان العرب، ولمُحرِّرِ صفحة رؤى في جريدةِ الرؤية العُمانيّة الكاتب عبدالله خميس، وللقارئِ العربيّ، فيما حمل الغلافُ إحدى لوحاتِ الفنّان التّشكيليّ الأردنيّ سعيد حدّادين.  

 وقالت في إهدائِها: أُهدي هذا الإصدارَ لديوان العرب عربون امتنانٍ لتقديرِهِ آمال عوّاد رضوان ككاتبةٍ مُتميِّزةٍ، ومنْحِها درع ديوان العرب لعام 2011، كما أُهدي هذه المَشاهدِ للرّؤيةِ العُمانيّةِ مُمثَّلةً بمحرّرِ صفحتِها "رؤى" الزميل الكاتب والصّديق الأستاذ عبدالله خميس، ودفْعِها لي في تناولِ موضوعاتِ الكتابِ، وأُهديها للقارئِ العربيِّ مَن واكبَ نبْضَ مقالاتي الهامسةِ المُشاكسةِ، ومَن تابعَ إيحاءاتِ عناويني المَلغومةِ المَكتومةِ، ومَن ساهمَ في نبْشِ سطوري العاصفةِ الكاشفةِ على مَدارِ أكثرَ مِن عاميْن.

معكم نمضي، ومع كلِّ صوتٍ حُرٍّ يَعتلي بفِكرةِ الحرّيّةِ إلى سموّ أحلامِنا وشعوبِنا وأوطانِنا، ومَعكُم نَحمِلُ رسالاتِنا بينَ ضلوعِنا المغمورةِ بالجَمالِ والمَحبّةِ، نمتطي صهوةَ الآمالِ والأحلامِ، ونتعربَشُ بحروفِ أفراحِنا فوقَ سطورِ الآلام، لننقشَ مِن ذواتِنا الإبداعيّةِ مَعابرَ وجسورًا للنّفوسِ في كلِّ بقعةٍ تنطقُ بلغةِ الوطنِ والإنسان.

من خلالِ رؤى بنّاءةٍ نمنحُ الحرْفَ والّلوْنَ والصّوتَ والوَترَ والفِكرَ وهجَ إبداعٍ، استيقظتْ إرادتُهُ على سفوحِ وعيٍ عنيدٍ لا تُرضِخُهُ رياحُ الفُرقة، ومعًا نُلملمُ ذواتَنا بفنونِها وإبداعاتِها وتَشكيلاتِها، بعطاءاتِها الّتي لا تنضبُ، وإراداتِها الّتي لا تَستكينُ، كي تُعمّدَ طهارةَ لحظاتِنا الخالدةِ، بتعابيرِ وجودٍ يَستدعي التّفرُّدَ والتميّزَ الصّادقَ بطرْحِ الحقائقِ على بساطِ البحث. 

في أوطانِنا المنهوبةِ ثمّةَ حكاياتٌ ورواياتٌ ما زالتْ تَتوشّحُ بالصّمتِ والبوْحِ المهذّب الّلمّاحِ، تستحقُّ منّا الالتفاتَ إليها، لتمنحَ كينونتَنا بتكويناتِها المُؤتلفةِ والمختلفةِ مساحاتٍ لتعبيرٍ راقٍ متألّقٍ، يُشكّلُ جسورًا متينةً لحيواتِنا الغاليةِ الحاضرةِ، ولمستقبلٍ يَحملُ في طيّاتِهِ فوانيسَ فِكرٍ ناضجٍ، وقلبٍ مسكونٍ بالمَحبّة والتسامح، لننيرَ معًا دروبَنا ودروبَ التّائهينَ في لعنةِ الجهلِ والتّجهيلِ والتّخلّفِ والتّهميشِ، وحيثُ يُخيّمُ عليها العتمُ والتعتيم. 

وفي كونِنا المنكوبِ بالشرورِ والحروبِ والشّتاتِ الطويل، ثمّةَ غربةٌ تستنهضُ الحنينَ إلى الرجوعِ والعودةِ للأوطان ولجوهرِ الإنسانِ والإنسانيّة، الّتي اكتوتْ بنيرانِ ظلمٍ احتكرتْ تكويناتنا الوجوديّةَ على الأرض!

بالوحدةِ معًا نَعبُرُ الماضِيَ، لنجتازَ مرارةَ الحاضرِ بأقلِّ خسائر، ومعًا نَمضي إلى ملاذِ الإبداعِ الموضوعيّ، وبطموحاتٍ لا تنبري، بعيدًا عن القمْعِ الفِكريِّ والتّربويِّ وفرْضِ وهيمَنةِ الرّأي الأوحدِ، لنُعانِقَ غدًا جميلًا خاليًا مِن وفاضِ الأسْرِ، ومُتحرِّرًا مِن قيودِ المُشكِّكينَ بسُموِّ الفِكرةِ وطهارتِها!

 واقتبسَتِ الكاتبةُ آمال ما وردَ في رسالةِ ديوان العرب، الّذي اختارَها فارسةَ عام 2012، والّتي جاءَ فيها: "كعادتِها في تشجيعِ المُبدِعينَ العربِ في مجالاتِ الثّقافةِ والأدبِ والفِكرِ ودعمِ الأقلامِ الشّابّةِ والمُبدِعةِ، الّتي وضَعتْ نُصبَ عيونها خدمةَ الثّقافةِ العربيّة، ورفعَ شأنِ الثّقافةِ والفِكرِ والأدب، تُقدّم ديوانُ العرب درعَ الديوان للكاتبةِ المُبدعةِ الشّاعرة آمال عوّاد رضوان من فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨، الّتي ساهمَتْ بنشاطٍ في ديوان العرب، وقدّمتِ الكثيرَ مِنَ المَقالاتِ والنّصوصِ الأدبيّةِ الرّاقيةِ الّتي تَجاوزتِ المئة، فأسْرَةُ التّحريرِ تُهنّئُ الزميلةَ آمال، وتدعو لها بمزيدٍ مِنَ النّجاحِ والإبداعِ، فأمَّتُنا بحاجةٍ لتلكَ الأصواتِ الحُرّةِ النّقيّةِ، الّتي تُقاومُ الرّياحَ ولا تنكسِرُ أمامَها".

وقد تضمّنَ الإصدارُ الجديدُ "رؤى" 96 مقالًا، عكفت الكاتبةُ آمال عوّاد رضوان على كتابتِها ونشْرِها على مدى أكثرَ مِنْ عامَيْن .

كتاب رؤى أُصدر عام 2012 للكاتبة آمال عوّاد رضوان، يضمّ مجموعة كبيرة من المقالات الثقافيّة والاجتماعيّة حولَ المرأة ودوْرِها في المجتمع، إضافةً إلى مقالاتٍ أدبيّةٍ، وخواطرَ مُضيئةٍ عديدةٍ، مبثوثةٍ ما بينَ مَواقعِ الشّبكةِ العنكبوتيّة (الإنترنيت)، وبينَ الصُّحفِ المَحلّيّةِ، ومِن ذلكَ كلّهِ: بينَ المواطنةِ والّلجوء خيطُ كذبة! وعيُ شعوبنا يُهدّدُ سُلطاتِنا!؟ هل المرأةُ سِرُّ السّعادةِ؟ وأنواعُ العنفِ وآثارِهِ على الأنثى بشكلٍ خاصّ، ومهامّ المّنظّماتِ النّسائيّة! و.......

ولها، أيضًا، نشاطاتٌ وحواراتٌ أخرى؛ كالّلقاءاتِ التّعريفيّةِ بشعراءَ وأدباءَ مَحليّينَ، ومن ذلك: حوارها مع الباحثة والكاتبة نجوى شمعون، وحوارها مع الأديب إدمون شحادة، وحوارات عديدة. وقد كُرِّمَتْ آمال رضوان مرّات عديدة، وفازتْ بجوائز مَحليّة وعربيّة؛ أبرزها: جائزة الإبداع للشّعرِ الّتي تقيمُها سنويًّا دار نعمان للثقافة عام 2011، وجائزة دِرع ديوان العرب للمقالة عام 2011، وجائزة موقع المثقف العراقيّ الأستراليّ كمحاوِرة، عام 2013.

المقالات والبحوث:

* "الطّيّب صالح هجيرُ صرخة في موسمِ الهجرة": كتبتِ الباحثةُ آمال عوّاد رضوان قراءةً في روايةِ "موسمُ الهجرةِ إلى الشّمال"، استهلّتْ حديثَها فيها  بمُوجزٍ عن سيرةِ الطيّبِ صالح؛ عنونَتْه بـِ:" نبذةٌ قصيرةٌ عن سيرة الطيب صالح: (1929م- 2009م)"؛ قالت: "مِن مَواليدِ السّودان، مارسَ التّدريسَ في السّودان، ثمّ هاجرَ عام 1952م إلى لندن، فعملَ في الإذاعة البريطانيّة، وعملَ خبيرًا بالإذاعةِ السّودانيّةِ 1967م، ونالَ شهادةً في الشّؤونِ الدّوليّةِ في إنجلترا، وتولّى منصبَ مستشارٍ في مقرِّ اليونسكو في باريس، وشغلَ منصبَ ممثّلِ اليونسكو في دول الخليج، ومقَرُّهُ قطَر، في الفترة (1984م – 1989م)، ومِن روائعِهِ الأدبيّةِ: موسمُ الهجرةِ إلى الشّمال، وضوّ البيت، وعُرسُ الزّين، ومريود، ودومة ود حامد، وبندر شاه".

وقد تحدّثتْ عن الشّخصيّةِ المحوريّةِ في الرواية "مصطفى سعيد"، بغرابتِهِ وعلاقتِهِ بأمِّهِ وببلدِهِ وبالمرأةِ الأوروبيّةِ، وحول الفكرة المركزيّة قالت: ".. تحدّثَ [الطيّب صالح] عن قضايا إنسان العالم الثّالثِ وهمومِهِ وآلامِهِ، وأفراحِهِ وإحباطاتِهِ، بجوهرِهِ الطّيّبِ وظاهرِهِ الخبيثِ، ببساطتِهِ وتعقيداتِهِ، الّذي حاولَ عَقلُهُ استيعابَ حضارةِ الغربِ بقدرتِهِ على الفعلِ والإنجازِ، وكذلكَ تحدّثَ عن أثرِ التّطوّراتِ العالميّةِ حولَ قضيّةِ الهجرةِ والمهاجرينَ، مِن خلالِ السّردِ المُتباينِ بينَ أمكنةٍ وأزمنةٍ أوروبيّةٍ وإفريقيّةٍ، محاوِلًا أن يكونَ وسيطًا بينَ هذهِ الثّقافاتِ، رغمَ العقباتِ المتلاحقةِ وصراعِ الحضاراتِ المشتعلِ". وفيما يرتبط بالرسالة الأساسيّة التي نادى بها الطيّب صالح في روايته؛ وأشارت: أنّ "الرّسالةَ الأساسيّةَ والجوهريّةَ الّتي يُنادي الطيّب بها، هي التّناغمُ بينَ الحياةِ والأحياءِ، مِن خلالِ تأصيلِ المَحبّةِ والتّسامحِ في المجتمعاتِ والعائلاتِ، لمواجهةِ صعوباتِ الحياةِ وصراعِ الحضاراتِ".

"حصاة من هيكل ميشيل حدّاد الشعري المقاوم": نُشِر  هذا البحث ضمن "موسوعة أبحاث ودراسات في الأدب الفلسطينيّ الحديث- الأدب المَحَلّي"- الكتاب الأوّل، وهو من إعداد وتحرير: الدّكتور ياسين كتاني، وإصدار: مجمع القاسمي للّغة العربيّة وآدابها التابع لأكاديمية القاسمي في باقة الغربية؛ في طبعة أولى؛ عام 2011م، وتوسّمَ الصفحات: 449-462. استهلّتْهُ الباحثة آمال بمحطّاتٍ مميّزةٍ في حياةِ الشّاعرِ ميشيل حدّاد؛ ثمّ قالت:

"يُعتبرُ ميشيل حدّاد رائدَ حركةِ الشّعرِ الحديثِ في البلادِ، وتُرجمَ شعرُهُ إلى عدّةِ لغاتٍ، فحصلَ على عددٍ مِنَ الجوائزِ الأدبيّةِ والفنّيّة، واشتركَ في ندواتٍ ومؤتمراتٍ أدبيّةٍ مَحلّيّةٍ وعالميّة، وقَدّمَ لكثيرٍ مِنَ الشّعراءِ مجموعاتِهم الشّعرية، وأصدرَ مجموعتيْن شعريّتيْن لأكثرَ مِن ستّينَ شاعرًا مَحلّيًّا، وأصدرَتْ لهُ بالعبريّة دارُ النّشر المعروفة هكيبوتس همئوحاد مجموعةً شعريّة، قدّم لها البروفيسور ساسون سوميخ بعنوان تراكمات".

وتساءلت في نهاية بحثها: "إذًا؛ هل هو تواضعٌ مِنَ الشّاعرِ ميشيل حدّاد، يَدفعُهُ أن يدّعي أنّهُ ليسَ سياسيًّا، وهو المُتابعُ لدقائقِ مُجرياتِ الأحداثِ التاريخيّة بحذافيرِها؟ ألعلّ هذا الإدراكُ المُبطّنُ، هو الذي جعلَهُ يعملُ كثيرًا في المجال الثّقافيّ والتّوعويّ، وإيقاظ مواهب طبقةِ المثقّفينَ، وشحْنِ ألسنتِهم بروحِ الشّعبِ والتّعبير عنهُ؟

ألعلّ صمتَهُ المكلومَ هو الّذي شحنَهُ بطاقةٍ شعريّةٍ مغايرةٍ، عبّرَ عنها بأسلوبِهِ الحداثيِّ على غيرِ شاكلةِ شعر التّثوير المباشر، وتأجيج نفوس الشّعبِ بلغةِ الشّعراءِ المباشرة؟".

* "حنّا أبو حنّا وردةٌ ناميةٌ بصمتٍ مجروحٍ قراءة في: تجرّعتُ سمّكَ حتى المناعة": قالت: "تجرّعتُ سُمَّكَ حتّى المناعة، صرخةٌ مُدوّيةٌ انبثقتْ مُنثالةً مِن تحتِ رمادِ الصّمتِ: وما انفكَّ نداءُ الجُرحِ يَستصرخُ شفاءً ومَصلًا وجرعاتٍ ضدَّ التّسمُّمِ، لجرحٍ طالما نزَفَ حُرقتَهُ، ليَشتدَّ عودُ حلمِهِ ويصْلَبَّ، فالمجموعةُ شَكّلَتْ حالةً حالمةً عميقةً، لشعريّةٍ مغموسةٍ بآمالَ تتوجّسُ آتيًا مشحونًا بإيمانِ الخلاصِ، كما يُوثّقُ تفاصيلَ التّفاصيلِ بدقّةٍ متناهيةٍ ومهموزةٍ، ترقى بعليائِها إلى آفاق حرّيّةٍ واعتزازٍ بالهُويّةِ".

أمّا عن النصوص فأشارتْ: "النّصوصٌ تتوالى بزمانِها وأحداثِها، تُقحِمُكَ رغمًا عنكَ في زمانٍ ومكانٍ بعيدَيْنِ عشراتِ السّنينِ!

نصوصٌ تصويريّةٌ لماضٍ حاضرٍ يتجدّدُ ومِن عدّة زوايا، بلباقةٍ ورهافةٍ يتنقّل بين المواقف، مستخدِمًا صياغةً سامقةً ولغةً مجازيّةً مرنةً، مشحونةً بطاقةٍ خلاّقةٍ، يأتلفُ فيها دَفْقُ شرايينِ الملامحِ لوجوهٍ ورموزٍ اجتمعتْ معًا، حاملةً تراثًا تاريخيًّا وخفايا سالفةً، ما استطاعَ غبارُ الزّمان إخفاءَ آثارِها الجليّة.

كيفَ يُتاحُ للقارئِ أن يُدركَ مُؤَدَّى المضمونِ، حينَ تتشعّبُ الدّلالاتُ، وتتلوّنُ الإشاراتُ بروحِ الشّاعرِ، تتصدّرُها أسطورةُ بعل وعنات، بدورةٍ حياتيّةٍ لم تَكتملْ بَعْدُ؟"

وقد ختمتْ بحثَها بقوْلِها: "الشّاعر حنّا أبو حنّا بكتابِهِ هذا، إنّما يختزلُ عقودًا ما انعقدَ لسانُها البتّة وإن صمتَتْ، وما نجحتْ أنْ تُغمضَ عيونَ أسرارِها كلُّ عصباتِ التّاريخِ المُزوَّرِ والمُشَوَّهِ، بل إنّ الشّاعرَ أبو حنّا كالجرّةِ الطّافحةِ بالماءِ الزّلالِ بنكهةِ ماءِ الزّهرِ، يَرشحُ لغةً بسيطةً وجميلةً، تروي شاربَها اعتزازًا وفخرًا وصمودًا، وإيمانًا بخلاصٍ قادِمٍ لا مَحالة، بتعبيراتٍ رمزيّةٍ تتقاربُ وتتداخلُ بواقعٍ حياتيٍّ مُرٍّ مَعيشٍ بينَ أجيالٍ تتوالى، يَعودُ بتجلّياتٍ متعدّدةٍ وبصراعٍ قاسٍ، وتَوْقٍ متعطّشٍ للسّلم!"

إبداعُ الكاتبةِ آمال عوّاد رضوان في ظلالِ شهادات مُجَنّحة: وبَعدَ هذهِ الإشراقاتُ التّعريفيّةُ المُتضمِّنةُ إشاراتٍ ومضيَّةً فيها حسٌّ نقديٌّ؛ يُقدِّمُ الباحثُ نسائمَ نورِ مُختاراتٍ مِن شهاداتٍ، لشعراءَ وباحثينَ ونُقّادَ تُجْمِعُ على إبداعِ الكاتبةِ آمال عوّاد رضوان، فلقد ظلّت الكاتبة آمال عوّاد رضوان وما زالت مدارَ حديثِ النقاد والباحثين والشعراء، فأثنَوْا على إبداعها كلّ خيرٍ؛ وأشاروا إلى بعض ما تميّزت به أعمالها الشاعريّة بعبيرِ صدقهم؛ ومن ذلك:

*"شِعْرُ آمال عواد رضوان ليسَ كغيرِهِ مِنْ مَألوفِ الشِّعْرِ.. لا لأنّ لهُ طعمًا خاصًّا ومَذاقًا فريدًا ونكهةً مُمَيَّزةً فحسْب؛ بل أيضًا لأنّهُ يَحتاجُ قراءةً خاصّةً، فهو ليسَ ذلكَ النّوعُ مِنَ الشّعرِ الّذي تَقرؤُهُ على عَجَلٍ، وتكتبُ عنهُ انطباعاتٍ سريعةً عابرةً، وإنّما يَنبغي عليكَ أن تتهيَّأ لقراءتِهِ بكثيرٍ مِنَ الصّبرِ والحَيْطةِ والحَذَرْ، فهو أشبَهُ بوردةٍ برّيّةٍ لن تتمكّنَ مِن استنشاقِ عبيرِها، دونَ أنْ تُدْمِي أصابعَكَ بوخزِ أشواكِها، وهو أشبهُ بالعَسَل الجَبَليّ؛ لن تشعُرَ بحلاوتِهِ المُسْكِرةِ في فمِكَ، دون أنْ تحتمِلَ لدغاتِ النّحل!". [إبراهيم سعد الدين، عُصْفُورَةُ النَّارْ ومُهْرَةُ الشِّعْرِ الأصِيلَة: إطْلالةٌ نقديّةٌ على قصيدةِ النّثرِ عندَ الشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان؛ ضِمنَ مجموعةِ مقالاتٍ وبُحوثٍ أرسلتها الشّاعرةِ إلى الباحث، ص1].

*"آمال عوّاد رضوان ترسُمُ القصيدةَ بريشةِ الفنِّ، وأفلحَتْ في بَلورةِ وصقلِ مَوهبتِها، وتكوينِ حالةٍ إبداعيّةٍ خاصّةٍ لها، وشقّتْ دربًا شعريًّا رائدًا بأسلوبِها المميَّزِ وخيالِها المُجنَّحِ، وكذلكَ بجُرأتِها وصِدْقِها في البوْحِ عن مَشاعرِها، وتُقدّمُ لغةً رفيعةً وصورًا شعريّةً متماسِكةً، تنسَحِبُ على مجموعِ قصائدِها، فتَجعَلُها قصيدةً واحدةً أقربُ ما تكونُ إلى التّشكيلِ الفنّيِّ واللّوحةِ المُتكاملة". [شاكر فريد حسن، مع وجدانيّات الشّاعرة آمال عوّاد رضوان في- بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ؛ ضمنَ مجموعةِ مقالاتٍ وبحوثٍ أرسلَتْها الشّاعرةُ للباحث، ص3]. 

* "إنّ شعريّةَ آمال عوّاد رضوان هي شعريّةُ كفايَةِ الحُلم، كما يُسمّيها ابنُ عربيّ! إذ هي تستدعي وتستحضرُ سيرةَ فقدانِها، حتّى تبدو وكأنّها مَرويّةَ حُلمٍ، لهُ نشوةُ الابتهاجِ، ولهُ قسوةُ المُكاشَفةِ، هذا الانجرارُ الحِسِّيُّ يَجعلُها أكثرَ إيغالًا في تلذّذِ الكشْفِ، وتحويلِ جسَدِ الآخرِ إلى سطحٍ لتدوينِ هذا الكشف". [علي حسن الفواز، الكتابة بشرط الاستعادة – لديوان "بسمةٌ لوزيّة تتوهّجُ"، ضمن مجموعة مقالات وبحوث أرسلتها الشاعرة إلى الباحث، ص7].

*"تولّتْ آمال بنفسِها بناءَ مفرداتٍ بِكْرٍ أضافتْها إلى قاموسِها الخاصِّ، وعندما تقعُ على مفردةٍ مألوفةٍ، فإنّها كانتْ تُخرجُها مِن سِياقِها، وتضعُها في إطارِ صورةٍ/ جُملةٍ غرائبيّةٍ، في خروجٍ على النّمطِ السّائدِ، ورفْضِ ثقافةِ القطيع، ليسَ مضمونًا، وإنّما ظاهرًا وأسلوبًا كذلك، ضِمنَ البناءِ التّقنيِّ والدّلاليِّ مُتعدِّدِ الطّوابق". [إبراهيم جاد الله، بينَ طَواحينِ الوقتِ وأعاصيرِ الحُبِّ يدورُ الألم: قراءةٌ في الدّالّ والأداة- قصيدة غيرة حبيبي، من ديوان "بسمةٌ لوزيّة تتوهّجُ" ضمن مجموعة مقالات وبحوث أرسلتها الشاعرة إلى الباحث، ص8].

*"قصائدُها تفتحُ كتابًا في الحُبّ، قلَّ مثيلُهُ في كتاباتِ بداياتِ القرنِ الحادي والعشرين، لِما فيهِ مِنْ رومنسيّةٍ مختلفةٍ، تُشابهُ رومنسيّةَ بداياتِ القرنِ العشرينَ ولا تُشبهُها، في استعادةٍ مُحبَّبةٍ لنتاجِ كبارِ شُعراءِ الرّومنسيّةِ الأوروبيّةِ والعربيّة معًا". [سامح كعوش، طقسُ كتابةٍ رومنّسيةٍ مغايرة بامتياز: قراءة نقديّة لـ " بسمةٌ لوزيّة تتوهّجُ"، ضمن مجموعة مقالات وبحوث أرسلتها الشاعرة إلى الباحث، ص1].

*"لدى آمال حالةُ تَطابُقٍ معَ الذّاكرةِ والمُخيّلةِ والانزياحِ والانجذابِ معًا، وهنا يَكمُنُ سرُّ تطويرِها الخلّاقِ للنّصوصِ الّتي اجترَحَتْها، بشكلٍ بانوراميٍّ مُضيءٍ، ومَعنِيٍّ بمَحمولاتِها الشّخصيّةِ والإنسانيّة". [سمر محفوض، الغيمُ أغنيتُها في سلامي لكَ مطرًا: إنّها وصوْتُهُ الغارُ تَعزفُ الآتِيَ بقيثارةِ الحياةِ؛ ضمن مجموعة مقالاتٍ وبحوثٍ أرسلتها الشاعرة إلى الباحث، ص6].

* "أحيّي في آمال عوّاد رضوان هذهِ الابتكاراتِ واللّغةَ السّليمةَ والرّموزَ، الّتي حثّتْني أنْ أبحثَ في القواميسِ، لأراجعَ مِن جديدٍ ما خانتْني بهِ الذّاكرةُ، وتبقى القصيدةُ عندَ شاعرتِنا كالمَطر، دمعةً على خدِّ الزّمنِ المسروقِ". [هيام قبلان، قراءة لـِ"حوريّةٌ تقتاتُ مِن ضِرعِ النّجوم"؛ من ديوان "سلامي لك مطرًا"، ضمن مجموعة مقالات وبحوث أرسلتها الشاعرة إلى الباحث، ص5].

*"صورةٌ مذهلةٌ ومتفرّدةٌ، أحالتْ سُلطةَ الغوايةِ مِن مَكمَنِ فاعليّتِها الحسّيّةِ، إلى مَكمَنِ انبعاثِها التّأمّليِّ، بكلِّ طراوةٍ وانسيابٍ وتلقائيّة.. تلكَ سِمةُ النّصوصِ غيرِ المُتكلّفةِ في تأسيسِ علاقةٍ بينَ المُرسلِ والمتلقّي، لأنّ الأقنعةَ الّتي تَستُرُ النّصَّ، هي ليستْ للتّضليلِ والإيهامِ والإيغالِ في جوفِ المجاهيلِ وغياهبِ الحُجُبِ، لكنّ سُلطةَ الغوايةِ في النّصِّ مَرِنَةٌ، سَلِسَةٌ، مُكتنِزةٌ ومُمَوْسَقةٌ، وِفقَ هرمونيّةِ الامتدادِ الشّعريِّ وتشكيلاتِهِ الطّريّةِ، الّتي تُزاوجُ بينَ المَرئيِّ واللّامرئيِّ بطلاقةٍ.." [حسين الهاشمي، بينَ سُلطةِ الغوايةِ والانبعاثِ الشّعريّ: قراءةٌ في قصيدةِ "سماويّةُ غوايتي"؛ من ديوان "سلامي لك مطرًا"، ضمن مجموعة مقالات وبحوث أرسلتها الشاعرة إلى الباحث، ص2].

*"لقد استمتعتُ جدًّا بقراءةِ المجموعةِ الشّعريّةِ للشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان، الّتي تَحملُ عنوانَ "بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهَّجُ"، حيثُ لمستُ في قصائدِ هذهِ المجموعةِ أنّ الشّاعرةَ شفّافةٌ، رقراقةٌ، حانيةُ اللّمساتِ، رائقةُ المَشاعرِ، فهي تُمثِّلُ الإنسانةَ الّتي تعيشُ وتَحيا بالحُبّ. إنّها تعيشُ الحُبَّ بخيالِها وروحِها وقلمِها، ذلكَ الحُبَّ الّذي تَشعُرُ بهِ معَ الحبيب، ذلك الحبّ الّذي يُوحي بطابعِ الحُزنِ والألمِ والتّشاؤُمِ أحيانًا، فهي تكتبُ بنفْسٍ حزينةٍ موجوعة، لأنّها تَحلم بحبيبها الّذي يهدي روحَها، وتشعرُ في قربِهِ بسكينةِ النّفس ِوراحتها. فشاعرتُنا كيانٌ ممزوجٌ بوجْدٍ وشوْقٍ وذهولٍ، وجوعٍ فكريٍّ لا يكتفي، وعطشٍ روحيٍّ لا يرتوي، معَ استعدادٍ كبيرٍ للطّربِ والسّرور، واستعدادٍ أكبرَ للشّجنِ والألم. ويَغلبُ الشّجنُ والألمُ على الفرحِ والسّرور، وهذا يُشيرُ إلى أنّ شاعرتَنا فنّانةً، رقيقةَ اللّمحاتِ واللّمساتِ، فنّانةً وموسيقيّةً بارعةً، تتركُ انطباعًا لا يُمحى في نفسِ كلِّ مَنْ يَقرأ شِعرَها، لأنّهُ يُجسِّدُ الأنوثةَ الجذّابة". [منير توما، الشفافيّةُ الشّعريّة لدى الشّاعرة آمال عوّاد رضوان في "بسمة لوزيّة تتوهّج"؛ ضمنَ مجموعة مقالات وبحوث أرسلتها الشاعرة إلى الباحث، ص1]. 

*"آمال عوّاد رضوان؛ كاتبةٌ استطاعَتْ أن ترسُمُ لنفسِها مكانةً مميّزةً في الأدب العربيِّ عامّةً، وفي النّثرِ الحَداثيِّ خاصّةً؛ مكانةً بنكهةٍ مُختلفةٍ عمّا يُمكنُ أنْ يَجولَ في ذِهنِ القارئِ المِفَن، أمّا نسيجُ شاعريّتِها؛ فهو الجنونُ الّذي نُحبُّهُ ويُحبُّنا؛ جنونٌ ينسابُ إلى أعماقِنا؛ فيُدخِلُنا عالَمًا تِلوَ آخرَ، بمُساعدةِ بوصلةِ التّأنّي والجَلَدِ في قراءتِهِ؛ والتّسلّحِ بالحذَرِ مِن ظاهرِ ألفاظِهِ؛ ففي عُمقِهِ القصدُ المَنشودُ. تحملُ هذهِ الكاتبةُ الإبداعَ بريشةٍ سِحريّةٍ؛ لخلْقِ مَتاهاتٍ جَميلةً ندخُلُها؛ كي نصلَ إلى المألوفِ والّلامألوفِ في نهايةِ المَطاف..". [محمد عدنان بركات].  

هذا غيضٌ مِن فيضٍ؛ لشهاداتٍ كثيرةٍ تَصُفُّ جميعُها لتُعلِنَ ميلادَ آمال عوّاد رضوان كاتبةً مُبدعةً؛ قَدِمَتْ من كوكبٍ سِحريٍّ؛ سأسمحُ لنفسي بإلباسِها لقبًا تِلوَ الآخَر:

*عصفورةُ الإبداعِ المُشرِقِ: الكاتبةُ آمال عوّاد رضوان عصفورةٌ تُحلِّقُ عاليًا، لتأخذَ مِن ألوانِ الطّبيعةِ ما تراهُ بعيْنيْها السّاحرتيْنِ؛ لتُكوّنَ منها رسوماتٍ ببريقٍ خاصٍّ، يُشكّلُ نماذجَ مُحْكَمَةً مِنْ نَماذجَ الكتابةِ الإبداعيّة!

*كاتبةُ الجنونِ: هوَ جنونُ الكاتبةِ آمال عوّاد رضوان أو جُنونُ شاعريّتِها؛ إنّهُ جُنونٌ يؤدّي بالقارئِ إلى أنْ يَغوصَ في بواطنِ ما تَصُفُّهُ من لَبُناتٍ، تُوصِلُهُ إلى عالَمِ الرَوْنَقِ الخَلّاق!

*الباحثةُ عن الحقيقةِ: تُسافرُ آمال عوّاد رضوان في رحلاتِها الاستكشافيّةِ، عبْرَ مَعاجمِ الّلغةِ وأمَّهاتِ كُتبِ البلاغةِ العربيّةِ، وغيرِها مِنَ الدُّرَرِ الثّمينةِ المَهجورةِ أو المَنسيّةِ؛ للبحثِ عن حقيقةِ الّلفظةِ؛ فتُلْبِسُها ثوبًا جديدًا، بعدَ أنْ تَنفُضَ غبارَ الهجْرِ عنها؛ إنّها الباحثةُ عنِ الحقيقةِ: حقيقة ما وراءَ الحقيقة!

*آمال التّجدُّدُ والتّجديدُ: إنَّ غديرَ آمال عوّاد رضوان الأدبيَّ، يُشيرُ إلى تجديدِها لألفاظٍ معهودةٍ أو متروكةٍ أو منسيّةٍ؛ مَسكونةٍ بعبيرِ نبْضِها؛ لكنّها بذكائِها اللّامعهودِ، تُعيدُها ببريقٍ جديدٍ؛ هو التّجدُّدُ بعيْنِهِ!

والسّؤالُ الّذي قد يَبُثُّهُ القارئُ بتخوُّفٍ صادقٍ هنا: ما الّذي يُبْرِز الكاتبةَ آمال عوّاد رضوان كمُبدِعةٍ تحمِلُ كلَّ تلكَ الألقابِ؛ وأنتَ تقولُ: إنَّ الموضوعَ الأساسيَّ في نصوصِها هو المرأةُ؛ فأينَ الإبداعُ في هذا؟!

أقولُ؛ كما ذكرتُ سابقًا، لقد نجحَتِ آمال في رسْم "صورةِ حوّاءَ بكلِّ تفصيلاتِها، بهفواتِها؛ بزفراتِها؛ بتقلُّبِ شخصِها الماثِلِ في كينونةِ الشّعورِ الإنسانيّ؛ صورةً كليّةً كاملةً شاملةً، في قصاصاتِ مجموعتِها كلّها!" ولا يَتعيّنُ مِن مقصودِ كلامي السّابق: المرأةُ بجَسَدِها؛ بل الأنثى بكلِّ تجلّياتِها: المرأةُ المَحبوبةُ؛ والمُتسلِّطةُ، والمظلومةُ المُقيَّدةُ بسَلاسلِ العاداتِ المُجتمعيّةِ السّيّئةِ، إضافةً إلى: الألَفةِ، والمَحبّةِ، والإنسيابيّةِ في العلاقةِ معَ الآخَرِ، والغُربةِ، والوحدةِ، والأمِّ (الوطن)، وما يَرتبطُ بها مِن موضوعاتٍ أخرى: الرّجُل، والحنين، والخوف، والجنون، و...

إنّ الكشْفَ عن طبيعةِ تلكَ الموضوعاتِ؛ وسبْرِ أغوارِها؛ يَختلفُ مِن قارئٍ إلى آخَرَ؛ وهو بحاجةٍ إلى طاقةٍ فكريّةٍ ذاتِ تموُّجاتٍ مختلفةِ الاتّجاهاتِ، أو كما يقولُ إبراهيم سعد الدّين: "يتطلّبُ [شِعْرُها] مِن قارئِهِ مِراسًا ودَرَبَةً ومعايشةً واستئناسًا.. فلا تتعَجّلِ الكتابةَ عنهُ بعدَ قِراءتِهِ.. لأنّهُ يَحتاجُ منكَ قراءةً ثانيةً وثالثةً.. وفي كلِّ مرّةٍ ستجدُ نفسَكَ في حاجةٍ إلى مُعاوَدةِ النّظر.. والإطلالِ مرّةً أخرى على هذا العالم.. فكلُّ قراءةٍ جديدةٍ قد تُقَرِّبُكَ منهُ خطوةً، لكنّها بالتأكيد لن تُسْلِمَكَ مفاتيحَ هذا العالَمِ المَليءِ بالرّموزِ والمَجاهلِ والأسرار. إزاءَ هذا العالمِ يَنبغي أن تَسْتَنْفرَ كُلَّ حواسِّكَ، وتتسلَّحَ بكلِّ ما يُمَكِّنُكَ مِن نفاذِ البصيرة، وحِدّةِ الإدراكِ ومَلكاتِ التّذوّق.. فالقصيدةُ هنا أشبهُ بمُهرةٍ بَرِّيَّةٍ جامحةٍ.. لا يَقدرُ على ترويضِها واعتلاءِ صهوَتِها، غيرُ خَيّالٍ أصيلٍ متمرّسٍ بالخيْلِ والشِّعرِ معًا".

وللكاتبةِ آمال طرُقٌ مختلفةٌ في الإشارةِ إلى تلكَ الموضوعاتِ؛ والّتي لا بدَّ للقارئِ أن يتنبّهَ لها؛ أجملُها في الآتي:

* التّلميحُ المُباشِر المُحْكَمُ: وهو التّلميحُ الّذي مِن خِلالِهِ، تُريدُ آمال أنْ تُوجِّهَ القارئَ إلى وِجْهةٍ مقصودةٍ، دونَ أنْ تُخبِرَهُ بالأمرِ كاملًا؛ اُنظرْ إليها وهي تُنابِرُ الغربةَ في "فوضى ألواني المُشاكِسة": "أَنَا مَنْ بفَوْضَى أَلْواني الْمُشاكِسَةِ/ تَسَرْبَلَتْني/ فُقاعاتُ/ الْغُرْبَةِ الْمُغْبَرَّة".

لمْ تذكُرِ آمال "الغربةَ" بلفظِ مُستقَلٍّ؛ بل ربَطتْهُ بـِ"فقاعاتٍ"؛ وبتحايُلٍ يَزيدُها غرابةً: "المُغْبَرَّة"؛ فلماذا اختارتْ تلكَ الألفاظِ دونَ الإبقاءِ على لفظِ "الغربةِ" وحدَهُ؟ إنَّ الفُقاعاتِ تُشكِّلُ كياناتٍ مُستقلّةٍ تتطايَرُ باستمرارٍ، فتنتشرُ في الأرجاءِ؛ أمّا لفظُ "المُغْبَرَّة"؛ فيدلُّ على النّاحيةِ القاتمةِ المُستتِرةِ؛ وهذا كلُّهُ يُعَمِّقُ الشّعورَ بالغربةِ؛ إنّها الغربةُ النفسيّة، إنّها الشّعورُ العميقُ بالفقدان!

*التّلميحُ الاحترازيُّ الخارجيُّ: وهو التّلميحُ الذي تُبيِّنُ فيهِ الكاتبةُ آمال مقصودَها في كلماتٍ معيّنةٍ؛ خارجَ نِطاقِ النّصِّ، حتّى لا يَتوهَّمَ القارئُ معنًى آخَرَ؛ فَيَصِلَ إلى طريقٍ مسدودٍ؛ وهذا وإنْ عَدَّهُ غيرُها تدخُّلًا منها في النّصِّ؛ إلّا أنَّهُ قليلٌ جدًّا؛ وهو ممّا لا بدَّ منه؛ ومِن ذلكَ قولُها في قصيدةِ "مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الأَزْرَقِ":

"فَتائِلُ دَهْشَةٍ/ خَطَفَتْ قُصاصاتِ تَوْقي مَسْحُورَةَ الطَّوْقِ/ سَمَّرْتَني/ بَيْنَ وُعُودٍ مُؤَجَّلَةٍ وَجُدران تَتَهاوَى!/ خُطَى رِيحِكَ الضَّرِيرَةُ وَشَتْ أَجْنِحَتَكَ/ شَبَّ لَهيبُهَا في اقْتِفاءِ أَثَري/ تَنَيْرَنْتَ!/ تَبَغْدَدْتَ!/ وفي مَحافِلِ التَّرَقُّبِ/ احْتَرَفْتَ تَضْميدَ حُرُوقِ حُرُوفي!/ ألْسِنَةُ بَوْحي النَّارِيِّ/ طَلَيْتَهَا بِوَشْوَشَةٍ انْبَجَسَتْ تَسْتَجيرُ:/ سَرابُ حُورِيَّةٍ أنا؛/ إِلَى مَسارِبِ الْوَهْمِ أَغْوَاني/ بِثَوْبِ السَّباني.. سَباني/ بَعْثَرَ وَجْهِيَ فِي ذاكِرَةِ الْحُجُبِ/ وَابْتَلَعَ ذَيْلِيَ الذَّهَبِيَّ!".

وقدْ أشارتْ إلى مَدلولِ الكَلماتِ: تَنَيْرَنْتَ، تَبَغْدَدْتَ، السَّبَانِي، سَبَانِي؛ فقالتْ:

*تنيرنْتَ: تشبَّهتَ بنيرونَ. *تبغدَدْتَ: تشبّهتَ بأهلِ بغدادَ. *السّباني: نسبةً إلى سبَن قرية عراقيّة في نواحي بغداد، والسّبنيّةُ هو أزرٌ أسوَدُ للنّساءِ. *سَباني: تعودُ إلى السّبْيِ والأسْر.

*التلميحُ الاحترازيُّ الدّاخليّ: وفيهِ تُضيفُ الكاتبةُ قرينةً واحدةً أو أكثرَ داخلَ النّصِّ، لتُؤكِّدَ المفهومَ الّذي تُريدُهُ؛ للوصولِ إلى الموضوعِ الأساسيّ، وهو تَلميحٌ محمودٌ؛ ومِن ذلكَ ما قالتْهُ في قصيدةِ "أَقِمْ مِحْرَقَةَ أَقْمارِكَ بِأَدْغالِ مائي": "أَيا دَرْويشُ/ ضِحْكَةُ مَوْتٍ تَسَلَّلَ دُجاها الْمُغْبَرُّ/ إِلى نُخاعِ عَصافيرِ رُوحِكَ تَكْتُمُها/ وَما ارْتَحَلَتَ/ ارْتَجَّ الْمَوْتُ.. تَزَلْزَلَ ظِلُّهُ/ حينَ زَلّتْ قَدَمُهُ بِدَمْعَتِكَ الْبَحْرِيَّةِ/ حينَ عَلَوْتَ بِمَرْكَبَتِكَ النَّارِيَّةِ فَارًّا مِنْ قَبْضَتِهِ/ تَدْحَضُ ضَبابَ الْمَوْتِ بضَوْءِ حِبْرِكَ الْعاشِقِ!"

فهلْ تَقصدُ الكاتبةُ آمال شخصًا ما يُسَمّى "درويش"، وبالتّالي هو صدى الآخرِ الذّكَرِ بعُمومِهِ، أم هو الفقيرُ أو البَهلولُ، أم هو انعكاسُ أَلَمٍ في رثاءِ شاعرِ فلسطينَ الحاضر الغائب "محمود درويش"؟!

إنّ وجودَ قرائنَ مثلَ: "ضِحْكَةُ مَوْتٍ"، "ضَوْءِ حِبْرِكَ الْعَاشِقِ"، إضافةً إلى القرائن الموجودةِ في المَقاطِع الآتيةِ مِنَ القصيدةِ نفسِها: *"ها الْكَرْمِلُ غامَ فِي دُوارِ صَيْحَةٍ: يا الْمُسْتَحيلُ تَمَهَّلْ/ دَرْويشُ بحَّةُ وَطَنٍ جَاوَزَتْ أَنْفاسَ النُّواحِ". *"بَحْرُ حَيْفا/ جاشَ موْجُهُ فِي مَآقي الدَّوَاةِ غَيْمًا/ لا يَرْدمُهُ لَظَى حُرْقَةٍ!" *"صَهيلُ الدّمْعِ هَيَّجَهُ دَرْويشُ". * "صَباحُنا لَيْسَ مَحْمُودًا كَكُلِّ الصَّباحاتِ/ صَباحٌ يَطْفَحُ بِعَطَشٍ دَرْويشيٍّ". * "نَعْشُ ريحِكَ تَنَاثَرَتْهُ مُدُنُ الْغُرْبَةِ".

تدلّ دلالةً واضحةً على قصدِ الكاتبة: رثاءٌ لشاعرِ فلسطين: "محمود درويش"؛ فمِن ألوانِ الوطنِ الّتي عَشِقَها؛ فَخلّفَها أساسًا مَتينًا في قصائدِهِ (الكرمل، بحر حيفا)؛ إلى الإشارةِ إليه كبحّةِ وطنٍ؛ إلى حبرِهِ الّذي يَسيلُ عبقًا شِعريًّا؛ أمّا قولها: "صهيلُ.."؛ فيُرجِعُنا إلى حصانِ الشّاعرِ؛ إلى ديوانه: "لماذا تركتَ الحصانَ وحيدًا"!

وأمّا التّوريةُ في قوْلِها: "صَباحُنَا لَيْسَ مَحْمُودًا.. صَباحٌ يَطْفَحُ بِعَطَشٍ دَرْويشِيٍّ"؛ فتُشيرُ إلى الاسمِ الصّريحِ لشاعرِ فلسطين، ولتأكيدِ ذلكَ؛ تذكُرُ موْتَهُ في بلادِ الغربةِ: " نَعْشُ رِيحِكَ تَنَاثَرَتْهُ مُدُنُ الْغُرْبَةِ".

*التّلميحُ المائلُ: وهذا النّوعُ مِنَ التّلميحِ يَتطلّبُ طاقةً تحليليّةً عميقةً، لا بدَّ للقارئِ أنْ يَتحلّى بها، وأشيرُ هنا إلى وجودِ أكثرَ مِنْ قراءةٍ تحليليّةٍ مُمكنةٍ للنّصّ مِن خلالِ ألفاظٍ مُعيّنةٍ؛ تَبعًا لزاويةِ الرّؤيةِ المُرتبطةِ بعينَيّ القارئ، ولكن هناكَ قراءةً أكثرَ دقّة، أو قربًا إلى المعنى الّذي تحياهُ الكاتبةُ بنبْضِ دواتِها مِن غيرِها! ومِن ذلك قوْلُها في قصيدةِ "أيائلُ مشبعةٌ برائحةِ الهلع": "عُيونُ الشَّرِّ/ تَتَربَّصُهم/ في كُلِّ اتِّجاهٍ وَآن/ تَسْتَنْفِرُ حَواسَّ الذُّعرِ/تَسْتَثيرُهم../ تَسْتَفِزُّ مَوْتَهم إلى المَوْتِ!": فـ "عيونُ الشّرِّ" الّتي تتربّصُ هي نيوبُ الاحتلالِ الغاشمةُ! أمّا الضّميرُ في الفِعلِ :"يتَربّصُ"؛ فيعودُ إلى أطفالِ فلسطين المُستَنْفَرونَ حتّى المَوتِ؛ إنّها تتحدّثُ وبعُمْقٍ عن شعبنا العربيِّ الفلسطينيّ؛ تستلْهِمُ انعكاساتِ الانتفاضةِ الحزينةِ، تَستعرضُ بمَوجةٍ حزينةٍ صُورَ القتلِ وهدْمِ البيوتِ، وضياعِ دمِ الشّهداءِ؛ إنّها أرضُ فلسطينَ النّازفةِ بتقديمٍ إيحائيٍّ إبداعيّ: "أتراني تشكّلني الأقدارُ دمعًا خانقًا؟/ تَنْزِفُني الأوجاعُ أنينًا صامتًا؟/ وتُسدِلُ على بُؤسي ستائرَ الأعذارِ؟"

اُنظرْ إلى لوعةِ الألمِ، وأنينِ الفقدانِ؛ فقدانِ الوطنِ، هذا ما يَشعرُ بهش الإنسانُ الفلسطينيُّ الّذي يَسترجعُ ذكرياتِ الماضي، عندما كانَ يَعيشُ على أرضِ وطنِهِ المَسلوب: "جداولُ مَواسِمي جَفَّتْ../ تَناهبَتها قوافلُ السراب/ ................../  ولْتَنْزِف دِماؤُنا وقودَ سراجِ الذّكريات!".

هذا فيما يرتبطُ بموضوعاتِ الكاتبةِ، والطُّرُقُ الّتي أشارتْ خِلالَها إلى تلكَ المَوضوعاتِ. أمّا ما جعلَ تلكَ الإبداعاتِ؛ ذاتَ طابعٍ خاصٍّ؛ فنقاطٌ أبرزُها:

*جوانبُ صرفيّةٌ تتجلّى بثوبٍ جديدٍ؛ ومِن ذلك: الاشتقاقاتُ غيرُ المألوفةُ؛ مثل: فَرْدِسي: (مُشتقّةٌ مِن كلمةِ فِردَوْس)؛ في قوْلِ الكاتبة: وفرْدِسي نوارسَ اشتعالي المُقدّسِ بنواقيسِ صوامِعِك.. [قصيدة: أقِمْ مِحرقةَ أقمارِكَ بأدغالِ مائي– من ديوان: رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ، ص17].

فَيْرِزي: (مُشتقّةٌ مِن كلمةِ فيروز)؛ في قوْلِ الكاتبةِ: فَيْرِزي صدْرَ سمائي بوشوشةِ بدرٍ يَتضرّعُ إليكِ.. [قصيدة: قيثارة المساء– من ديوان: رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ، ص119].

كَوْثِري: (مُشتقّةٌ مِن كلمةِ كوْثر)؛ في قول الكاتبة: كوْثِري نهْرَ قلبي بوشْمةِ بهجةٍ تُخضّبُني بعفْوِكِ.. [قصيدة: قيثارة المساء– مِن ديوان: رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ، ص119].

تَحَلْزَنَ: (مُشتقّةٌ مِن كلمةِ حلزون)؛ في قول الكاتبة: اُنْظُرْكَ لَبلابًا منسيًّا/ لَمّا يَزَلْ يَكْتَظُّ بالقَيْظِ/ في صحارى ماضٍ تَحَلْزَنَ بالحُزْنِ.. [قصيدة: ناطور الدُّجى– من ديوان: رحلة إلى عنوان مفقود، ص122].

الفعل تَوارَفْتِ: تَوارَفْتِ ضبابًا رَهيفَ خَطْوٍ. [قصيدة: فوضى ألواني المشاكسة– من ديوان: رحلة إلى عنوان مفقود، ص95]. الفعلُ توارفَ غيرُ مستخدَمٍ في العربيّةِ، والمُستخدَمُ مِنَ الجذر (و.ر.ف): وَرَفَ، وأَوْرَفَ، ووَرَّفَ؛ يُقال: وَرَفَ الظّلّ، وأوْرَفَ الظلُّ، ووَرَّفَ الظّلُّ؛ أي اتَّسعَ وطال وامتدَّ، ولهذا فإنّ وزنَ تفاعلَ مِن (وَرَفَ) يَحمِلُ صيغةً جديدةً للأصلِ وَرَفَ، تُفيدُ المعنى ذاتَهُ.

الفعل ترامَحْتِ: تَ ر ا مَ حْ تِ/ بباحاتِ بَوْحي. [قصيدة: فوضى ألواني المشاكسة– من ديوان: رحلة إلى عنوان مفقود، ص95].

الفعلُ ترامحَ من الجذر (ر.م.ح) وهو مرتبطٌ بالرّمحِ، يُقالُ: ترامحوا؛ أي تطاعَنوا بالرّماح، وهذا المَعنى المُعجميُّ بعيدٌ قليلًا عن مفهومِ السّياقِ، ولعلّ المعنى الأقربَ هو: أصبحْتِ قاسيةً وحادّةً كالرّمح!

رَهيف: تَوارَفْتِ ضبابًا رَهيفَ خَطْوٍ يُواعِدُ ظِباءَ روحي. [قصيدة: فوضى ألواني المُشاكِسة– من ديوان: رحلة إلى عنوان مفقود، ص95].

رهيفٌ من الفعل رَهُفَ رَهَافَة ورَهَفًا؛ أي رَقَّ ولَطُفَ، والكلمةُ قليلةُ الاستخدام، إذ شاعَ استخدامُ مُرْهَف، يقال: رجلٌ مُرهفٌ، وحِسٌّ مُرهفٌ، وأذنٌ مُرهفةٌ، ويُقال: هو رهيفٌ، وهي رهيفةٌ، وسيفٌ رهيفٌ، وحِسٌّ رهيف..

شَفِيفَ: لِمَ حَبَّرَتْكَ زمنًا بهلوانيًّا/ شفيفَ وَحْدَةٍ../ على حافّةِ مَعْقَلٍ مُعَلَّقٍ؟ [قصيدة: ناطور الدجى– من ديوان: رحلة إلى عنوان مفقود، ص123].

الشّفيفُ مِنَ الفِعلِ شَفَّ، يُقالُ: شفَّ الثّوبُ؛ أي رقَّ حتّى يُرى ما خلفَهُ، والشّفيفُ بمعنى  الشفَّاف؛ أي ما لا يُحجَبُ ما وراءَه. واستخدَمَتِ الكاتبةُ لفظةَ شفيف؛ لأنّ فيها الانسيابيّةَ والخِفّةَ والرّقّةَ كخفيف..

نعوتٌ غيرُ مألوفةٍ؛ مثل:  العشتار: يا أيُّها البحرُ العاري/ مِن مَوْجِها العشتار.. [قصيدة: ناطور الدجى– من ديوان: رحلة إلى عنوان مفقود، ص123]. عشتار هي إلهةُ الحُبِّ والجَمالِ والحربِ عندَ البابليّينَ، ويُقابلُها فينوس عند الرومان، وأفروديت عند اليونان، وإنانا عند السّومريّين، وعشاروت عند الفينيقيّين. وجعلَتِ الكاتبةُ مِن لفظِ عشتار الاسمَ الجامدَ؛ نعتًا غيرَ مألوفٍ..

الثلجيّة: ونيرانُكِ الثّلجيّة/ تُعطِّرُ قمصاني بمَلامِحِكِ المُتخمةِ بالمَطر. [قصيدة: تحليقات سماويّة- من ديوان: رحلة إلى عنوان مفقود، ص125[. إنّ لفظ "الثلجيّة" نعتٌ مألوفٌ؛ لكنّ ارتباطَهُ بـِ"نيرانِكِ" جعلَ المُحصّلةَ غيرَ مألوفةٍ...

الفَرِح: في ضبابِ الأفقِ الهاربِ منكِ/ تتناغمُ فصولُ الحزنِ الفَرِحِ. [قصيدة: سماويّة غوايتي- من ديوان: سلامي لكَ مطرًا، ص42]. لفظ الفَرِح جاء نعتًا للفظ الحزن!

*المضافُ إلى "الّلامُضافِ": هناكَ كلماتٌ تُضافُ إلى غيرِها ممّا لا يَستقيمُ تَرابُطِها حِسّيًّا؛ هي مِن بابِ المُضافِ إلى الّلامضاف، أو قُلْ، مِن وُجهةِ الاستعاراتِ البعيدةِ الّتي تحتاجُ إلى خيالٍ عميقٍ؛ إذ تُشكِّلُ صعوبةً في إبرازِ صورةٍ كلّيّةٍ شاملةٍ لها؛ ومِن ذلكَ:

مَعابِرُ رُوحي: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أحنّ إلى حفيفِ صوتك، ص13).

مَنابِرُ مَسامعي: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أحنّ إلى حفيف صوْتِكَ، ص13).  

ظِباءُ حُزنِكَ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أحنّ إلى حفيف صوْتِكَ، ص15).

رَحْمَ رُوحٍ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أحِنُّ إلى حفيفِ صوتِكَ، ص15).

يدُ عَقلي: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: في مَهَبِّ رصيفِ عُزلةٍ، ص18).

حِجابُ الإرادةِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: في مَهَبِّ رصيفِ عُزلةٍ، ص18).

ثدْيُ انتظارِها: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: في مَهَبِّ رصيفِ عُزلةٍ، ص20).

تعاريجُ الحزنِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أوتارٌ مُتقاطِعةٌ، ص24).

شظايا الفَرَحِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أوتارٌ مُتقاطِعةٌ، ص24).

مَسانِدُ الصَّمْتِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أوتارٌ مُتقاطِعةٌ، ص24).

جوعُ عواصفِ الوقتِ الكافرِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أوتارٌ مُتقاطِعةٌ، ص25).

وَرَعُ الضَّوءِ الخافِتِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أوتارٌ مُتقاطِعةٌ، ص25).

قفصُ البراءةِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أوتارٌ مُتقاطِعةٌ، ص25).

شِفاهُ الثّلج: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: عصفورةُ النّارِ، ص28).

أجنحةُ عِناقِنا: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: عصفورةُ النّارِ، ص29).

أبْخِرةُ شوْقي: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: اُنْفُضِ الغبارَ عن متحَفِ فَمِكَ، ص30).

ضُلوع جِناني: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: اُنْفُضِ الغبارَ عن متحَفِ فمِكَ، ص31).

خُواءُ مَحاراتٍ ذابلةٍ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: اُنْفُضِ الغبارَ عن مَتحفِ فمِكَ، ص32).

تراتيلُ الصّمْتِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: اُنفُضِ الغبارَ عن متحَفِ فمِكَ، ص33).

مَتحَفِ فمِكَ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: اُنْفُضِ الغبارَ عنْ متحَفِ فمِكَ، ص34).

أشجارُ تَوهُّجي: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: اُنْفُضِ الغبارَ عن متحَفِ فمِكَ، ص35).

زُرقةُ شِعري المُتماوِجة: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: كي لا تتهاوى، ص38).

حِجابُ أرضي: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: شوقي إليك يشعلني، ص42).

جسَدُ السّؤالِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: شوقي إليك يُشعِلُني، ص43).

مَعابِدُ غُصوني: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: شوقي إليكَ يُشعلني، ص44).

عيونُ الشّرِّ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: أيائلُ مُشبعةٌ برائحةِ الهلع، ص57).

مَرمى انشطارِ الحُدودِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: غيرة حبيبي، ص58).

أجِنَّةُ الآمال: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: غيرة حبيبي، ص59).

أدغالُ الكلماتِ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: غيرة حبيبي، ص61).

ظنونُ خمرتِك: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: غيرة حبيبي، ص64).

جَبينُ عفوِك: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: غيرة حبيبي، ص66).

براءة الفجر: (سلامي لك مطرًا: خُرّافة فَرَح، ص27).

هَديل يَمام الرّوح: (سلامي لك مطرًا: خُرّافة فَرَح، ص27).

أُفق وَشوشات الليل: (سلامي لك مطرًا: خُرّافة فَرَح، ص29).

هَوْدَج النُّعاس: (سلامي لك مطرًا: خُرّافة فَرَح، ص30).

ضِرع النجوم: (سلامي لك مطرًا: حورية تقتات من ضرع النجوم، ص33).

موسيقى دمي: (سلامي لك مطرًا: حورية تقتات من ضرع النجوم، ص34).

رَمْل حنين: (سلامي لك مطرًا: حورية تقتات من ضرع النجوم، ص32).

غاباتِ فرحي: (سلامي لك مطرًا: سلامي لك مطرًا، ص35).

شِتاءاتِ الخطايا: (سلامي لك مطرًا: سلامي لك مطرًا ، ص36).

فطائرُ حبِّكِ: (سلامي لك مطرًا: سلامي لك مطرًا ، ص38).

تثاؤب وَهمي: (سلامي لك مطرًا: سلامي لك مطرًا ، ص40).

تسابيحُ نوافيرِ أنفاسِك: (سلامي لك مطرًا: سلامي لك مطرًا ، ص41).

مناقيرُ فِراخِ الحنين: (سلامي لك مطرًا: سَماويّة غُوايتي ، ص51).

شلاّلُ غيابِكَ: (رحلة إلى عنوان مفقود: أقم مِحرقة أقمارك بأدغال مائي، ص15).  

حِبال ضبابكَ: (رحلة إلى عنوان مفقود: أقم مِحرقة أقمارك بأدغال مائي، ص15).

نُخاعُ عصافيرِ رُوحِكَ: (رحلة إلى عنوان مفقود: أقم مِحرقة أقمارك بـ، ص17).

وقع خُطى صوتكَ: (رحلة إلى عنوان مفقود: أقم مِحرقة أقمارك بأدغال ص19).

جِلباب بَرْدي: (رحلة إلى عنوان مفقود: كم موجع ألا تكوني أنا، ص26).

إبط القمر: (رحلة إلى عنوان مفقود: وحدكِ تُجيدين قراءةَ حَرائقي، ص27).

بحيرة ضوء حبيبتي: (رحلة إلى عنوان مفقود: وحدكِ تُجيدين قراءةَ  ص28).

سَحابُ وقتي: (رحلة إلى عنوان مفقود: مَرِّغوا نهدَيَّ بعِطره الأزرق، ص54).

جُسُورَ تَلعْثُمٍ: (رحلة إلى عنوان مفقود: ناطور الدُّجى، ص122).

*مَواطِنُ جَماليّةٌ في أسلوبِ الاختزال: لقدِ استخدَمَتِ الكاتبةُ أسلوبَ الاختزالِ في لفتاتٍ جَماليّةٍ مُتنوِّعةٍ؛ ومن ذلك: - "الـ" الموصوليّة الّلاصقة تصديرًا بالأفعال؛ مثل:

اليَكْمِنُ: المجهولُ اليكمنُ خلف قلبي/ كَم أرهبه.. [قصيدة: في مهب رصيف عزلة– من ديوان: بسمة لوزية تتوهج، ص18].

اليَتصدَّعُ: ومِن على برج عشقي اليتصدّع/ أترقّبُني/ أعلى حافّة الاحتقار. [قصيدة:غيرة حبيبي – من ديوان: بسمة لوزية تتوهج، ص69].

التَلْهَثُ: تعزفُني زفراتُك التلهثُ/ حفيفَ تَميمةٍ مُقدّسةٍ. [قصيدة: غيرة حبيبي– من ديوان: بسمة لوزية تتوهج، ص72].

اليَسْتَتِرُ: لأظلَّ ضميرَكِ اليستترُ خلفَ جبالِ صمتكِ. [قصيدة: سلامي لك مطرًا – من ديوان: سلامي لك مطرًا، ص36].

اليَتَّكِئُ: على شواطئِ العتمةِ يَدرُجُ نومُكِ اليتَّكئُ على عُكّازِ صحوتي. [قصيدة: سلامي لك مطرًا– من ديوان: سلامي لك مطرًا، ص36]. ومنها:

التَزدَحِمُ: مَوائِدي التَزْدَحِمُ/ بِرَقائِقِ بَسْمَتِكِ الشَّقِيَّةِ/ بِفَطائِرِ حُبِّكِ المَعْسولَةِ/ أَأَقْتَرِعُ... عَلى/ كِ سْ رَ ةٍ/ مِنْ خُبْزِ نُعاسِكِ؟ [قصيدة: سلامي لك مطرًا– من ديوان: سلامي لك مطرًا، ص37].

التَتْرَعينَ: أَيَّتُها الغابَةُ التَتْرَعينَ بِوَحْشِيَّةِ الجَمالِ/ إلامَ يَظَلُّ يَفْتَرِسُني ضِياؤُكِ الشّرِسُ؟ [قصيدة: سلامي لك مطرًا– من ديوان: سلامي لك مطرًا، ص39].

اليَصْهَلُ: لِسانَ القَلَمِ اليَصْهَلُ/ "أُحِبُّكِ"/ خَلِيَّةَ القَلْبِ لاغِفيها. [قصيدة:سماويّة غُوايتي– من ديوان: سلامي لك مطرًا، ص46].

التّقاربُ النّفسُ- مكاني: هناكَ ما يُشيرُ إلى الاختزالِ والاختصارِ، الّذي أرادتْ خلالَهُ الكاتبةُ أنْ تُبرزَ التّقاربَ المكانيَّ والانسجامَ النّفسيّ، ومِن ذلك: تعْدِيةِ الأفعالِ الّلازمةِ:

أشتاقُكَ في قولْها: "أشتاقُكَ/ أيُّها المجنونُ/ إلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك/ أشتاقكَ.." [قصيدة: أحنُّ إلى حفيف صوتك – من ديوان: بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ، ص14]. وهنا لا أُبرِّرُ ما ذهبَتْ إليهِ الكاتبةُ بالتّضمينِ، بل أذهبُ إلى السّياقِ.. إلى التّقاربِ النفسيِّ والمَكانيِّ، فهي لا تُريدُ أنْ يَفصِلَ فاصلٌ بينَ الاشتياقِ والآخرِ، كيفَ لا وهو الاشتياقُ ذاتُهُ! ولذا فإنّ حرْفَ الجَرِّ (إلى)، قد تَلاشى أمامَ هذا التّقارُبِ.. ومثلُ ذلكَ:

أُدمنُها: [قصيدة: أحنُّ إلى حفيفِ صوْتِكَ– من ديوان: بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ، ص14].

أجيئُكَ: [قصيدة: عصفورة النّار– من ديوان: بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ، ص29]...

إضافةُ "كما" إلى ياء المُتكلّمِ: "وما مِنْ أحدٍ يَراكَ شفيفًا كَمايَ". [قصيدة: أحنُّ إلى حفيفِ صوْتِكَ– مِن ديوان: بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ، ص14]. ومثل ذلك: إلاَّكَ: "على ضِفاف روحِكَ/ تنمو أشجارُ توهُّجي/ تَثِجُني هالاتُها البَرّيَّةُ/ ولا تُزْهِرُ.. إلاَّك". [قصيدة: أنفض الغبار عن متحف فمك – من ديوان: بسمة لوزية تتوهج، ص36]

عمّمْتُ الكاتبةُ آمال عوّاد رضوان قاعدةً محصورةً نحوِيًّا في أفعالِ القلوب على كلِّ فعلٍ عربيّ؛ وكأنّي بالحُبِّ عندها يَتوزّعُ بينَ الشّكِّ واليقين؛ فإذا جازَ نحويًّا أن نقولَ: رأيتُني، وحَسِبْتُني، وخِلْتُني،.. فإنّ التّقاربَ النّفسيَّ والمَكانيَّ، وتوحُّدَ الذّاتِ معَ الآخرِ عندها، جعلَها تقولُ: "أأسكُبُني رعشاتٍ تصهُركَ../ تُغلِّفكَ بي؟!" [قصيدة:أحنّ إلى حفيف صوتك – من ديوان: بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ، ص17]. ومِن ذلكَ: "أُلَمْلِمُني لكَ ظِلالًا/ وأشتاقُكَ أبدًا". [قصيدة: أحنّ إلى حفيف صوتك– مِن ديوان: بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ، ص17]

الإيحاءاتُ الصّوريّةُ والشّكليّةُ: استخدمَتِ الكاتبةُ إيحاءاتٍ شكليّةً تُغْني عن عشراِت الكلماتِ؛ لتُعبِّرَ بذلكَ عن المَضمونِ الكُلّيِّ للكلمةِ وموْقِعِها مِنَ النّصِّ، أو لتُبرِزَ الشّكلَ الإيقاعيَّ للصّورةِ الّتي يُحاولُ القارئُ أن يَرسمَها، أو لتُرسِلَ إلى مَن يَقرأُ نصَّها نسائجَ صوتيّةً تنبثِقُ مِنَ الكلمةِ ذاتِها؛ فتعكسُ المَعنى المُستتِرِ وراءَها، وتُظهِرُ الحالةَ النّفسيّةَ بهِ؛

ومِن ذلك: تكرارُ الحرفِ الواحدِ في الكلمة؛ مثل:

آآآآآآآآآآآآآه: (سلامي لك مطرًا:سماوية غوايتي، ص 44)

هي...هااااات: (سلامي لك مطرًا:سماوية غوايتي، ص 46)

 شاااااردة: (سلامي لك مطرًا:أُسكبيكِ في دمي، ص 77).

 تطوووووفُ..داااااااااااااائخةً: (سلامي لك مطرًا: إليكِ أتوب غمامًا، ص 88).

يااااااااااااه: (رحلة إلى عنوان مفقود: أقم محرقة أقمارك بأدغال مائي، ص 16).

شُموووووووسًايااااااااااانعة بكِ: (رحلة إلى عنوان مفقود: كم موجع ألا تكوني أنا، ص 22-23).

رُحْمَاااااااكِ: (رحلة إلى عنوان مفقود:وحدكِ تجيدين قراءة حرائقي، ص 30).

دُرررررر:(رحلة إلى عنوان مفقود:ناطور الدجى، ص 122).

تقطيعُ حُروفِ الكلمةِ أفقيًّا؛ مثل:

أُ ح بّ ك!: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: غيرة حبيبي ص69).

صَ دِ ئ تْ – تَ هَ رّ أ تْ: (بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ: غيرة حبيبي، ص76).

تَ تَ عَ ثَّ رُ: (سلامي لك مطرًا: خُرّافة فرح، ص 28).

كِ سْ رَ ة/ نَ غْ مَ ة/ حَ فْ نَ ة: (سلامي لك مطرًا: سلامي لك مطرًا، ص 38).

تَ تَ كَ سَّ رُ: (سلامي لك مطرًا: ندى مغموس بغمامات سهد، ص 61)

 ف ر ا ق: (سلامي لك مطرًا: زَغب شمعيّ، ص 93).

تقطيع حروف الكلمة عموديًا؛ مثل:

"تَ/ نْ/ فَ/ رِ/ طُ/ عناقيدُ لهيبها". [قصيدة: خُرّافة فرح– من ديوان: سلامي لك مطرًا، ص28]

ومِنَ الدّيوانِ نفسِهِ في قصيدة "فتنة رؤى عذراء"؛ تقولُ الكاتبةُ: "وِشاحٌ من ترانيمِ الطُّلول/ يَ/ نْ/ دِ/ فُ/ على سفوحِ القلب".

وفي قصيدة "إليكِ أتوب غمامًا"؛ تقول: "وعرة فصول وقتي الأرعن/ يملؤها خواء

يَ/ تَ/ سَ/ ا/ كَ/ بُ/ يتعفّرُ بغموض حوّاء".

وفي قصيدة "على مرمى خيبة" في ديوان رحلة إلى عنوان مفقود؛ تقولُ: "أَ../..رْ../  ..جَ../ ..حْ../ ..تِ../ ..ني../ على بارقةِ عرْشِ بيْنَ أسنانِ أُكذوبَةٍ".                                                     

هذا بعضُ ما تَمايَزَتْ بهِ نصوصُ الكاتبةِ؛ إضافةً إلى الوسائلِ الفنّيّةِ والأساليبِ البَلاغيّةِ، وغيرِها مِن أساليبِ الّلغةِ المُتعدِّدةِ؛ والحقُّ، ظهورُها بكثرةٍ في نصوصِها، إلاّ أنّ التّركيزَ شمِلَ أبرزَ ما أشرَقَتْ بهِ تلكَ النّصوص.

 

 

 

 

 

إجــــمـــــــال

استعرَضَ الباحثُ في هذهِ الدّراسةِ ومضاتٍ مِن حياةِ الكاتبةِ آمال عوّاد رضوان؛ فتحدّثَ عن أبرَزِ آثارِها الإبداعيّةِ؛ نثريّاتِها الشّاعريّةِ الثّلاث: "بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهَّجُ"، و"سلامي لكِ مطرًا"، و"رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ"، إضافةً إلى إسهاماتِها وكتاباتِها الأدبيّةِ والنّقديّةِ والاجتماعيّةِ، الّتي نُشِرَتْ في كُتبٍ مُتنوّعةٍ بالاشتراكِ معَ آخرينَ، أو برزَتْ في الصُّحفِ المَحلّيّةِ، أو في مَواقعِ الشّبكةِ العنكبوتيّةِ المُختلفةِ؛ ومِن ذلكَ كلِّهِ:

"الإشراقةُ المُجَنَّحة- لحظةَ البيتِ الأوّلِ مِن القصيدةِ".

و"نوارسُ مِنَ البحرِ البعيدِ القريب- المَشهدُ الشِّعريُّ الجديدُ في فلسطينَ المُحتلّةِ 1948".

وكتابُ "محمود درويش: صورةُ الشّاعرِ بعيونٍ فلسطينيّةٍ خضراءَ".

وكتابُ "رؤى" في مجموعةٍ من المَقالاتِ والبُحوثِ.

ومِن بُحوثِها الأدبيّةِ:

"الطيّب صالح: هجيرُ صرخةٍ في موْسِمِ الهجرة".

و"حصاة من هيكل ميشيل حدّاد الشعري المقاوم"..

وحنّا أبو حنّا وردةٌ ناميةٌ بصمتٍ مجروحٍ قراءة في: تجرّعتُ سمّكَ حتى المناعة".

وفيما يَرتبطُ بموضوعاتِ الكاتبةِ؛

فقدْ تنوَّعَتْ في صورةِ الأنثى؛ فبرزَتِ الغُربةُ المُوحشةُ، وتجلّى الوطنُ المفقودُ المسلوبُ، وظهَرَتِ المرأةُ المُقيّدةُ الإرادة..

أمّا طرائقُ عرْضِ تلكَ الموضوعاتِ فاختلفتْ؛ تبعًا لزاويةِ الرّؤيةِ عندَ القارئ، وأمّا الصُّوَرُ الأسلوبيّةُ الشّكليّةُ والإيحائيّةُ؛ المُتّصلةُ بنثريّاتِها الشّاعريّةِ، فعكسَتْ صورةً مُماثِلةً لحركيّةِ المَضمونِ بالاتّجاهِ السّائرِ والنّصّ.

تُعَدُّ آمال عوّاد رضوان صورةً مُشرقةً للإبداع الكِتابيِّ المُتجدّدِ؛ فقد استطاعتْ بحِسِّها الأدبيِّ أن تَستحضِرَ الكلماتِ الّتي قَلّ استخدامُها؛ أو هُجِرَ كيانُها، فتنفضُ عنها غبارَ الهجرِ، وتُبرِزُها بحُلّةٍ جديدةٍ تتناسبُ والنّصّ الموضوع؛ إضافةً إلى ما أَطلقَ عليهِ الباحثُ: "المُضاف إلى الّلا مُضاف"، وهو مِن بابِ الاستعاراتِ العَميقةِ الّتي تحتاجُ إلى تفكيرٍ مُتأَنٍّ؛ استخدَمْتُهُ الكاتبةُ آمال بصُورٍ مختلفة..

وختامًا؛ فقدْ حاولَ الباحثُ أن يلمَّ ما استطاعَ مِن إشراقاتٍ ترتبطُ بالكاتبةِ وإبداعاتِها، ولا يدّعي أنّه قدِ استوعَبَ كلَّ ما تناثرَ منها؛ فذلكَ أكثرُ مِن أنْ تَحويهِ دراسةٌ واحدةٌ، وهذهِ السّطورُ لا تتجاوزُ أنْ تكونَ مُحاولةً، غاصَ خلالَها في غديرِ آمال عوّاد رضوان الأدبيّ؛ لعلّها تكونُ باعثًا لقراءاتٍ أخرى، تُعيدُ للكتابةِ الإبداعيّةِ هيْبتَها وقيمتَها في نظرِ أهلِها وذَويها... إلى هنا ينتهي مقالُ الأستاذ محمّد عدنان بركات.

ومَن كَتَبَ وأشادَ وتَحدّثَ في شِعرِ شاعرتِنا آمال رضوان كَثُرَ، وما ذكَرْتُهُ، إنْ هو إلّا نماذجَ قليلة.

       

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمةُ المَراجع والمَصادر

  • المراجع والمصادر العربية
  1. الاتّجاهاتُ الجديدةُ في الشّعرِ العربيّ المُعاصر، د.عبد الحميد جيدة، مؤسّسة نوفل، بيروت، 1980.
  2. الاتّجاهُ الوجدانيّ في الشّعر العربيّ المعاصر، د. عبد القادر القط، بيروت، دار النّهضةِ العربيّة.
  3. أنتروبولوجيّة الصّورة والشّعر العربيّ قبل الإسلام، قصي الحسين، الأهليّة للنّشر والتوزيع، ط1 ، 1993.     
  4. أثر الّلسانيّات في النّقد الأدبيّ/ توفيق الزّيدي الدار العربيّة للكتاب، ليبيا، 1984.
  5. استدعاءُ الشّخصيّاتِ التّراثيّةِ في الشّعر العربيّ المُعاصِر، عشري زايد علي، دار غريب للطباعة والنشر، 2006.
  6. أسرارُ البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق محمود شاكر أبو فهر، مكتبة الخانجي 1991، القاهرة.
  7. الأسطورةُ والشّعرُ محمّد بوعزة، مجلّة العربيّ، العدد 411 - 1993/2، الكويت.
  8. الأفكار والأسلوب: دراسة في الفنّ الرّوائيّ ولغته، ترجمة د. حياة شرارة، دار الشؤون الثقافيّة العامّة، آفاق عربيّة، بغداد، د.ت.
  9. إنتاج الدّلاليّة الأدبيّة، د. صلاح فضل، هيئة قصور الثقافة المصرية.
  10. مقالة الإيروتيكيّة مفهومًا مبعثًا وتاريخًا، كتاب "رؤى"، آمال عوّاد رضوان، ص 41، عن دار لوسط اليوم للإعلام والنشر، رام الله، 2012.
  11. البلاغة والأسلوبيّة، محمّد عبد الطلب، مصر، الهيئة العامة للكتاب، ط1، 1984م.‏
  12. بنية الّلغة الشعريّة، جان كوهن، ترجمة: محمّد الوالي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، ط1، 1986م .
  13. تجربتي الشّعريّة، عبد الوهاب البياتي، دار العودة، بيروت، 1971.
  14. التّفكيرُ البلاغيّ عند العرب- أسسه وتطوّره إلى القرن، حمادي صمو، منشورات الجامعة التونسية- المطبعة الرّسميّة- 1981.
  15. تمهيد في النّقد الأدبيّ، روز غريب، ، دار المكشوف، ط1، 1871، بيروت.
  16. التّناص نظريًّا وتطبيقيًّا، أحمد الزعبي، مؤسّسة عمون للنشر والتّوزيع، الأردن، ط2 ، 2000.
  17. ثورة الشّعر الحديث: عبد الغفار مكّاوي، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة 1972.‏
  18. جريدة السفير 9/6/2006، أحمد يزن.
  19. جماليّة قصيدة النثر مِن بودلير إلى أيّامنا، سوزان برنار، ترجمة د. زهير مجيد مغامس، مطبعة الفنون، بغداد.‏
  20. حديث الثلاثاء، أحمد عبد المعطي حجازي (ج2)، دار المريخ للنشر والتوزيع دار الرياض 1988.  
  21. الخصائص، ابن جني، تحقيق محمّد علي النجّار، المكتبة العلميّة.
  22. دراساتٌ نقديّة في النظريّة والتطبيق: محمّد مبارك، منشورات وزارة الإعلام. الجمهوريّة العراقيّة 1976.
  23. ديوان "بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّج"، آمـال عوّاد رضوان، ط أولى 2005.
  24. ديوان "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقودٍ"، آمال عوّاد رضوان .
  25. ديوان "سلامي لك مطرًا"، آمال عوّاد رضوان، دار الزاهرة للنشر والتوزيع، المركز الثقافيّ الفلسطينيّ- بيت الشعر، رام الله– فلسطين 2007.
  26. ديوان محمّد الفيتوري، م:2. دار العودة، بيروت، 1979.
  27. الرثاء في الجاهليّة والإسلام، حسين جمعة، دار العلم 1991م، ط 1 دمشق.   
  28. ﺍﻟﺭﻤﺯ ﻭﺍﻟﺭّﻤﺯﻴّﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﻌﺭ ﺍﻟﻌﺭﺒﻲّ ﺍﻟﻤﻌﺎﺼﺭ، ﻤﺤﻤﺩ ﻓﺘﻭﺡ ﺃﺤﻤﺩ، 1977، ﻁ1، ﺍﻟﻘﺎﻫﺭﺓ.
  29. زمن الشّعر: أدونيس (ص 278) دار العودة، بيروت، ط2، 1978.
  30. سيمياء العنوان، د. بسام موسى قطّوس، مطبعة البهجة/ بدعم من وزارة الثقافةـ عمان ـ الأردن .
  31. الشّعريّة، تزيفيطان تودوروف، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، ط2/ 1980.
  32. الشّعر رفيقي، أحمد عبد المعطي حجازي، دار المريخ، الرياض 1988.
  33. الشّعر العربيّ المعاصر- قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة، عزّ الدّين إسماعيل، دار الثقافة، بيروت، ط 1.
  34. الصّاحبي في فقه اللغة/ احمد بن فارس، دار الكتب العلميّة 1418- 1997
  35. صحيفة 26 سبتمبر، ص6، الإثنين 11/3/2013
  36. الصّورة الشّاعريّة في الخطاب البلاغيّ والنقديّ، الولي بن محمد، المركز الثقافيّ العربي، ط1، 1990، بيروت.  
  37. الصّورة الشّعريّة، سي دي لويس، ترجمة أحمد الجاني ورفاقه، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، العراق، دار الرشيد، 1982.
  38. ﺍﻟﺼّﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺸِﻌﺭ ﺃﺒﻲ ﺘﻤّﺎﻡ، ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﺍﻟﺭﺒﺎﻋﻲ، ﺠﺎﻤﻌﺔ ﺍﻟﻴﺭﻤﻭﻙ، ﺍﻷﺭﺩﻥ، 1980.
  39. الصّورة في القصيدة العربيّة المعاصرة، اليافي، مجلّة "الموقف الأدبيّ"، العدد: 255/256. دمشق، 1992.
  40. الضّرورة الشّعريّة: ومفهوم الانزياح/ أحمد محمّد ويس، ص17، التّراث العربيّ، ع68، 1997.
  41. طبيعة الشّعر: أحمد محمّد العزب، م أوراق، المغرب، 1985.
  42. ظاهرة الانزياح الأسلوبيّ، صالح شتيوي ص83، مجلّة جامعة دمشق المجلد 21، العدد (3+4) 2005.
  43. علامات في الإبداع الجزائريّ، عبد الحميد هيمة، مديريّة الثقافة ولجنة الحفلات، سطيف، الجزائر، ط1، 2000.
  44. علم تحليل الخطّاب وموقع الجنس الأدبيّ/ مازن الوعر، آفاق الثقافة والتراث، ع14، 1996: 16 .
  45. ﻓﻥّ ﺍﻟﺸّﻌﺭ، ﺇﺤﺴﺎﻥ ﻋﺒّﺎﺱ، ﺩﺍﺭ ﺼﺎﺩﺭ، ﺒﻴﺭﻭﺕ، ﻁ1. 1996، ﺹ200.
  46. في الشّعريّة، كمال أبو ديب، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، بيروت، 1987.
  47. في نظريّة العنوان.. مفتاح النص وجوهره.. من الشّعر إلى القصّة والخطاب الدراميّ عالم من الإبداع ومستويات العنونة، صحيفة الوطن، الأحد 03/31/2013
  48. قراءة أسلوبيّة في الشّعر الجاهليّ، د. موسى ربابعة، دار جرير،عمان، 2010.
  49. القصيدة العربيّة الحديثة بين البُنية الدلاليّة والبنية الإيقاعيّة، حساسيّة الانبثاقة الشعريّة الأولى- جيل الروّاد والستّينات، أ.د. محمد صابر عبيد، من منشورات اتّحاد الكُتّاب العرب، دمشق– 2001.
  50. قصيدة النثر المفهوم والجماليات مقال دكتور مصطفى عطية جمعة،

http://dvd4arab.maktoob.com/f20/1504189.html

  1. قصيدة النثر ومغالطات التعريف، رشيد يحياوي، علامات، م8، حـ32، أيار 1999، ص56.
  2. لسان العرب، ابن منظور، دار الحديث، القاهرة، 2002.
  3. قضية الشعر الجديد، د. محمد النويهي. دار الفكر، ط:2، 1971.‏
  4. اللغة الشعرية بين القدماء والمحدثين الدكتور/ محمد عبدو فلفل مجلة الجسرة، الأعداد من 16- 20.
  5. اللغة الشعرية، دراسة في شعر حميد سعيد/ محمد كتوني: 25
  6. اللغة المعيارية واللغة الشعريّة/ يان موكاروفسكي، ترجمة : الفت كمال الروبي، فصول، ع1، مج5، ص 45، 1984 .
  7. اللغة والأسلوب والموقف/ جورج و. تيرنر، ترجمة: كاظم سعد الدين، الثقافة الأجنبية، ع3، 1998.
  8. في النقد الأدبيّ، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة.
  9. مجلة الآداب ع 8 ـ آب 1965 (ص 15).
  10. مختار الصحاح، الرازي، دار الفكر العربي، بيروت 1973.
  11. المعجم الفلسفيّ/ جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1971م.
  12. المعجم الوسيط، إبراهيم أنيس ورفاقه، ط2، القاهرة.
  13. مفهوم الشّعر عند روّاد الشّعر العربيّ الحُرّ، د. فالح علاق، منشورات اتّحاد الكُتّاب العرب، دمشق 2005.
  14. مفهوم الشّعر في كتابات الشّعراء المُعاصرين: عزّ الدّين إسماعيل/ فصول مج 1 ع، 1981.
  15. من أسرار اللغة، د. إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية ط4، 1978، القاهرة.
  16. منهاج البلغاء وسراج الأدباء/ أبو الحسن حازم القرطاجني، الدار العربيّة للكتاب.
  17. موسيقى الشعر العربيّ قضايا ومشكلات، مدحت الجياردار المعارف، مصر ط1، 1995.
  18. لغة الشعر الحديث في العراق بين مطلع القرن العشرين والحرب العالمية عدنان حسين العوادي، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1985م.
  19. اللغة الشعرية المعاصرة، سراج جراد، صحيفة الفرات، العدد الثلاثاء 13/9/2005.
  20. نصوص مختارة، بيلنسكي، تر: يوسف حلاق، وزارة الثقافة، دمشق، 1980.
  21. النظريّة البنائيّة في النقد الأدبيّ/ صلاح فضل، دار الشؤون الثقافيّة العامّة، بغداد، ط3 ، 1980م.
  22. نظريّة اللغة في النقد الأدبيّ/عبد الحكيم راضي: 28، مكتبة الخانجي، مصر، د.ت.
  23. وعـــي الحـداثـة (دراسات جماليّة في الحداثة الشّعريّة)- د. ســعد الـدين كـليب، دراسة ص33- من منشورات اتّحاد الكُتّاب العرب– 1997.
  24. النّقد الأدبيّ الحديث، د.محمد غنيمي هلال، ص 386، ط دار نهضة مصر.
  25. وظيفة الّلغة في الخطاب الروائيّ الواقعيّ عند نجيب محفوظ، عثمان بدري، موفم للنشر، الجزائر، 2000، ص 14.

  المراجع والمصادر الأجنبية

1 - Essais de stylistique structurale, p228       

2 - voir Andre Martinet.Element de Linguistique  generale.p20.Armand Colin.1999 /10    

3 - La stylistique, Pierre Guirand, Paris, PUF, 7édition, 1972, p9

المحتوى

الموضوع                                                       الصفحة

 إهداء ------------------------------------------ 2

المُقدّمة -----------------------------------------  3

التّحليلُ الأدبيُّ في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَة ------------------------ 12

قراءةٌ نقديّةٌ لمقطوعَةِ (أحِنُّ إلَى حَفيفِ صَوْتِكَ)-------------------- 29

التحليلُ الأدبيُّ لقصيدةِ "أيائِلُ مُشبَعةٌ برائحَةِ الهَلَعِ"------------------ 40

إضاءات نقدية لديوان "سلامي لك مطرا" ----------------------- 56

من قصائد الديوان قصيدة: "سلامي لك مطرا" -------------------- 60

مظاهر الحداثة في شعر آمال رضوان من خلال دراسة قصيدتها" نَدًى مَغْموسٌ بِغَماماتِ سُهدٍ"

----------------------------------------------- 72

الانزياحُ الدّلاليُّ في قصيدة "في مَلاجئ البَراءَة" -------------------- 85

الأسطورةُ في قصيدةِ "مَرِّغُوا نَهْدَيَّ بِعِطْرِهِ الْأَزْرَق(1)"----------------- 100

الصّورةُ والرّمزُ في "فُسْتَانُ زَفَافِكِ اعْشَوْشَبَ كَفَنًا" -------------------- 118

فضاء اللغة في شعر آمال عوّاد رضوان من خلال مقطوعتها "نَقْشٌ في عَتْمَةٍ حافية 139

بعضُ ما قالَ الكُتّابُ والنّقّادُ في الشّاعرة آمال عوّاد رضوان وفي شاعريّتِها

قال النّاقد نافِذ الرّفاعي ---------------------------------- 159

رأى الشّاعر والنّاقد د.راشد عيسى ---------------------------- 162

الشّاعرَ رشدي الماضي ---------------------------------- 164

الشاعر د. فهد أبو خضرة --------------------------------- 165

الدكتور منير توما -------------------------------------- 168

الشاعرة هيام قبلان ------------------------------------- 172

د. محمّد خليل ---------------------------------------- 178

الشاعر والفنّان د. سليم مخّولي ---------------------------- -- 181

القاصة والروائيّة فاطمة ذياب ----------------------------- -- 184

الشّاعرِ وهيب نديم وهبة -------------------------------- -- 190

للأستاذِ محمّد عدنان بركات --------------------------------- 193

إجمال --------------------------------------------- 224

قائمةُ المَراجع والمَصادر ----------------------------------- 226

 

 

 

 

 

 

 

النّاقدُ عبد المجيد عامر اطميزة

أتممتُ دراستي الثّانوية في مدارس الخليل في فلسطين عام ----- ، وبعدَها سافرتُ إلى بيروت لدراسةِ الأدبِ العربيّ، وحصَلتُ على ليسانس الّلغةِ العربيّة، وبَعدَها تعرّضتُ للاعتقال.

عملتُ سنواتٍ في التدريس في المملكةِ الأردنيّة الهاشميّةِ في مدارسِها الثّانويّة عام ----- ، والتحقتُ بعدَها بدراسةِ العلومِ الإسلاميّة، وحصلتُ على دبلوم الدّراساتِ الإسلاميّةِ العليا في القاهرة بتقدير جيّد جدًّا، والدّراسة لمدّة سنتين.

بعدها أتممتُ دراسة الماجستير بتقدير جيّد جدًّا، وكان موضوع الدّراسة:  "الخصائصُ الصّوتيّةُ والصّرفيّةُ للَهجة جبل الخليل في ضوءِ عِلم الّلغة الحديث"، وأشرفَ على رسالتي العلّامة الأستاذ الدّكتور رمضان عبد التّواب، رئيس قسم الآداب في جامعة عين شمس، ولقد تعلّمتُ على يدَيْهِ الكثيرَ الكثير، ولهُ مِن المُؤلّفاتِ والتّرجمات ما يزيد عن مئة وسبعين مؤلّفا.

بَعدَها زاولتُ مهنةَ التدريس في الخليل في مدارسِها، إلى جانب محاضراتي في جامعةِ القدس المفتوحة، ولا زلتُ على رأسِ عملي.

 

 

 

 

 



تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع 'ألوان للثقافة والفنون' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .



اختر هنا لادخال التعليق

الاسم
التعليق
أدخل الرقم السري